; بيت المقدس- أسباب الانتصارات فيها وأسباب الهزائم.. | مجلة المجتمع

العنوان بيت المقدس- أسباب الانتصارات فيها وأسباب الهزائم..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1977

مشاهدات 75

نشر في العدد 358

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 12-يوليو-1977

رفضت أمة الإسلام منح اليهود أرضًا في فلسطين

كان المسلمون في عهد نور الدين زنكي السلطان السلجوقي وخليفته صلاح الدين الأيوبي قد بدأوا يتجمعون بعد شتات ويتوحدون بعد فرقة وأخذوا يعدون العدة لاسترداد بيت المقدس من الصليبيين وكانت أحوال الصليبيين قد ساءت في الوقت الذي نهب فيه ريجنالد أمير الكرك قافلة من قوافل المسلمين السائرة على طريق الحج وقتل منها من قتل وأسر بقية الرجال والنساء وساقهم إلى الكرك فخابره صلاح الدين بصددهم وطلب إليه إرجاعهم ولما رفض، خابر صلاح الدين السلطة المركزية في القدم، ولم يكن أمراء الصليبيين على وفاق آنذاك. فقيل له إن صاحب الكرك حر أن يفعل ما يشاء، فأقسم صلاح الدين يمينه المشهور أنه لا بد وأن يحاربه ويحارب الصليبيين كلهم معه، وأنه لا بد من أن يقطع رأس ریجنالد بیده إذا وقع هذا أسيرًا.

كما أن الصليبيين إمعانًا منهم في إثارة المسلمين حاولوا احتلال الحجاز وتخريب الكعبة وهدم قبر الرسول- عليه الصلاة والسلام- وذلك حين حاول البرنس إرناط «ريجنالد» السابق نفسه هذه المحاولة بأن استحضر سفنًا آتي بها قطعًا مفككة، وعبر بها الصحراء من الكرك إلى العقبة وفي خليج العقبة ركبها وسار بها بحرًا إلى ثغر من الثغور القريبة من المدينة على شاطئ البحر. ولكن محاولته باءت بالفشل.

كل ذلك جعل صلاح الدين يعلن الجهاد المقدس ويرسل إلى أمرائه دعمًا له في جميع أطراف مملكته، يخبرهم بما نوى، فأخذت الجيوش تزحف إلى فلسطين من كل حدب وصوب من الموصل وحلب، والجزيرة وأربيل ومصر. 

حذر المنجمون صلاح الدين إن هو حاول فتح القدس وأخبروه بأنه سيفقد إحدى عينيه إن فعل فأجابهم قائلًا: «إني لأؤثر أن أفقد بصري كله، إذا كان من وراء ذلك فتح بيت المقدس» 

ولعمري إن دور المنجمين الدخلاء على المجتمع الإسلامي النظيف في أيامهم تلك كدور الذين يثبطون الهمم عن القتال في أيامنا هذه ويحاولون تصوير الأعداء بأنهم على جانب من القوة والتماسك مستندين إلى أقوى دولة في الأرض وأن الانتصار عليهم انتصارًا ساحقًا ضرب من الجنون، وأن اقتلاعهم من الجذور وتخليص الأمة من بلائهم لا يقدر عليه أحد.

لقد عانى قادة المسلمين في فتوحاتهم الكبرى أصنافًا كثيرة من تثبيط الهمم وتهويل أمر الأعداء. غير أن ثبات القادة والمخلصين من حولهم واعتصامهم بحبل الله المتين والتجائهم إلى مدد السماء كان يدفعهم للقتال لا يبالون بالموت.. فإنما هي إحدى الحسنيين.. الشهادة أو النصر. 

وهذا المعتصم بالله يضرب بأباطيل المنجمين عرض الحائط في فتح عمورية فيفتح الله له عمورية.. وهذا المظفر قطز يحمل المماليك حملًا على القتال وهم يصورون له ما هو مقبل عليه من أخطار حين اعتزم مقابلة التتار في الشام قبل وصولهم إلى مصر والشيخ المناضل العز بن عبد السلام يشجعه ويشد من أزره فنصره الله ورد كيد التتار لم ينالوا شيئًا.

إن النصر في الحروب ما كان يومًا بالعدد والعتاد.. ولكنه دائمًا بالقوة المعنوية التي تملأ نفس الجندي شجاعة وإقدامًا وتملأ قلب العدو رعبًا وخوفًا.. ولقد علم الله المسلمين في غزوات الرسول- صلى الله عليه وسلم- دروسًا في هذا الأمر تظل نبراسًا لكل المجاهدين في سبيل الله إلى أن تقوم القيامة.. ففي بدر نصر الله القلة المستضعفة وأيدها بجند من عنده حين رآها مقبلة عليه وقد أخلصت النيات وظهرت القلوب.. فقصم بالعدد القليل والعدد الضئيلة ظهر الشرك المستعلي وهزم جحافل قريش المستكبرة وأذاقها مرارة الخيبة وذل القرار.

وفي حنين أعجبت المسلمين كثرتهم فنظروا إلى عددهم الضخم فخورين وقالوا: «لا نهزم اليوم من قلة» وساروا للقتال معتمدين على العدد والعدد فانقض عليهم أعداؤهم من خلف الأكام والجبال فمزقوهم شر ممزق وولى المسلمون الأدبار لولا أن ثبت النبي مناديًا أصحابه الذين عادوا فتجمعوا حوله وأحالوا الهزيمة إلى انتصار. 

هذان درسان للمسلمين حيث وجدوا وفي أي زمن كانوا.. وهذه صفحات التاريخ مفتوحة تنبئنا بما نريد.. فلنأخذ من التاريخ عبرة.. ولنستفد من معارك الماضي لمعارك الحاضر والمستقبل

  • حاصر صلاح الدين بيت المقدس كما حاصره المسلمون من قبل في عهد عمر بن الخطاب وضرب أسوار المدينة وحصونها بالمجانيق وهدم البروج والقلاع وقتل من الصليبيين ومن المسلمين خلق كثير. 

وكان صلاح الدين قد أرسل في طلب أشراف المدينة حين أتم ترتيباته وركب آلات الحصار وأصبح قادرًا على اقتحام الأسوار وخاطبهم بقوله:

«إنني أحترم مدينة القدس ولا أرغب في انتهاك حرمتها بإراقة الدماء فيها. ولهذا أنصحكم بترك المدينة، وأتعهد من جهتي بأن أعوضكم عن أموالكم بالأموال والأراضي» 

ولكن القوم رفضوا نصحه، ولكنهم لما رأوا حدة القتال استسلموا لشروطه وغادروا المدينة بعد أن دفعوا الجزية. 

  • ولا بد هنا أن نذكر للقائد المسلم صلاح الدين أمرين أولهما مهارته الحربية وخبرته في فنون القتال ويقظته للعدو وثانيهما تسامحه مع الصليبيين وإكرامهم بعد أن قدر عليهم وأصبحوا في قبضته يفعل بهم ما يشاء. وكلتا الصفتين من صفات القائد المسلم الصادق علمنا إياها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في جميع غزواته ويوم فتح معقل المشركين مكة وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

فمن مهارة صلاح الدين الحربية أنه قبل حصار القدس أرسل من يراقب الشواطئ لئلا يأتي مدد للصليبيين من أوربا، ولم يهاجم القدس إلا بعد أن استولى على عسقلان وبيت جبرين من الجنوب وبعد أن طهر وادي الأردن من الشرق.

وفي الحصار ترك صلاح الدين الجانب الغربي المنيع من السور واتجه إلى الناحية الشمالية حيث الأرض منبسطة والسور من تلك الناحية ضعيف. 

ومن تسامحه في معاملة النصارى أنه عفا عن كثير منهم فلم يدفعهم الجزية، بل وافتدى هو وحده عشرة آلاف شخص. وأطلق أخوه الملقب بالملك العادل سراح سبعة آلاف شخص. كما أن صلاح الدين سمح لجميع الجنود الطيبين بمغادرة المدينة مع أطفالهم وعائلاتهم وضمن لهم سلامة الرحيل وأمر أن توزع الصدقات على الفقراء والمرضى والأرامل واليتامى والمقعدين وأن يزودوا بالدواب التي تحملهم. 

واستأذنته الملكة (ازبيلا) بالسفر فأذن لها ولرهط كبير من النساء اللواتي كن معها، ولم يكتف بذلك، بل أمر برد الأسيرات إلى أقاربهن، وسمح لرجال الصحة- رغم أنهم أشهروا السلاح عليه- بأن يواصلوا إسعاف الجرحى ومعالجة المرضى والعناية بالحجاج المسيحيين. وأما نصارى بيت المقدس فقد سمح لهم بأن يسكنوا فيها، ولا يخرجوا، وأن يؤمنوا ولا يزعجوا وأقام فيها وفي أعمالها منهم ألف. 

فانظر أيها القارئ كيف كان فتح الصليبيين للفرس وما فعلوه بالمسلمين فيها وما أراقوه من دماء وقارن بينه وبين فتح المسلمين وما أظهروه من تسامح وكرم أخلاق في كل فتوحهم. ولتكن فلا تخلط بين التسامح وبين الضعف والحذر فالمتسامح لا يكون متسامحًا إلا حين يقدر على البطش فيمتنع أما الضعيف فهو الذي يبحث عن المال والأسباب التي تمنعه من القتال وتحقيق الانتصار.

يتبع

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

107

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17