; بين الفُرقة العربية والوحدة الأوروبية | مجلة المجتمع

العنوان بين الفُرقة العربية والوحدة الأوروبية

الكاتب حازم غراب

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

مشاهدات 81

نشر في العدد 1322

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

لغتنا واحدة، ولغاتهم التي يتعاملون بها رسميًا في البرلمان الأوروبي ١١ لغة وديننا واحد، ودياناتهم ممزقة، وإسلامنا يحثنا على الوحدة والترابط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وديانتهم المشوهة لا شأن لها بالسياسة، أو لا مانع عندهم من أن يسنوا القوانين التي تبيح زواج الرجل بالرجل، ولا يترددون في إبادة البشر، وذبح النساء والأطفال، كما حدث في البوسنة وكما يحدث في كوسوفا تحت سمع وبصر الجميع في أوروبا.

اشتعلت بينهم حربان عالميتان في أقل من مائة سنة، ولم نحارب بعضنا بعضًا اللهم إلا في مناوشات كان أسوأها غزو العراق للكويت.

نعيش في فرقة وشقاق، ونسير لمزيد من التشتت والتنابذ والتصاغر، وينجحون هم في تحقيق وحدتهم وتكاملهم وتكتلهم.

نكرس نحن الحدود ونزيد حراسها وأسلاكها الشائكة، ونفرض تأشيرات السفر ونضيق على المسافرين بين بلادنا ويزيلون هم حدودهم، ويلغون التأشيرات بل وجوازات السفر للانتقال بين بلادهم وإذا حصل غريب مثلي على تأشيرة دخول بلد واحد من دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة، ثم دخلها فعلًا، لا تستطيع سلطة دولة واحدة من الأربع عشرة الباقية أن توقفه في مطار أو ميناء أو محطة قطار لتطالبه بإبراز تأشيرة الدخول. ويتحرك الأوروبي منهم، وينتقل للعمل، أو الدراسة، أو السياحة بحرية مطلقة في الدول الخمس عشرة.

سافرت بين أربع من دول الاتحاد الأوروبي بالطائرة والحافلة والقطار، فلم أتوقف أمام سلطة جوازات إلا في واحدة ولثوانٍ معدودة، بينما مررت عبر حدود الآخرين بلا لحظة توقف واحدة ورأيت على الحدود مباني الجوازات والجمارك على الطرق البرية تنعي من بناها، ولست أدرى لماذا تركوها؟ هل لتكون شاهدًا تاريخيًا للأجيال الجديدة على بقايا الفرقة، أم تراهم تركوها لأمثالنا لكي يتحسر على أحوالنا في عالمنا العربي والإسلامي؟

وزرت البرلمان الأوروبي أثناء انعقاد إحدى جلساته أواخر الشهر الماضي، وشاهدت وسمعت مناقشات الأعضاء المنتخبين مباشرة من دوائرهم لتمثيل بلادهم، وكان المتحدثون منهم في غاية الدقة في التعبير عن القضايا، وكانت المنصة تحترمهم ولا تقاطعهم إلا إذا زادوا على الوقت المخصص لهم، ولمست أن كل عضو وراء فريق عمل يمده بإحصائيات ومعلومات وأخبار تساعده على أداء مهمته بكفاءة عالية، ورأيت المنصة وهي تأمر مندوب المفوضية الأوروبية المختص بالقضية التي يثيرها العضو لكي يوضح أو يفند أو يعترف بصحة ما ذكره العضو، ثم تصدر التوصيات أو القرارات من البرلمان الأوروبي، لكي تذهب إلى حكومات الدول الأعضاء.

وتذكرت في جلستي تلك داخل البرلمان الأوروبي برلمان بلدي والطريقة التي جاء بها معظم الأعضاء إلى مقاعدهم، سواء على أسنة مطاوي وسيوف البلطجية، وتراخي أجهزة الأمن أو بأصوات الموتى الذين يخرجون كل 5 سنوات للتصويت، ثم يعودون إلى مقابرهم أو باستضافة المرشحين ذوي الشعبية الحقيقية في غياهب السجون أو تخشيبة بعض أقسام الشرطة قبيل يوم الانتخاب وحتى إعلان النتائج المطبوخة.

و تذكرت نوابًا سمحوا لأنفسهم، وسمحت لهم المنصة أن يتراقصوا على المقاعد نفاقًا للزعيم إبان هزيمته عام ١٩٦٧م، ثم تمثيلية تنحيته ورجوعه عن التنحي.

وجلجلت في أذني كلمات المنصة الشهيرة لدينا «موافقة. موافقة. الأغلبية طلبت إغلاق باب المناقشة».

وزرت مقر أكثر من هيئة من هيئات الاتحاد الأوروبي في كل من بروكسل. ولوكسمبورج، وستراسبورج (بفرنسا) وسمعت وناقشت كوادر دبلوماسية متخصصة من مختلف بلدان أوروبا الأعضاء في الاتحاد ورأيتهم يعملون كخلايا نحل لتدعيم وتسريع خطة الوحدة، سواء بالدراسات أو الأبحاث أو المحاضرات والخطط واستقبال الوفود الزائرة، وتذكرت جامعة الدول العربية وترهلها أو شللها، وقفزت لذهني أسماء بعض أبناء الكبار الذين يعملون في وظائفها الدبلوماسية ذات الرواتب الكبيرة دون عطاء أو حتى حضور منتظم إلى مكاتبهم.

شيء واحد وجدت أننا متشابهون فيه مع الأوروبيين وهو تعدد العملات النقدية، ولكني تذكرت بسرعة أن العملة الأوروبية الموحدة «اليورو»، سوف تحل محل (۱۱) عملة أوروبية في يناير القادم، والبقية تلحق بهم في غضون سنوات قليلة على أقصى تقدير، كما قال لنا المسؤولون في بنك الاستثمار الأوروبي، وأسهبوا لنا في شرح الآثار الاقتصادية لهذا الحدث التاريخي.

الرابط المختصر :