العنوان بيان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1982
مشاهدات 86
نشر في العدد 575
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 15-يونيو-1982
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أيها الأخوة المؤمنون:
لم تكن الهجمة الصهيونية على الجنوب اللبناني أول عدوان يقوم به هذا العدو، ويخطئ الذين يظنون أنه العدوان الأخير، ذلك بأن الوجود اليهودي إنما يقوم - من جهة أولى - على حلم خرافي بالسيطرة على المنطقة من الفرات إلى النيل، ويقوم - كذلك من جهة ثانية - على هدف سياسي استعماري يخدم مصالح الدول الكبرى في هذه المنطقة الحساسة من العالم؛ نظرًا لما تتمتع به من أهمية استراتيجية، وما تنطوي عليه من ثروات كبيرة.
ولقد تزايد دعم الغرب والشرق للدولة اليهودية، حين بدأت بوادر الصحوة الإسلامية تظهر في بلاد المسلمين، كما تزايد دعم الغرب والشرق للأنظمة، التي تقوم بالدور اليهودي نفسه في محاربة المسلمين، والعمل على إحباط الصحوة الإسلامية، فالتقت مصالح أعداء الإسلام المستعمرين في الخارج والطائفيين في الداخل، على محابة الإسلام، ونشأ هذا التحالف المفضوح بين إسرائيل وبعض الأنظمة والجهات الطائفية في هذه المنطقة، واتضح أكثر ما اتضح في الحرب اللبنانية منذ عام ٧٦ حتى الآن. وهكذا فالغزو الصهيوني لن يكتفي بإبادة الشعب الفلسطيني وحده، ولا باحتلال الجنوب اللبناني وحده، ولكن له مهام دائمة استراتيجية طويلة الأمد.
وتكتسب الهجمة الصهيونية الأخيرة خطورة كبيرة حين تتأمل الشعوب المسلمة هذا الصمت المريب، الذي ران على جميع الأطراف المعنية بالقضية الفلسطينية، لا سيما أولئك الذين يدأبون على الادعاء بحماية المقاومة الفلسطينية، والدفاع عن لبنان، مما لا يدع لنا مجالا للشك في أن هناك ضربا من التواطؤ المستور بين بعض الأنظمة والأطراف الطائفية وبين العدو الصهيوني. ومما يؤكد هذا الاعتقاد أن الكل باتوا موقنين منذ أكثر من ثلاثة أشهر أن إسرائيل لا بد أن تقوم بهذا الغزو العدواني، ومع ذلك فقد ترك الفلسطينيون واللبنانيون وحدهم في الساحة يواجهون الغزو في الأيام الثلاثة الأولى، دون أن تظهر بادرة من البوادر لدعمهم أو الدفاع عنهم أو حتى مؤازرتهم، اللهم إلا بالشجب والاستنكار والعبارات الطنانة؛ حتى إذا حققت إسرائيل أهدافها من الغزو، وسيطرت على المواقع الفلسطينية، وقتلت المئات من المواطنين العزل، وتقدمت في عمق الأراضي اللبنانية، وقرعت أبواب بيروت العاصمة؛ حتى إذا كان ذلك كله، شرع النظام الطائفي السوري بإعلان تدخله في المعركة.
ولا ريب في أن هذا التدخل المتأخر جدًّا -عن عمد - ليس إلا جزءا من اللعبة، التي يقوم النظام المذكور بدور رئيسي فيها، فقد ثبت أن تدخله هذا في هذه المرحلة المتأخرة لا يمكن أن يمنع العدو الصهيوني من البقاء على الأرض اللبنانية، ولا يمكنه أن يعيد إلى المقاومة الفلسطينية مواقعها المحتلة، ولا يمكنه كذلك أن يعيد إليها الخسائر الكبيرة التي أصيبت بها، ولم يكن موقفه الآن بعيدا عن موقفه من الغزو الصهيوني عام ٧٨ حين وقف موقف المتفرج على المقاومة الفلسطينية، وهي تتعرض لحرب الإبادة، ولو كان هذا النظام جادًّا في التدخل حقًّا لأطلق صواريخه، التي ما كانت رابضة في البقاع منذ أربعة عشر شهرا، ولمنع الغارات الإسرائيلية أن تحقق أهدافها على مواقع الفلسطينيين والقرى اللبنانية، بل لدفع بقواته التي أدخلها إلى لبنان أصلا تحت دعوى حماية لبنان والمقاومة الفلسطينية، ولكنه لم يفعل شيئا من ذلك كله طوال الأيام الثلاثة الأولى للمعركة، التي حددت معظم نتائج الحرب، مع أن بين النظام المذكور وبين المقاومة الفلسطينية ما يسمى اتفاقا استراتيجيا للدفاع، عقد منذ فترة وجيزة.
وليس أدل على أن التدخل السوري لا يعدو أن يكون جزءا من اللعبة من لجوء إسرائيل والنظام السوري إلى القبول بوقف النار بسرعة، لافتة للنظر بعد عدد من الحركات العسكرية المسرحية كدعوة الاحتياط ومعارك الطيران ونحوها، مع أن وقف النار يعني تثبيت الاحتلال الإسرائيلي، وإنقاذ جيش إسرائيل من الخسائر، التي يمكن أن يمنى بها إذا استمر وقتا أطول في خوض المعارك.
أيها الأخوة المؤمنون:
إن سير المعارك والنتائج التي أسفر عنها الغزو تشير بوضوح لا يقبل التأويل إلى أن هناك مؤامرة دولية تتولى كبرها الولايات المتحدة الأمريكية، وتتمتع بتأييد الغرب، وبالصمت السوفيتي أيضا، على سبيل المقايضة بين المصالح في توزيع مناطق النفوذ الدولي في العالم، وإلا فأين معاهدة التعاون الاستراتيجي التي عقدها النظام السوري مع السوفيات؟.
وليس ببعيد أن تنجلي هذه المؤامرة عن تمزيق المنطقة تمزيقا طائفيا على نحو ما أفصح عنه عدد من السياسيين اللبنانيين، وعلى نحو ما يسعى إليه بعض أصحاب المبادرات، التي توصف بأنها سلمية لحل أزمة المنطقة، ولا ريب في أن هذا هو أحد الأهداف الصهيونية لضمان بقاء إسرائيل وأمنها، ولضمان خضوع المنطقة كلها للنفوذ الدولي؛ كي يسهل على الدول الكبرى تحريك الأطراف في المنطقة؛ لتفجير الصراع بينها كلما اقتضت ذلك مصالح تلك الدول، ولوضع أنظمة النفط العربية تحت خطر التهديد الدائم؛ كي تبقى خاضعة للإرادة الأجنبية، وللحول دون أن تحقق شعوب المنطقة أية نهضة أو تقدم عبر صحوتها الإسلامية المنتظرة، وإذا كانت فضيحة النظام الطائفي السوري في اللعبة تضعه في أول مواضع الإدانة، فإن معظم الأنظمة العربية الأخرى تتحمل جانبا من المسؤولية عن نتائج الغزو الصهيوني الأخير.
وذلك لأسباب كثيرة أولها خضوعها للنفوذ الدولي شرقيا كان أو غربيا، وارتهان سياساتها لمصالح الدول العظمى؛ مما دفع بتلك الأنظمة بعيدا عن شعوبها المسلمة، ولا يشك أحد في أن تلك الأنظمة تعاني من العزلة عن شعوبها؛ لأنها تنهج في سياستها الداخلية والخارجية مناهج بعيدة كل البعد عن أهداف الشعب المسلم وآماله ومصالحه، مما أفقد الشعب روح الجهاد في سبيل الله، وسلب منه معاني البسالة والنخوة؛ نتيجة لتعرضه الدائم لأصناف الارهاب والقمع.
سبيل الخلاص:
إن الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن يغمض العين عنها هي أن شعوب هذه المنطقة شعوب مسلمة، وأن إرادتها لا تقوى إلا بهذا الدين، وإن وحدتها لا تتم إلا بهذا الدين، وإن روح الجهاد الحقيقي لا تنبثق في قلوبها إلا من هذا الدين، وإن قدر المنطقة هو هذا الدين، وإن الذين يتعامون عن حقائق التاريخ؛ لانغماسهم في الشهوات ومهادنتهم للأعداء، إنما يحكمون على أنفسهم بالهلاك.
إن المعركة الحقيقية في منطقتنا هذه هي معركة الإسلام مع أعداء الإسلام، والمسلمون يدركون هذه الحقيقة، وهم يعرفون أن عليهم أن يخوضوا تلك المعركة ضد كل القوى، التي تعمل على هدم الإسلام ومحاربته والوقوف في وجه صحوته وإبعاده عن ميدان السياسة والحياة بكل أبعادها، سواء أكانت تلك القوى المعادية داخلية أم خارجية.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).
جمعية الإصلاح الاجتماعي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل