; بيان من الهيئات والشخصيات الإسلامية بالكويت.. البيان يجدد ويؤكد رفض المسلمين.. لفيلم «محمد رسول الله» | مجلة المجتمع

العنوان بيان من الهيئات والشخصيات الإسلامية بالكويت.. البيان يجدد ويؤكد رفض المسلمين.. لفيلم «محمد رسول الله»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1976

مشاهدات 90

نشر في العدد 295

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 13-أبريل-1976

عقدت الهيئات والشخصيات الإسلامية في الكويت اجتماعًا خاصًّا بشأن فيلم «محمد رسول الله».

وعقب الاجتماع أصدر المجتمعون بيانًا «نصه فيما يلي» برفض الفيلم وأرسلوا برقيات لسمو أمير البلاد وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. 

وسعادة رئيس مجلس الأمة. من جهة أخرى أرسلت جمعية الإصلاح الاجتماعي برقيات إلى الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس إدارات الإفتاء والبحوث والدعوة. وإلى الشيخ عبد الله بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء. ووزير الإعلام في المملكة العربية السعودية. والمعنى المشترك لهذه البرقيات هو المطالبة بمنع هذا الفيلم.

إن الهيئات والشخصيات الإسلامية التي حضرت العرض الخاص لفيلم (محمد رسول الله) استجابة لدعوة من سعادة وزير العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية. يوم الخميس 7 ربيع ثاني ١٣٩٦هـ الموافق ٧- ٤- ١٩٧٦م.

عقدت اجتماعها مساء السبت 9 ربيع ثاني في مقر جمعية الإصلاح الاجتماعي. وقيامًا بحق الله عليها. وصونًا لمقام الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأداءً لواجبها نحو رسالة الإسلام الحنيف قررت ما يلي:

أولًا:

كان ينبغي عرض قصة- سيناريو- الفيلم على العلماء والمفكرين الإسلاميين قبل بدء التصوير والتنفيذ فالإسلام لا يستفتى لتبرير أمر واقع وإنما يستفتي ابتداء مع الاستعداد التام للاستجابة لأوامره في حالتي الحظر والإباحة.

ثانيًا:

إن من أهم الأسباب التي تدعو المؤتمرين إلى الإصرار على عدم نسبة هذا الفيلم إلى شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم.

إن الفيلم لا يتناول من قريب أو بعيد جوانب السيرة النبوية لا في دائرتها العامة ولا في محيطها الخاص. لصاحبها- صلى الله عليم وسلم. ومن ثم فإن الإصرار على هذه التسمية بعينها. يعتبر خللًا جوهريًّا لا مبرر له من الناحيتين.. الموضوعية والفنية ويكشف عن نزعة استغلالية تجارية مستميتة في الركض وراء المنفعة الخاصة على حساب عصمة الأنبياء الكرام والقيم والمعتقدات تقليدًا للغرب الذي باع جميع قيمه ومعتقداته بالدنيا الفانية. 

ثالثًا:

ليس صحيحًا أن الأزهر الشريف قد وافق على الفيلم.. بل الصحيح أن الأزهر رفض الفيلم في نسخته الأولية سنة ١٣٩٠هـ- وفي عرضه الأخير كذلك ومن هنا فإن عبارة وافقت الهيئة المسئولة في الأزهر على إخراجه وعرضه- التي أبرزت في مقدمة الفيلم إنما هي تزوير على الأزهر وانتحال لاسمه- كما جاء في منشورات الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي الخاصة بهذا الموضوع.

ومما يؤكد هذا النهج في مخالفة الحقائق ادعاء مخرج الفيلم في جريدة الأنباء الصادرة اليوم ١١- ٤- ٩٦، ١١- ٤– ٧٦ صدور موافقة من جمعية الإصلاح الاجتماعي ورابطة العالم الإسلامي بذلك. 

والجميع يعلم أنهما في طليعة المعارضين الرافضين في الموضوع. 

رابعًا:

سبق وأن أكدت المؤتمرات والهيئات الإسلامية العالمية رفضها للفيلم وهي:

  1. رفضته رابطة العالم الإسلامي- بمكة المكرمة– شعبان ۱۳۹۰هـ
  2. رفضه مؤتمر الجماعة الإسلامية في دلهي بالهند المنعقد في دلهي بالهند في شوال ١٣٩٤هـ
  3. رفضه مؤتمر ندوة العلماء في لكنو بالهند المنعقد في ذي القعدة ١٣٩٥هـ
  4. رفضه مؤتمر السيرة النبوية الذي انعقد مؤخرًا بالباكستان، ربيع الأول ١٣٩٦هـ- مارس ١٩٧٦م. 
  5. كما سبق أن رفضه مؤتمر المنظمات الإسلامية المنعقدة في مكة المكرمة في ربيع الأول ١٣٩٤هـ.
  6. كما سبق أن رفضه مؤتمر المنظمات الإسلامية الأربع التالية المنعقدة في مكة المكرمة في ذي الحجة ١٣٩٠هـ
  7. مؤتمر العالم الإسلامي في كراتشي
  8. المنظمة الإسلامية العالمية في جاكرتا
  9. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة
  10. المؤتمر الإسلامي العالمي بالقدس- عمان حاليًا.

خامسًا:

لم يطلع المجتمعون الذين حضروا عرض النسخة العربية- أن تكون النسخة الإنجليزية. وهي الأصل حيث إن النسخة العربية مترجمة عن الإنجليزية

ومن المقدر- استنادًا إلى ما وقع في النسخة العربية- أن تكون النسخة الإنجليزية، أكثر انحرافًا. لاعتبارات كثيرة أهمها أن الممثلين أجانب يدينون بغير الإسلام. وأن إرضاء المشاهد الغربي سيكون في الحساب. وهو مشاهد تعود على رؤية ممثلين يقومون بأدوار الأنبياء في شخصيات كاملة، أو عبر لقطات خاطفة أو من خلال تجسيم ضوئي لتلك الشخصيات المعصومة التي توهمها مؤلف القصة ومخرجها.

سادسًا:

إن الفيلم انطوى على أخطاء علمية وتاريخية بالغة التحريف والخطورة استنادًا إلى ما هو مبين ومجمع عليه في المصادر الموثوقة للسيرة النبوية الشريفة حيث كان واضحًا التأثر بالتفسير المادي للتاريخ ومحاولة بث النزعات الطائفية– ومرفق بهذا البيان كشف مفصل يوضح أهم الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها الفيلم المذكور- 

سابعًا:

إن قصة الفيلم لم تكتب بأقلام إسلامية تحمل التصور الإسلامي الصحيح مما أدي إلى– تشويه- الوقائع التاريخية وأحداث السيرة المشرفة وانحراف التحليل والاستنتاج حيث إن العلم بالإسلام- كيف نزل؟ وكيف طبق؟ شرط أساسي في صحة أي عمل يرتبط باسم الإسلام.. وهذا الشرط لم يتوفر في هذا الفيلم كما أن الفيلم محاولة تعبر عن تصور كاتبي القصة لبداية البعثة النبوية المشرفة والأحداث التي تلتها في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وبعض الغزوات وهي محاولة لم تستطع استيعاب جلال الوحي ولا معني النبوة ولا التحول العقائدي والنفسي والفكري الكامل الذي أحدثه الإسلام فـي الجزيرة العربية وسبب العجز هو أن المحاولة بعيدة عن الإسلام فكرًا وروحًا

وبعد.. لهذه الأسباب مجتمعة ولكون الفيلم استغل مبررًا موضوعيًّا، اسم نبي هذه الأمة ورسولها الكريم محمد- صلى الله وسلم- في عمل تجاري استثماري ودعاية شخصية.. لذلك كله قرر المجتمعون بالإجماع- رفض هذا الفيلم رفضًا حاسمًا داعين كل مسلم ومسلمة إلى اتخاذ نفس الموقف تقربًا إلى الله- عز وجل- وتوقيرًا لمقام النبي- صلى الله عليه وسلم ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفتح: 9)

والمجتمعون يناشدون حكومة الكويت منع عرض هذا الفيلم ونفض يد الكويت منه ومن أمثاله نهائيًّا ولئن أبدى المنتجون تضررهم ماديًّا من هذا الإجراء الضروري فإن الإسلام أغلى من الأنفس والأموال

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ أن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أن الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (الحجرات:1،3،2)

كما أن المؤتمرين يؤكدون الدعاية الحقيقية للإسلام إنما تكون في تطبيقه منهاجًا كاملًا للحياة في الداخل ليكون نبراسًا لغير المسلمين خارج العالم الإسلامي والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

تحريفات علمية وتاريخية وتفسير مادي ونزعات طائفية في «فيلم محمد رسول الله»

انطوت القصة التي أسموها (فيلم: محمد رسول الله) على أخطاء علمية وتاريخية بالغة التخريف. وانطوت على تفسير مادي للسيرة. وإيقاظ للنزعات الطائفية. ومداهنة للنصارى واليهود.

وفيما يلي نستعرض أهم التحريفات والتشويهات في الوقائع وفي تفسيرها وتصويرها:

- ظهر المسلمون- على عرفة- في حجة الوداع غير محرمين. وهذا جهل شنيع بأداء المناسك

- عصفت ريح بمعسكر المشركين في بدر وهذا غير صحيح لأن المسلمين نصروا بالريح في غزوة الأحزاب لا في بدر.

- في الفيلم فتح المسلمون مكة على قرع الطبول. وهذا غير صحيح لأن الفتح كان بالتكبير.

- تعليقًا على استشهاد ياسر وزوجه سمية زعم أحد الممثلين أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «باركهما الله» وهذا تعبير نصراني كنسي. لم يقله رسول الله- صلى الله عليه وسلم. 

- في الفيلم مشهد أحرقت فيه الأصنام والصحيح أن الأصنام كسرت تكسيرًا. 

- لم تقرأ النصوص بطريقة سليمة، قوله تعالي:

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج:26)

فتح الممثل الكاف في (لا تشرك) بينما النص القراني بتسكين الكاف.

الآية الكريمة:

﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ (مريم:21)

قرأها الممثل بتسكين اللام في (ولنجعله) بينما النص القرآني بكسر اللام. 

في رسائل الرسول- صلى الله عليه وسلم- لقيصر وكسرى قرأ الممثل عبارة (أسلم تسلم) بكسر الهمزة وفتح اللام في (أسلم) بينما النص الصحيح فتح همزة أسلم وكسر لامها.

- في خطبة حجة الوداع زيدت كلمات لیست منها وحذفت كلمات من سياقها العام.

- في رسالة النبي- صلى الله عليه وسلم- لقيصر زعم الفيلم أن في النص «فإن أبيت فعليك إثم المجوس» والصحيح أن هذه العبارة وجهت لكسرى أما العبارة الخاصة بقيصر فهي «فإن تولیت فإن عليك إثم الأكارين» 

- لم يقل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عندما دخل مكة «ومن دخل الكعبة فهو آمن». كما زعم الفيلم وإنما قال: «ومن دخل المسجد فهو آمن» 

- صور الفيلم المسلمين في مكة في مشاهد مقاومة وقتال للمشركين وهذا خطأ لأن المسلمين في هذه الفترة لم يؤمروا بقتال ولا مقاومة. 

- زعم الفيلم أن الأذان للصلاة كان بناء على اقتراح من أحد المسلمين ثم وافق عليه حمزة- - رضي الله عنه- وهذا تحريف فالأذان كان رؤيا رآها عبد الله بن زيد بن ثعلبة. فأقرها الرسول- صلى الله عليه وسلم-. فجاء عمر فقال: يا نبي الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال الرسول: فلله الحمد– استهل الأذان– في الفيلم– بتكبيرتين فقط. كما رفع الأذان لجمع الناس للجهاد. وهذا خطأ. فالأذان يبدا بأربع تكبيرات. ولم يستنفر المسلمون للجهاد بواسطة الأذان.

- زعم الفيلم أن المسلمين خرجوا إلى بدر من أجل القتال- المشهد صورهم وهم يستعدون للقتال- وهذا تحريف خطير فالرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يعزم على أحد بالخروج ولم يستحث متخلفًا. ولم يحدث قط تأهب لقتال مرتقب. 

إنما كانت الموقعة مباغتة. 

التفسير الماركسي للسيرة

في فيلم «محمد رسول الله» أن الوحي نزل على الرسول وهو في غار حراء وهو نائم. وهذا تحريف وافتراء فالوحي تنزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقظان.

إن الرؤيا الصالحة التي كانت تأتى كفلق الصبح إنما هي إرهاص بالوحي. أما التنزيل. أما إرسال جبريل عليه السلام بقوله تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (العلق: 2،1)

فكان يقظة، لا منامًا. ومن شواهد ذلك أن النبي- صلى الله عليه وسم- قد أخذه الملك فغطه حتى بلغ منه الجهد ثلاثًا. ثم قال:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1)

وهذه حالة مجالها الوحيد.. اليقظة.

لكن الفيلم تمشيًا مع أفكار مؤلفه الرئيسي عبد الرحمن الشرقاوي المعروف بنزعته الماركسية قد زعم ما يتناقض مع الوقائع الموثقة ففي كتابه «محمد رسول الحرية» يقول عبد الرحمن الشرقاوي في ص٦٩: «كان عائدًا من حراء.. لم يبرحه إلى مكة.. ولكنه كان نائمًا في الغار وخلال نومه حدث شيء هائل.. غريب»

حتى التشريع القرآني- عند عبد الرحمن الشرقاوي– إنما هو حلم من الأحلام

يقول في ص۷۰ «وظل يحلم وهو نائم.. يحلم بأشياء رهيبة حقًّا لقد طالما حلم وهو نائم.. إنه يعيش في عالم أفضل.. تخفي فيه المرأة زينتها فلا تبيحها إلا لزوجها صاحب الحق فيها»

والرسالة كلها انعكاس لظروف اجتماعية عند المؤلف الرئيسي للقصة.. يقول ص٧٤: «هيأت الظروف الاجتماعية مكانه فكان من الضروري أن يقبل ليملأ مكانه المرتقب»

وفي التفسير الماركسي للتاريخ أن أي حركة أو دعوة جديدة إنما هي استجابة لظروف اجتماعية معينة. 

ومن ثم كان الفيلم يموج موجًا بالأفكار التي تفسر الأحداث ومواقف الناس تفسيرًا ماديًّا في هذا الفيلم. انطلق المسلمون يجاهدون بناء على اقتراح من عبد الله بن أبي. فكما في المشهد السينمائي خطب ابن أبي المسلمين وحرضهم على القتال من أجل أموالهم وبيوتهم وتجارتهم وكان حمزة- - رضي الله عنه- يسمع فما لبث أن دخل على الرسول- صلى الله عليه وسلم- واقترح عليه قتال أهل مكة وبدون فارق زمني نزل قوله تعالى:

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج:39)

وبهذا التصوير الغريب يريدون تفسير الجهاد في الإسلام تفسيرًا ماديًّا من أجل المال والتجارة. يتناقض تمامًا مع أهدافه الحقيقية وهي: في سبيل الله وابتغاء رضوانه. وإعلاء كلمته.

ومضيًّا مع التفسير المادي صورت القضية على أنها صراع بين الأغنياء والفقراء

أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف من جهة وزيد بن حارثة. وبلال بن رباح وعمار بن ياسر- - رضي الله عنهم- من جهة أخرى. ويوشك الفيلم أن يعد محمدًا- صلى الله عليه وسلم- من هؤلاء- بحسبانه فقيرًا ولولا النقد اللحوح المبكر لشاهد الناس ما يروعهم أكثر وأكثر. 

في كتاب «محمد رسول الحرية» ورد النص التالي- ص۷۳- : «وبعد شهور وشهور من التأمل والضنى خرج محمد ليعلن أن هذا القضاء الغاشم الذي فرضته الآلهة والكهنة والأصنام في أقطار الأرض إنما هو أكذوبة ومصيدة للضعفاء والفقراء الذين لا يملكون من الأمر شيئًا»

إن قصة الحياة في معايير التفسير المادي للتاريخ إنما هي نفس قصة الصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء. 

وفي الآونة الأخيرة ظهر اتجاه فكري ينحو في تفسير الإسلام هذا المنحى على رأسه عبد الرحمن الشرقاوي ومحمد عمارة، وأحمد عباس صالح صاحب كتاب «اليمين واليسار في الإسلام»؟

النزعة الطائفية في الفيلم

وإلى جانب التفسير المادي للسيرة. 

هناك نزعة طائفية تحرف الوقائع وتصور الوقائع في إطار طائفي. 

- أبو سفيان بن حرب. يشكك في إسلامه حتى آخر لحظة

- هند بنت عتبة. تشوه شخصيتها. ويركز على دورها الجاهلي دون أدنى ذكر لحسن إسلامها. وعلى الرغم من ضعف المستوى الفني فإن المخرج استطاع أن يسخر الكاميرا– بإتقان– لخدمة النزعة الطائفية.

- أبو بكر- - رضي الله عنه- لم يأخذ مكانه المعلوم في السابقة والدعوة والصحبة العظيمة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-. 

إن معجزة الإسراء والمعراج لا تذكر. إلا ويذكر معها أبو بكر- - رضي الله عنه- حيث بادر إلى التصديق في يقين الأبرار. 

فهل أغفل الفيلم هذا الحادث العظيم تفاديًا لذكر أبي بكر- - رضي الله عنه؟

- في هجرة أبي بكر مع الرسول نزل قرآن كريم.. لم يذكر هذا القرآن. 

رغم تهيؤ المشهد له وتعبيره عن الصحبة الكريمة.

- في بدر- وغيرها- كان موقف أبي بكر- رضي الله عنه- عظيمًا كريمًا. لكن الفيلم حاول أن ينال من هذه المواقف عن طريق الإهمال.

- وإسلام عمر- رضي الله عنه- كان فتحًا للإسلام والمسلمين ولا يستطيع مؤرخ منصف أو قاص أمين أن يتغافل عن «يوم» إسلام عمر- رضي الله عنه-. ولا عن فرحة المسلمين به. 

بيد أن الفيلم طوى هذه الصفحة الناصعة كما طوى صفحات مشرقة من جهاد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-.

- في الهجرة. أمر أبو بكر ابنه عبد الله- رضي الله عنهما- أن يتسمع أخبار قريش فإذا جن الليل أقبل ينبؤهما بما حدث خلال النهار. كما أن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر كان يريح غنمه على الصاحبين في الغار ليتغذيا.

هذه مشاهد حية من الناحية الفنية. لكن الفيلم أهملها تمامًا.

والأدوار العظيمة لصحابة أجلاء أوائل أمثال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان. وطلحة بن عبيد الله. وسعد بن أبي وقاص وغيرهم- رضي الله عنهم– أهملت.

وطبيعي: لن يطالب مسلم بظهور هذه الصفوة المختارة على الشاشة إلا أن ذكرهم بالكلام- لم يرد.

مداهنة للنصارى واليهود

وفي الفيلم مداهنة ظاهرة للنصارى واليهود أثناء تلاوة جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه- آيات قرآنية من سورة مريم أمام النجاشي. بتر السياق فجأة بدأت التلاوة بقوله تعالى:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ (مريم: 16) وانتهت عند قوله تعالي: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (مريم: 21) لم يستمر السياق حتى نهايته الطبيعية حيث يفصل القرآن الكريم في الادعاء بأن عيسى- عليه السلام- ابن الله ويقرر أنه عبد الله:

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: 30) وينفي ادعاء النصارى ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (مريم:35)

الكاميرا في الطائف تركز على «صليب» عداس ويختار المخرج أجمل الممثلين لدور عداس. وهي دعاية نصرانية حديثة. إذ تعمد الكنيسة إلى شباب وسيم من الجنسين وتجندهم للتبشير النصراني. أما اليهود فقد كانت مداهنتهم. أكبر وأبرز.

ولقد أغفل الفيلم ثلاث قضايا بارزة.

مداهنة لليهود.

  • أغفل دورهم الإجرامي في الكيد للإسلام والمسلمين.
  • ويهود بني قينقاع الذين اعتدوا على أعراض المسلمين فحاصرهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- حتى استسلموا وكانت هذه بداية الصراع مع اليهود. 
  • ويهود بني النضير الذين خططوا لقتل الرسول- صلى الله عليه وسلم- فأجلاهم عن ديارهم. وفي هذا نزلت سورة كاملة هي سورة الحشر.
  • ويهود بني قريظة الذين طفق زعيمهم حيي بن أخطب يحرض الأحزاب على الإسلام ورسوله فسارع الرسول- صلی الله عليه وسلم- إلى تأديبهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحزاب:25).
  • ويهود خيبر الذين تحالفوا مع غطفان والأعراب الضاربين حولهم من أجل العدوان على المسلمين. فسار إليهم المسلمون ودكوا حصونهم دكًا.
  • وأغفل تحويل القبلة. وهو حدث عظيم جدًّا. كان المسلمون يتجهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى. فتحولوا إلى المسجد الحرام. وهو حدث لفظ اليهود حوله كثيرًا وحاولوا التشنيع على المسلمين.
  • وأغفل الإسراء والمعراج. 

والجانب السياسي واضح في إغفال الفيلم لهذه القضايا الكبيرة والحاسمة في السيرة. فالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وتحويل القبلة.

أمران مرتبطان بالقدس الذي احتله اليهود في هذا الجيل. والإغفال هنا يحقق هدفًا سياسيًّا لليهود وهو عزل المسلمين عقائديًّا وتاريخيًّا عن قضية القدس وما يرتبط بها من قيم ومواقف جهادية. 

ومكائد اليهود للرسول- صلى الله عليه وسلم- تبرز طبيعة الصراع بين هذه الأمة.. ويهود. وإغفالها كذلك يحقق هدفًا سياسيًّا للصهيونية وهو: تجريد المسلمين من السلاح الذي واجه به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- اليهود وهزمهم.. سلاح العقيدة والإيمان واليقظة الدائمة. والتأهب الجهادي المستمر. 

ضعف المستوى الفني

والفيلم من الناحية الفنية ضعيف المستوى فالحوار غير متماسك. ولغة الفيلم ركيكة جدًّا. في اختيار الألفاظ والعبارات وفي النطق والحركات المصاحبة للكلام منتزعة من بيئات غير متمسكة بالأصالة العربية الإسلامية. 

والممثلون- بالإضافة إلى أنهم ليسوا من الصف الممتاز فنيًّا- غير منفعلين بأدوارهم. ولا ينبض سلوكهم العام بالصدق والتفاعل التلقائي، بل إن التكلف هو الطابع الغالب على أدائهم.

الرابط المختصر :