العنوان بين الوعي والتخدير
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1978
مشاهدات 63
نشر في العدد 406
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 01-أغسطس-1978
لقد طالعت في إحدى الصحف اليومية مقالًا يأخذ فيه صاحبه على المواطن العربي كثرة تحسسه لواقع أمته المر، هذا التحسس الذي يترجمه المواطن العادى إلى أمنيات أحيانًا مثل تمني هلاك بيغن وزوال "إسرائيل" وغياب أمريكا وروسيا. إلخوطلب من المواطن العربي أن يظل أمر السياسة لرجال السياسة فحسب لأن هموم الأمة تسبب ارتفاع ضغط الدم..
فهل يريد هذا الكاتب من أبناء الشعب أن يكونوا قطيعًا يأكل ويشرب ويتمتع بغرائزه ما استطاع، وأن يأخذ حمية أبدية عن السياسة ترافقه حتى القبر وبهذا ينقسم المجتمع إلى قسمين مصابين بالسياسة ومحيين عنها، وتصبح السياسة محرمة عليهم كحرمة أمهاتهم وأخواتهم عليهم ألم تر أن الله تعالى يقول:- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُم﴾ (النساء: 23) ولم يقل حرمت عليكم السياسة بل قال: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ (آل عمران: 28).وقال عَزَّ مَن قائل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (الممتحنة: 1). كيف يجدد المسلم هذا الولاء ما لم يكن لديه وعي سياسي يرشده إلى حيث يكون الولاء.وأريد أن يخبرني هؤلاء السادرون أو المخدرون كيف يمكن للشعب عامة أن يعبر عن رأيه في قضية ما ولتكن قضية انتخابية أو تحالف قوى أو مهادنة عدو أو التخلي عن شيء من ممتلكات الأمة، كيف يعبر الشعب بمواطنيه الأفراد العاديين عن رأيه أمام كل القضايا الوطنية؟.. أيقف موقف القطيع الذي يثغو حيثما أومأ له الراعي.ألا يري هؤلاء أن رأي الشعب بمواطنيه الأفراد يرجح غالبًا ويدير الدفة؟. فكيف يقوم المواطنون بهذا الدور إذا جانبوا الوعي السياسي؟.
لماذا تنشر الصحف كل يوم ما يدور في فلك السياسة يوميًا؟. لماذا تنقل الإذاعات أنباء السياسة يوميًا؟. هل ذلك من أجل اللعب وضياع الوقت..ويدعو ذلك الكاتب المواطن للخلود وإلى الراحة.. ونبذ السياسة وهمومها، وكيف يخلد للراحة وتحلق فوق رأسه طائرات اليهود ويسمع هدير دباباتهم وتسيل دماؤهمن رصاصهم أليس ارتفاع ضغط الدم خيرًا من ارتفاع نسبة الاستعمار. ولاسيما أن هذه النظرة تذكرنا أيام كان الناس طبقات ما يحق للطبقة العليا لا يحق للطبقة التي تليها ويا نكسة القلم والكاتب والمفكر والشعب إذا أدرنا العجلات إلى ذلك الظلم السحيق. فقد كنت آمل أن ينشر ذلك الكاتب وأمثاله برنامج تفكير جديد لمواطننا التائه الممزق بين فكر الشرق والغرب يفهم من خلاله أي مورد ينهل وأي طريق يسلك حتى يهتدي إلى شخصيته المتميزة التي يعتز بها بين الأمم ويفخر ويحتمل دور الأستاذ به لا التبعية الحالية المقتبسة.وما مشاركة العديد أو الكثير من المواطنين في الفكر والسياسة إلا دليل انتباه جديد في عقلية أبناء المنطقة يعوذ هذا الانتباه الموجه الناصح الذي يرشد إلى شخصية أمتنا المتميزة بين الأمم التي فقدها معظم أبناء الوطن؛ غاب وعيهم الفكري السياسي نتيجة أسباب كثيره يتربع على عرشها الجهل وأصبح المواطن تبعًا لكل ناعق وتقليدًا لكل غريب.ألا يجدر بكل حريص على إخوانه المواطنين أن يدفعهم بكل ما يستطيع إلى فهم أعمق ووعي أشمل وتتبع لحوادث المنطقة والعالم أدق. هذا هو الواجب أم تخدير المواطن ليخلد للراحة هو الواجب.ألا بعدًا ثم بعدًا للتخدير ودعوة الدعة والراحة تحت ضربات الأعداء.وعلاوة على ذلك نحن أبناء أمة تعيش مؤخرة ركب الحضارة الحالية على ما في هذه الحضارة من زيف ونحن أبناء أمة جاء اليهود من أطراف الدنيا ليتربعوا على صدرها وينهشوا قلبها، فكيف يمكن أن نقول لمواطننا دع عنك "إسرائيل" وغيرها فللسياسة رجال وأنت لك عمل، إن في هذا تحذيرًا للمواطن العربي وإبعادًا عن دوره وغيبوبة عن واقعه مما يسبب حتفه وحتف بلاده معه، كيف يقدم هذا الإنسان المخدر لأمته؟.. كيف يقدم المال؟. كيف يقدم النفس؟. كيف يقدم النصيحة؟.
والأمل أن يجند كل واحد نفسه ليرفع على طريق الأمة الشاقة في هذه الظروف علامة من معالم هذه الطريق يهتدي بها أبناء هذا الوطن ثم يهتدي بها الناس جميعًا، وهل سمعت بقصة -ربعي بن عامر- مع -رستم –وزير كسرى -.الآن انتهز هذه الفرصة لأجعل منها علامة من معالم طريق نهوض أمتنا بين الأمم والاستعلاء عليها. عندما عسكر جيش المسلمين بقيادة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص -رضى الله عنه- في العراق يريد فتح بلاد فارس ليدخل بها النور أرسل قائد جيش الفرس -رستم- إلى قائد جيش المسلمين يطلب منه وفدًا من المسلمين يتفاوض معهم، فمن أرسل له سعد يا ترى؟ لعلك تعجب إن علمت أنه أرسل له أحد الجنود القريبين منه وهو ربعي بن عامر، ولكن بعد قليل سيزول عجبك بعجب أشد عندما تعرف موقف ربعي هذا ثم سيزول العجب كليًا إذا عرفت طبيعة المسلمين في وعيهم السياسي العقائدي والفكري على كل مستويات الحياة، وبإيجاز امتطى ربعي ناقته وسار مع رسول رستم، فلما أقبل عليه وجده يجلس على عرش عظيم داخل صيوان ضخم وقد نسجت العناكب البشرية حوله خيوط الحرير والزينة المزركشة، ورستم يريد من هذا المنظر وضع صورة معينة في نفس رسول سعد يشعره بعدها بعظم شأنه وقلة شأن المسلمين، ولكن ربعي هذا الجندي المسلم الذي تربي في معسكر القرآن الذي كان يقرأ فيه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8). والذي كان قائده محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ربعي هذا فوت الفرصة عليه وربح الجولة عندما دخل بناقته إلى الصيوان وربط خطامها على أحد الأعمدة المزينة بأنواع الحرائر فقطع ما عليها من زينة ودخل يسير فوق الفرش المبثوثة وهو يتوكأ على رمحه فيبكتها وهو يتقدم بخطى وئيدة يسطرها علىى صفحات التاريخ منارة عزة وكرامة ووعي وإباء، فعلم الفرس أن عزة المسلم فوق إدراكهم وتابع حتى جلس على العرش إلى جوار رستم فغضب رستم وعبيده من جلوسه هذا فانتهروه فقال ما مفاده -ظننت أنكم تكرمون ضيفكم ولكنكم لا أخلاق لكم-.قالوا له: ما الذي أتى بكم؟ قال: أتينا نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة-. وانظر معي بكل إكبار لهذا الملخص لرسالة الإسلام الخالدة على لسان سيدنا -ربعي- وانظر معي إلى رئيس الدولة يومها -عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- لو سُئل نفس السؤال فهل سيجيب بأفضل مما أجاب هذا الجندي -ربعي- وهكذا يبين لنا سر من أسرار التفوق الإسلامي العالي يومذاك وهو الوعي السياسي الواضح الذي يلم به الجميع فمتى يا بني قومي نضع أقدامنا على أول الطريق.احمل هذا الموقف وسر معي إلى موقف آخر قبل الإسلام مفاده: أن أكثم بن صيفي طرق مرة باب كسرى فقيل له من أنت: قال: واحد من العرب، وعندما أدخله كسرى وأجلسه قال له: من أنت. قال: أنا سيد العرب. قال كسرى كيف ذلك وقد قلت آنفا إنك واحد من العرب. قال: كيف لا أكون سيد العرب وأنا بجوار كسرى؟. وهل في العرب أعز مني وأنا بجوارك؟.فعندما كان المواطن العربي مثل أكثم كان الفرس يحكمون ثلثي الأمة العربية والثلث الباقي تحت إمرة الروم وعندما أصبح المواطن العربي مثل ربعي ساد ربعي وإخوانه العالم فأيهما يريد منا هؤلاء الكاتبون؟ أيريدون أن نكون أمثال أكثم أم أمثال ربعي. هداني الله وإياكم جميعًا إلى الصواب والحمد لله رب العالمين. موفق غرلي
- تفاؤل:
لما قدم النبي عليه الصلاة السلام المدينة نزل على رجل من الأنصار فصاح الرجل بغلاميه: يا سالم ويا يسار، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: سلمت لنا الدار في يسر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل