; بيعة العقبة وحركة الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان بيعة العقبة وحركة الدعوة

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1977

مشاهدات 67

نشر في العدد 338

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 22-فبراير-1977

نمضي مع وثيقة العقبة، هذه الوثيقة التي انتقلت فيها الدعوة الإسلامية من مرحلة التجمع العقيدي وسط المجتمع الجاهلي، أي من مرحلة المجتع الوليد إلى مرحلة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله.

 ورأينا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد أن بايعه الاثنا عشر من الأنصار عادوا وقد بعث معهم مصعب بن عمير داعية مجاهدًا، وممثلًا لرسول الله- عليه السلام- في المدينة، وكان اختياره بالذات دليلًا على ميزات فريدة تميز بها الصحابي الكريم- رضوان الله عليه- إذ سيكون ناطقًا باسم الدعوة وممثلًا لها في المدينة في ذلك الوسط الجاهلي، وسط يهود أيضًا بما فيها من مؤامرات ومنازعات ولم تكن المهمة سهلة، ولم يكن العمل هينًا، كان جهادًا حقيقيًا، تتمثل فيه الدعوة الصادقة الأمينة، وتظهر فيه الغاية السامية الواضحة، والوسيلة النظيفة القويمة. 

ولكننا هنا لسنا بصدد الحديث عن دور مصعب وإنما ننتقل لنرى العام التالي ونعود إلى ما ورد في سيرة ابن هشام عن ذلك.

«ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة فواعدوا رسول- الله صلى الله عليه وسلم- العقبة، من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله، وحدث كعب بن مالك قال:

 خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالعقبة من أوسط أيام التشريق- فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي وأعدنا رسول الله لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام «أبو جابر» سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر: إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا.

فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا قضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبه بنت كعب- أم عمارة- إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع- فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه- إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه- ويتوثق له، فلما جلس كان اول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال:

 يا معشر الخرزج- وكان العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج،- خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا منه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبي إلا الانحياز إليكم- واللحوق بكم- فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت.

وقبل المضي في نصوص البيعة الثانية، بيعة ميلاد الدولة المسلمة لابد من وقفة أمام النص نستنطقه أحداثًا ووقائع وحركة تفيدنا في فقه الدعوة ومعرفة أصولها ومسارها الصحيح.

 ها نحن نرى الأنصار بعد عام من مسيرة الدعوة في المدينة يزيدون، ويتكاثرون حتى يتشكل منهم ذلك العدد الكبير الذي يأتي إلى العقبة مبايعًا، وإذا نظرنا إلى طبيعة الحياة الجاهلية، وعوائق الدعوة، كان ذلك انتصارًا كبيرًا، حيث استطاع- بفضل من الله- عز وجل- مصعب بن عمير والمسلمون الأنصار أن يدخلوا الإسلام بيوت الأنصار وهذا يدل على نجاح كبير، وتنظيم دقيق، وفقه حقيقي بأصول الدعوة، لأن المطلع على طريقة مصعب في الدعوة، وتعاون المسلمين معه، ودقة العمل الذي سارت به الدعوة هناك «۱». 

ثم نرى صورة من ترابط أبناء الدعوة الجديدة وهم يعيشون في وسط جاهلي مشرك فها هم- الأوس والخزرج- المتخاصمون المتحاربون يؤلف الإسلام بين مسلميهم ويصنع منهم الإخاء في الله مجتمعًا جديدًا صلبًا متماسكًا لا تزعزعه المحن أو عصبيات القبائل ودعاوى الجاهلية. 

لقد استطاع المسلمون، بفضل من الله- عز وجل-، ثم بجدهم المخلص وإيمانهم الخالص- أن يدخلوا الإسلام دور المدينة، وأن ينشروا الدعوة هناك، حتى صار الوسط المديني يتحدث بأمور الدين الجديد، ما بين مؤيد ومعارض أو متردد أو متريث- ولقد كان ذلك ضروريًا أن يوضح حملة العقيدة أمور عقيدتهم- وأن يعلنوا أسس دعوتهم ومبادئ شريعتهم على الناس ـ كما فعل المسلمون في مكة والمدينة- فشرعة الله أنزلت لكي يحكم بها الناس، ويعرفها الناس، ولم تأت لكي تبقى سرًا يكتم أو تعاليم تختفي، فأمر العقيدة لا يكتم، وأمر الدين لا يبقى سرًا، بل الدعوة في هذا الجانب تعلن مبادئها، ويحمل أتباعها هذه المبادئ يبشرون وينذرون، ويدعون الناس للهدى ويوضحون لهم الخير.

لكن الجانب الآخر الذي يظهر من عمل مصعب بن عمير والمسلمين معه هو ذلك التنظيم، بل الدقة في التنظيم، فعلى الرغم من أمر الدعوة قد انتشر في المدينة وذاع وعرف، ودخل كل بيت، وتبلغ به كل إنسان، بالرغم من هذا فإن حركة هذه الفئة المؤمنة الداعية كانت منظمة واعية دقيقة وسرية، والناس في المدينة عرفوا إسلام هؤلاء أو أكثر هؤلاء على الأقل، ولكنهم لم يعرفوا شيئًا عن ذلك النظام، وتلك العلاقة التي كانت تربط بين الأنصار، عدد غير قليل ممن آمنوا، لا تجمعهم قرابة دم أو نسب، ولا تربط بينهم ولاءات وعصبيات، فعشائرهم شتي، وأنسابهم مختلفة ودماؤهم متباينة وقد يكون بين أهليهم خصومات، ولكنهم تآلفوا، وتآخوا واتحدوا، وكونوا مجتمعًا جديدًا متميزًا، يعيش مع الجاهلية، لكنه ينفصل عنها بالتفكير والمشاعر والسلوك، ولا يلين لها في صغيرة أو كبيرة، لأن هذا المجتمع المؤمن هو الأعلى والأفضل بعد أن ربط نفسه بحبل الله وقوة الله.

 لقد كان مجتمع الأنصار الوليد مجتمعًا متماسكًا، وتنظيمًا دقيقًا لم يدر عنه المشركون شيئًا، والدليل على ذلك هذه البيعة التي ذكرناها، والتي لم يعرف أهل المدينة بمكانها أو زمانها، أو حدوثها، حين سألتهم قريش عنها، ألا يدل ذلك على تنظيم بلغ غاية في الدقة وسرية الحركة، مما جعل أمر الارتباط بين أفراد الدعوة، مجهولًا من الجاهليين.

 لقد كان هناك موعد مع رسول- الله صلى الله عليه وسلم-، والمسافة بين المدينة ومكة شاسعة، والوسائل قليلة وبطيئة، ومحمد- صلى الله عليه وسلم- محاصر من أهل الجاهلية بالمراقبة والكيد.. ومع هذا فقد كان بين الأنصار وبين رسول الله موعد، محدد المكان والزمان.

 كذلك فقد اختير المبايعون الذين سيذهبون للقاء رسول الله- صلي الله عليه وسلم- من بين المسلمين؛ لأن المسلمين أكثر من ذلك «وخرج من خرج من الأنصار المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك» فهناك مسلمون آخرون لم يخرجوا في ذلك العام.

 ثم لنفكر قليلًا في الطريقة التي سلكوها للوصول إلى هدفهم، وما فيها من دقة وذكاء ووعي، وما فيها من تنظيم وإحكام وحكمة، حيث خرج المسلمون مع مشركي قومهم، وكأنهم منهم، فلم يشعر بحركتهم أحد، أجسادهم مع أجساد المشركين، وقلوبهم وشعورهم وسلوكهم مع الإسلام وأهل الإسلام، الولاء لله وحده.

ونزل كل واحد مع قومهم حول مكة، وانتظروا يوم الموعد «فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، وهذا غاية الدقة والسرية والإحكام، بل هو التمويه الذكي».

 «حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لمعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، نتسلل تسلل القطا مستخفين».

 وانظروا إلى هذه الصورة، ينام الناس، ويستيقظ الدعاة للعمل، ويحرصون على كتمان الأمر لأن في كتمان حركتهم هذه ضمانًا لنجاح الدعوة في المدينة وهدي الناس، لذلك خرجوا لمعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متسللين تسلل القطا، والقطا طائر حذر، دقيق في حذره، لا يترك فرصة يمتلكها إلا ويستغلها حتى يفوت على الصائد غرضه، إنه لا يقتنص من صائد يحدث جلبة، أو لا يبتغي وسيلة دقيقة في الاستخفاء.

 ولماذا كل هذا الحذر يا ترى؟ هل كان ذلك نابعًا من الخوف؟ لا، وبكل تأكيد، فلقد بايعوا على حرب الأسود والأحمر من الناس من أجل هذا الدين، ولكن المسلم مكلف بأن يتبع السبيل الصحيح، ويلتمس الوسيلة الآمنة التي توصله إلى هدفه وتحقق غايته.

 لم يكتموا إسلامهم إلا من كان في كتمانه مصلحة للإسلام، ولم يكتموا التبشير بمبادئها وإنما كتموا طريقة عملهم، وحركتهم، وارتباطاتهم من أجل الدعوة، وفرق بين الأمرين إذن كان الكتمان وسيلة سنها الله- عز وجل- في هذا الجانب لتفويت الفرصة على الجاهلية في محاربتها لدعوة الإسلام، وطريقة تحقق الغاية في هداية الناس.

ولتنفيذ هذه المهمة التي أوكلت لهم من إخوانهم في المدينة جاءوا إلى مكة، وتباعدت الأهداف والغايات بين مجيئهم ومجيء قومهم من المشركين الركب واحد، والطريق واحدة، ومكة قلبه، ولكن النية والغاية مختلفتان ومن هذا يختلف كل شيء وعلى ذلك الحساب «إنما الأعمال بالنيات».

ولما قاموا إلى الموعد، كانوا فرادی، كل واحد يستيقظ وحده، ينهض من خيمته ويتسلل من بين الخيام والعشيرة إلى مكان الموعد، لا يوقظ أحد أحدًا، هكذا أمرهم قائدهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ويبدو لي في هذا أمران:

 ۱ - أولها نفسي يتعلق بحقيقة الإيمان وعمقه ومدى تأثيره على الفرد، فإذا بلغ الإيمان حدًا صحيحًا في نفس المسلم كان حاجزًا له من النار، وحافزًا له على العمل، يوقظه والناس نيام ليؤدي طاعة أو قربة إلى الله، ويكون مهمازًا له يحثه على الجهاد وقول الحق، إنه اليقظة الدائمة والتقوى الحقيقية، لذلك لا تنام نفس تمكن منها الإيمان عن طاعة أو جهاد، ولا يهدأ قلب تغلغل فيه الحق عن دفع الرجل للعمل من أجله ولا تتكاسل همة كانت غايتها ودافعها الإيمان الصحيح. لذلك أمرهم رسول الله أن لا يوقظوا بعضهم لأن المؤمن الحقيقي سوف يستيقظ ولن ينام عن واجب، عن عمل، عن جهاد، عن طاعة، لأن النوم معصية وتخاذل، ومن لم يبلغ الإيمان في قلبه ذلك المبلغ الذي يلزمه باليقظة والعمل، والجهاد والقيام بالواجب فلا حاجة له ولا حاجة لحضوره، ولا جدوى من تحمله لأعباء عظيمة، بل تحمله لهذه الأعباء كارثة، يكتوي بها هو والذين من خلفه، ويبتلي به وبتكاسله وضعفه الناس، بل سيكون اللبنة المنهارة المفتتة الهشة التي تثلم في البناء ثلمة وتحدث فجوة ينفذ منها الكيد والوهن والتخاذل. 

وكم ابتلي المسلمون بمحن وكوارث من رجال وهنت نفوسهم، وضعف إيمانهم ومع ذلك جلسوا في مقاعد المسؤوليات فكانوا عبئًا ومصيبة. 

إن الإيمان مسؤولية ويقظة والتزام، التزام بالصغائر قبل الكبائر، بالسلوك قبل التفكير، ولننظر إلى الرجل في مسلكه، في التزامه وخلقه وعقيدته لنعرف صدق إيمانه.

نعم لم يوقظ أحد أحدًا، لأنه لا يستحق هذا التكريم وهذه المسؤولية ولا يصلح لهذه المهمة رجل يضعف ويغفل، فالإيمان يقظة، يقظة تشعل الجسد بالعزم والحركة والنشاط مهما كانت طبيعة الرجال.

 ۲ - وهناك أمر آخر، إذ سيحدث الأمر جلبة لو أيقظ المسلمون بعضهم مما يلفت نظر المشركين، وقد يفسد الأمر كله، ويجلب الضرر على السلمين، لذلك كان لابد من اتباع وسيلة الأمان وهذا ما حدث.

والتقى المسلمون الدعاة بالمدينة، بقائدهم رسول الله، يعطونه البيعة فما هي هذه البيعة وما هي شروطها؟

الرابط المختصر :