; بيت المقدس أسباب الانتصارات فيها .. وأسباب الهزائم | مجلة المجتمع

العنوان بيت المقدس أسباب الانتصارات فيها .. وأسباب الهزائم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

مشاهدات 3

نشر في العدد 175

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 13-نوفمبر-1973

بيت المقدس

أسباب الانتصارات فيها ..

وأسباب الهزائم

 

«يا معاذ، إن أن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم واماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلًا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة» هذا الحديث الشريف رواه معاذ رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه القاضي مجيز الدين الحنبلي المقدسي في الأنس الجليل «ج ۱ ص ۲۰۳» وهو يشير إلى تبشير المسلمين بفتح القدس كما يخبرهم بضرورة اليقظة المستمرة والحذر الشديد لأن سواحل الشام وبيت المقدس سيظلان في معارك مستمرة وقتال دائم.

ولعل من يتصفح تاريخ هذه المدينة وما حولها مما بارك الله يجد أنها لا تخرج من معارك حتى تدخل في معارك جديدة وأنها لم تذق طعم السلم وبرد الأمان حتى يعود إليها القتال من جديد لا يستثنى من ذلك تاريخها قبل الفتح الإسلامي ولا بعده، وربما يندر أن تماثلها هذا الأمر مدينة أخرى في التاريخ.

ومما لا شك فيه أن أقوى الأمم وأعظمها هي التي كان تحتفظ ببيت المقدس أو تطمع في السيطرة عليها.

وأول حضارة في القدس يحدثنا عنها التاريخ هي حضارة الكنعانيين سنة ٣٠٠٠ قبل الميلاد وهم بطن من بطون العرب الأوائل نزحوا إليها من الجزيرة العربية وهم أول من وضع لبنة في بناء القدس ثم توالت عليها الأمم وتعاقبت الحضارات فمن الكنعانيين إلى الفراعنة إلى بنى إسرائيل إلى الأشوريين والبابليين إلى الفرس واليونان إلى الرومان قبل المسيح وفي عهد المسيح وبعد المسيح وفي العهد البيزنطي حتى دخلت هي ومن حولها في الإسلام بعد الفتح الإسلامي

والملاحظة التاريخية المهمة التي يخرج بها الإنسان من خلال تعقبه لهذه الأمم والحضارات المختلفة أنها جميعًا جاءت غازية طامعة في تكوين إمبراطوريات ونهب خيرات ثم جلت دون أن تترك خلفها ما يذكر بها اللهم إلا آثارا مادية فقط

أما الفتح الإسلامي فقد كان فتحًا مختلفًا غير معالم المنطقة كلها وصبغها بحضارة الإسلام التي تغلغلت في نفوس الناس واستوطنت مدنهم وقراهم فلم يمد إلا زمن قليل حتى أصبح جل الناس في البلاد مسلمين لغتهم العربية ودينهم الإسلام .. بل ويحدثنا التاريخ أن المسلمين كانوا يزهدون في الأموال ويتركون لأهل البلاد أموالهم التي كان غيرهم لا غرض لهم سواها

ولقد اكتسبت القدس وما حولها أهمية بالغة عند المسلمين من اليوم الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به من هناك إلى السماء حيث كانت أول رحلة وآخر رحلة علوية في التاريخ يرتقى إليها بشر ..

ولم يكن اختيار بيت المقدس مكانًا للصعود منه إلى السماء في هذه الرحلة إلا لأنه مكان مبارك بارك الله حوله وإلا لينتبه المسلمون إلى قدسيته وأهميته لأتباع هذا الدين الذي أنزل للبشرية جمعاء.

وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ليأمر المسلمين القلة المستضعفين هناك بأن يتجهوا في صلواتهم إلى القدس حيث مسجدها الأقصى وظلت صلاتهم إلى هذه الوجهة إلى أن أمر الله بتحويلها في المدينة إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ . ( البقرة: 108)

ولقد روى البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس» والمسجد الأقصى ضمن ثلاثة مساجد لا تشد رحال المسلمين إلى مساجد غيرها .. قال رسول الله عليه السلام «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» .

ما أن المسلمين كانوا يحبون أن يبدأوا رحلة حجهم إلى المسجد الحرام من المسجد الأقصى فيزورونه ويصلون فيه لما في الصلاة فيه من مضاعفة للأجر وليكون بداية رحلة للتطهير من الذنوب وفي مكان قدسي مبارك وما ذلك إلا رغبة في غفران ذنوبهم واستجابة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» أو «وجبت له الجنة» رواه أبو داود في سننه والبيهقي وابن حبان . كل ذلك يشير إلى أن القدس عند المسلمين ليست كأي مدينة في أية بقعة أخرى من العالم وليس ضياعها عليهم بهين .. ولقد استشعر المسلمون الأوائل هذه الأهمية حتى أن بعضهم أقترح أن يدفن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس، فقد جاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني «ص ١ ص ۱۲» ما يلي : «في موضع دفنه عليه السلام أراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه ومأنس نفسه وموطئ قدمه وموطن أهله وموقع رحلة وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء ومنه معراجه إلى السماء، ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة لما روي عنه عليه السلام .. الأنبياء يدفنون حيث يموتون».

ولقد فتح المسلمون القدس وبقية بلاد الشام في عهد منعتهم وعزتهم واضاعوها في عهود تلت كانت عهود تفرق وضعف وانهزام .. فتحوها في عهد عمر وخالد وأبي عبيدة وأضاعوها في عهد ضعف الخلافة العباسية وتفتت شمل البلاد وإنقسامها إلى دويلات صغيرة وضعف شأن الخليفة حتى ليقول فيه الشاعر :

خليفة في قفص

               بين وصيف وبغا

يقول ما قالا له

              كما تقول الببغا

ويقول الآخر :

ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صوله الأسد وعادت القدس وبقية فلسطين إلى المسلمين في عهد القائد المسلم صلاح الدين الذي قاد الأمة بعد أن التقت على طاعة الله إلى نصر بعد نصر توج بفتح القدس وعودتها إلى حظيرة الإسلام.

وكذلك وقف أبطال المسلمين بعد ذلك يذودون عنها الغزو التتري الذي اجتاح بلاد المسلمين المهلهلة الممزقة في أواخر الدولة العباسية أيضًا فهذا المظفر قطز السلطان المملوكي يضم مسلمي مصر والشام تحت لوائه ويقف في وجه التتار ويهزمهم في موقعة عين جالوت.

ومن أراد من أمتنا اليوم أن يقود البلاد إلى النصر وأن يعيد القدس إلى المسلمين فإن عليه أن يرتفع إلى مستوى القادة السابقين الذين فتحوها وأرغموا مغتصبيها على الإذعان والرحيل.

ونحن نسوق إليك أيها القارئ بعض النصوص التي تريك مقدار عز الإسلام والمسلمين حين كانوا يقفون على أسوارها يريدون فتحها وأنت بعد ذلك تقارن بيننا وبينهم لتتعرف بنفسك على الأسباب الوحيدة التي تؤدي بنا إلى النصر.

لما وصل أبو عبيدة إلى الأردن، بعث الرسل إلى أهل إيلياء، وبعث معهم الأنذار التالي :

«بسم الله الرحمن الرحيم . عن أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها . سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وبالرسول . أما بعد فأنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله . وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فإن شهدتم بذلك، حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم، وكنتم لنا إخوانًا. وإن أبيتم فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإن أنتم أبيتم، سرت إليكم بقوم هم أشد حبًا للموت منكم لشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله أبدًا، حتى أقتل مقاتليكم واسبى ذراريكم.

ولقد حاصر المسلمون مدينة القدس بعد هذا الإنذار أربعة أشهر وفي فصل الشتاء القارص الذي لم يعتده جند المسلمين في جزيرتهم ولم ينقض يوم واحد من أيام هذا الحصار دون قتال حتى اضطر أهل المدينة إلى الاستسلام وطلب الصلح على أن يكون في وجود الخليفة عمر الذي سرعان ما لبى وحضر وأمضى لهم عهده المشهور بحمايتهم وحماية شعائرهم إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

ودخلت القدس في الإسلام وبعدها انطلق المسلمون إلى أنحاء الدنيا يفتحونها شرقًا وغربًا.

ويحدثنا المؤرخون أن الشعب الفلسطيني لم يتأثر على  مر الدهور بأي فتح مثل تأثره بالفتح الإسلامي، ولم تتأثر ثقافته عن طريق الأمم التي احتلت بلاده مثل تأثرها بالفتح العظيم في هذه البلاد طابعا لا تقوى على نحوه أمة من الأمم وقد اتسعت بعده فتوحات المسلمين حتى شملت الهند والصين من الشرق وبحر الظلمات من الغرب.

ومن الحق لنا أن نذكر أن النصارى تمتعوا بالحرية الدينية في زمن المسلمين ورأوا من كرم نفوسهم ما لم يروا من الرومان و البيزنطيين والنصارى أنفسهم وفي القرن الحادي عشر الميلادي وحين كانت القدس تحت حكم الفاطميين وفي أواخر هذا القرن جاءت الحملات الصليبية مسعورة إلى بلاد فلسطين معلنة حربًا صليبية لاغتصاب القدس من أيدي المسلمين ورغم ضعف المسلمين وتفككهم فقد قاوموا هذه الحملات مقاومة عنيفة ولكن الحملات المتتابعة استطاعت فتحها واستباحتها وتحويل بيوتها وقصورها وميادينها وشوارعها إلى حمامات للدم ومقابر لتكديس الجثث أو محارق لحرقها لدرجة جعلت مؤرخي الإفرنج يستنكرون هذه الأفعال . قال ريموند داجليس الذي شهد الإحتلال : «أن الدماء وصلت في رواق المسجد حتى الركب» . وقال مكسيموس موند : «لم يوفر الصليبيون أحدًا من سيوفهم لا من الرجال ولا من النساء العجز، ولا من الأطفال . وظن المسلمون أن مسجد عمر يحميهم من الموت، ولكن ظنهم قد خاب فإن الصليبيين لحقوا بهم خيالة ومشاة . ودخلوا المسجد المذكور، وأبادوا كل من وجدوه فيه بحد السيف . وذم المؤرخون قسوة هؤلاء الجنود البربرية»

ولا نريد هنا أن ننقل عن المؤرخين المسلمين فإن مما ذكروه لما تقشعر له الأبدان، والفضل ما شهدت به الأعداء.

وفي كتاب «المفصل في تاريخ القدس» يقول المؤلف «كانت الصدمة الأولى عنيفة . وما كان الصليبيون لينالوا هذا النصر، لو كانت في البلاد حكومة قوية وشعب رزين متحد ولم يكن قد انقضى على الحكم السلجوقي في سورية وفلسطين سوی عشر سنوات . ولم يكن السلجوقيون بقادرين على أن يتحدوا . إذ انقسمت مملكتهم بعد مقتل الوزير «نظام الملك» سنة ١٠٩٢ م، وكثر التنازع بين الرقباء الطامعين في العرش، ونشبت في سورية وفلسطين حروب أهلية واضطرابات داخلية أهلكت الحرث والنسل . ولم تكن البلاد قادرة على صد تيار الصليبيين . فتمكن هؤلاء عند أول حملة قاموا بها من الاستيلاء على قسم كبير منهم . فنزل المسلمون . وراحوا يندبون سوء حظهم . وراح الشعراء يستنهضون الهمم للأخذ بالثأر . هذان نموذجان مختلفان نضعهما أمام القارئ نموذج للمسلمين يوم فتحوا القدس وانتصروا على الشرك وأعلنوا إقامة دولة العدل والحق على أنقاض دولة الباطل ونموذج آخر للهزيمة والانكسار والذل والانتكاس يوم فتح الصليبيون القدس والحال الذي كان عليه المسلمون آنذاك، وللقارئ بعد ذلك أن يقارن بين حال المسلمين قبل النصر وبين حالهم قبل الهزيمة، وله أن يتعرف على أسباب النصر بعد ذلك .. وفي العدد القادم نتابع الحديث عن هذه المدينة المقدسة وأحداث النصر والهزيمة فيها.

«البقية في العدد القادم»

 

الرابط المختصر :