; بين «اعرف عدوك» و«معرفة الآخر» | مجلة المجتمع

العنوان بين «اعرف عدوك» و«معرفة الآخر»

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1332

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 29-ديسمبر-1998

ثمة حجة أخذت تتكرر في هذه الأيام، وبالصوت العالي، تقول «كفانا جهلًا في معرفة الآخر» أو «آن الأوان لنخرج من الزنازين التي حبسنا عقولنا فيها»، ويصل الأمر بأصحاب هذه الحجة إلى تفسير كل مآسينا ونكباتنا بعدم «معرفة الآخر» ويستشهد البعض على هول هذا النقص الفادح عندنا، أو فينا بما قاله إدوارد سعيد من أن كل مراكز البحوث والجامعات العربية لم تخصص قسمًا واحدًا لدراسة المجتمع الإسرائيلي أو المجتمع الأمريكي أو المجتمعات الأوروبية.

إذن نحن هنا أمام اكتشاف خطير لسبب العلة التي أضاعت فلسطين، والتي أورثتنا نكبة بعد نكبة!

والسؤال الأول: لماذا وقع هذا الاكتشاف منذ مؤتمر مدريد وليس قبل ذلك، علمًا بأن هذا الاكتشاف تسلل إلى الساحة الفلسطينية قبل ذلك بعقد من السنين مستخفيًا تحت شعار «اعرف عدوك»، أو «ضرورة العمل وراء خطوط العدو»، وفقًا لقوانين أو أصول علم الحرب.

السؤال الثاني: هل وراء هذه الحجة -«معرفة الآخر» والمقصود «معرفة اليهودي الإسرائيلي»- مسألة معرفية أم مسألة سياسية وعلى التحديد تمرير عملية إقامة علاقة بهذا الآخر؟

والسؤال الثالث: لماذا تساق حجة ضرورة معرفة الآخر مستندة إلى مسلمة «اعرف عدوك» كأن شعار «اعرف عدوك» وشعار «معرفة الآخر»، أمر واحد، أو كلمتان مترادفتان؟

لعل أول ما يجب أن يُصفى على ضوء هذه الأسئلة وما تحمله من إجابات عنها، هو أن المسألة هنا سياسية وليست مسألة معرفية، فالذي يدعو إلى معرفة هذا الآخر هنا -وينطبق هذا على أكثر الحالات المشابهة إن لم يكن عليها جميعًا بلا استثناء- إنما هو «التطبيع» الإيجابي مع هذا الآخر أو الانتقال من علاقات العداوة أو التمييز أو الجفاء إلى علاقات تعايش وتعاون وانفتاح، وإذا كان هنالك ما له علاقة بالمعرفة هنا، فإنما هو القول إن معرفة هذا الآخر ستكشف لك أنه ليس ذلك العدو الخطير، وليس ذلك السيئ الذي يجب الابتعاد عنه أو التحامل عليه، أي أن المعرفة المقصودة بالآخر جاهزة وليست عملية بحث موضوعي في معرفة الآخر، أو قل إن ثمة جوانب معينة يراد إبرازها في ذلك الآخر، ولو كانت عرضية وثانوية من الناحية المعرفية، وجعلها الوجه الرئيس فيه أو سمته الأساسية.

ولهذا يجب أن يكشف الغطاء عن هذا الشعار، ويصار إلى مناقشة المسألة من الناحية السياسية الصرف، وليس باعتبارها مسألة معرفية، أو تصوير الخلافية حولها كأنها خلافية بين دعوة إلى المعرفة، ودعوة إلى الجهل.

أما ثاني ما يجب أن يصفّى هنا فهو عدم وجود علاقة ترادف بين شعاري «اعرف عدوك» ومعرفة الآخر، فهما من طبيعتين مختلفتين تمامًا، فشعار «اعرف عدوك» لا يصبح موضوعًا خلافيًا إذا ما تم الانطلاق من قاعدة أن المعني هو عدو، ولهذا لم يختلف أحد طوال عشرات السنين حول هذا الشعار أو مبدأ هذا الشعار قبل ارتفاع الصوت المنادي بمعرفة الآخر «اليهودي الإسرائيلي»، ولم يختلف أحد على ضرورة دراسة المجتمع الإسرائيلي- وجرت فعلًا دراسات، وكتبت تقارير كثيرة حول طبيعة التركيبة الداخلية للمجتمع، وركز كثيرًا على مسألة التناقضات أو الاختلافات بين اليهود الشرقيين واليهود من أصل غربي، وما يمارس بحق اليهود الشرقيين من تمييز عنصري، وقد حاولت بعض تلك التقارير والدراسات اقتراح برامج أو سياسات للإفادة من التناقضات داخل صفوف العدو.

لكن شعار معرفة الآخر يريد أن يستند إلى تلك المسلمة ليقفز عليها، أو بها إلى مسألة سياسية وهي إقامة علاقات مع هذا الآخر، ويقصد دائمًا فئة معينة من بين فئات هذا الآخر وفقًا لسياسات من يستخدم الشعار، فإن كان من أصحاب الحل بموجب اتفاق أوسلو فإن الآخر المعني هو حزب العمل وحزب الليكود والبحث داخلهما عمن يمكن أن يكون الآخر، الذي يجب أن يُكتشف ليجري الحوار معه والتفاهم وإياه.

وإذا كان من أصحاب فكرة الدولة «ثنائية القومية»، فإن الآخر الذي يعنيه يجيء من الفئات خارج الأحزاب الرئيسة، من فئات المثقفين والمهنيين والفنانيين والكتاب وأساتذة الجامعات، والبحث داخل هذه الفئات عمن يمكن أن يكون الآخر الذي تجب معرفته واكتشافه ليجري الحوار معه والتعاون وإياه.

من هنا تكون محاولة الاستناد إلى مبدأ «اعرف عدوك» في تمرير شعار «معرفة الآخر»، عملية مضللة من الدرجة الأولى، فنحن في الحالة الثانية أمام شعار «اعرف صديقك»، لا عدوك، أي يكون الشعار الثاني قد تخطى المعرفة الأولية الضرورية التي تقرر إن كان المعني عدوًا أم صديقًا.

فتقرر بالنسبة إليه أنه غير عدو بل «صديق» أو هو في طريقه ليصبح «صديقًا»، ومن ثم يريد أن يبحث في المستوى التالي من المعرفة المطلوبة، وبهذا يكون قد انتقل في منهجية المعرفة إلى الضفة الأخرى من الانحياز الذي يوجه «اعرف» أو «معرفة» الآخر!

يبقى سؤال على ضوء هذه النتيجة: لماذا تغلف المقاصد السياسية والمرامي الحقيقية وراء إشكالية المعرفة وضرورتها؟، أو لماذا لا نأتي إلى الموضوع رأسًا ونرمي إلى الهدف مباشرة دون تعمية ودون لف أو دوران، كما يقولون؟ أفلا يشبه ذلك إلقاء قنابل الدخان لتمرير التحركات أو الضربات الخبيثة، أو غير الشرعية، ثم أفلا يعني هذا أن ثمة إشكالًا في الهدف نفسه، أو في الأرضية التي تقوم عليها العملية السياسية المعنية، فشعار «اعرف عدوك» لا يحتمل التأويل، ويتسم بوضوح تام بالنسبة إلى من يرفعه أو يعارضه، أما شعار «ضرورة معرفة الآخر»، فكثيرًا ما يكون غامضًا أو في الأصح هو قنبلة دخان تغطي المشهد عمومًا وتذهب بملامح الوجوه وحدود الأشكال، لتنتهي إلى غرض في نفس يعقوب.

الرابط المختصر :