; كمبوديا: بول بوت.. إدانة أخرى للشيوعية فكرة ومشروعًا | مجلة المجتمع

العنوان كمبوديا: بول بوت.. إدانة أخرى للشيوعية فكرة ومشروعًا

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998

مشاهدات 54

نشر في العدد 1297

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 28-أبريل-1998

■ الذي حاوله بول بوت ومن قبله ناوتسي تونج ومن قبلهما ستالين هو ترجمة عملية دقيقة للفكرة الشيوعية.. وإن المجرم في كل الحالات هو الشيوعية.. وما أولئك إلا أدوات تنفيذ قابلة للتكرار.

مات بول بوت دون أن يُقدم لمحاكمة دولية من النمط الذي يتفاخر الغربيون كل حين بنصبه لمن يعتبرونه عدوًا للإنسانية، فمنذ أن تأكد نبأ اعتقاله في الصيف الماضي على أيدي مجموعة من المنشقين عنه في منظمة الخمير الحمر «الحزب الشيوعي الكمبودي»، أبدت حكومة الولايات المتحدة وغيرها من دول المنظومة الغربية حماسًا لفكرة محاكمته لمسؤوليته المباشرة عن حصد ما لا يقل عن مليون ونصف مليون إنسان خلال فترة حكمه من 1975 م إلى 1979 م.
ما يثير الانتباه في قصة بول بوت أنه جاء إلى الحكم على ظهر دبابة فيتنامية، وأطاحت به دبابة فيتنامية، فبدعم من فيتنام استولى الخمير الحمر على مقاليد الأمور في كمبوديا عام 1975 م، بعد عام كامل من الحروب الأهلية الطاحنة، لينفذوا بقيادة بول مشروع إقامة الجنة الشيوعية الموعودة على الأرض، والتي فشل في إقامتها من قبل كل الأنظمة الشيوعية التي سبقته، فكما حصل في تجربتي ستالين «الروسي» وماتوتسي تونج «الصيني»، تمخض المشروع الشيوعي عن جحيم أحرق ملايين البشر، وشرد مئات الآلاف منهم، ونشر الفقر والبؤس في أرجاء البلاد، كل ذلك لم يزعج الفيتناميين -الشيوعيين أيضًا- لم يزعجهم أن يعمد بول بوت إلى إلغاء النظام المالي، ولا إبادته لكل شخص يشك في كونه مثقفًا، لم يسلم من البطش كل من لبس النظارات، لأن تلك كانت دليلًا على الثقافة، أراد بول بوت للجميع أن يصبحوا قوالب -مسطرة- لا تمايز بينهم في شيء على الإطلاق، فكلهم عبيد يحرثون الأرض ويزرعونها، ويحصدون نتاجها تحت حراسة مشددة من رجاله الذين لا يتورعون عن إفناء كل من لا ينتج، أو تعذيب كل من تبدو عليه أمارات التعلم أو المساءلة حتى يعترف قبل إعدامه من أين جاء بالفهم والثقافة، ولذلك كان من أكثر المتضررين من هذه السياسة الشيوعية العبثية الأقليتان الدينيتان في كمبوديا: المسلمون والكاثوليك، فالأقليات عادة ما تكون متميزة في ثقافتها وفي أدائها، ويكون أفرادها أكثر وعيًّا بمجريات الأمور، لم يزعج الفيتناميين حين ذاك أن يشيد نظام بول بوت غرف التعذيب ويقيم معسكرات الاعتقال لتطهير صفوف الشعب من كل دخيل وعميل، ولم يزعج الفيتناميين أن يدرس نظام بول بوت عساكره فن التعذيب واستخراج الاعترافات، ولا أن تدون هذه الدروس في كراسات توزع على العساكر لتصبح جزءً من تربيتهم العسكرية، لم يزعج الفيتناميين أن يقتل نظام بول بوت واحدًا من كل ستة مواطنين كمبوديين خلال فترة حكمه، ولم يزعجهم أن يعمد بعد قتل المدنيين إلى إعدام من كانوا يكلفون بالقتل، ثم بتصفية الجنود الذين أمروا بقتل الجلادين، كل ذلك في محاولة منه للقضاء على إمكانية أن يثور عليه أحد، أو هي محاولة لمنع غيره من اكتساب القوة، لم يزعج الفيتناميين شيء من ذلك، وإنما الذي أزعجهم وجعلهم يتحركون للإطاحة بهذا النظام تمرده عليهم، وإبداؤه الرغبة في غزو بلادهم بعد أن أخذته العزة بالإثم، وقال ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ (سورة النازعات: 24)، فتحركت جحافل الفيتناميين عام 1978م وغزت كمبوديا لتكمل احتلالها للعاصمة فنوم بنه عام 1978م، فارضة على فلول الخمير الحمر الانسحاب إلى الشريط الحدودي الشمالي المحاذي لتايلاند.

انقلاب التحالفات: وهنا تبدأ المفارقة الجديدة، فالذي كان يدعم الخمير الحمر حتى زمن قريب هم الشيوعيون، أما من الآن فصاعدًا فقد بدأوا يتلقون المساندة من حكومة تايلاند الموالية للغرب، وللولايات المتحدة بالذات، وما كان لتايلاند أن تدعم الخمير الحمر دون موافقة وتأييد الحلفاء الأمريكيين، وبينما تتدخل الأمم المتحدة لإعادة ترتيب البيت الكمبودي وإقامة نظام ديمقراطي يتأسس على التعددية الحزبية، يستمر الخمير الحمر في استعباد السكان في الشمال وزرع الأراضي بالألغام التي يحصلون عليها من التايلانديين مقابل تزويدهم بالثروات المنهوبة من كمبوديا، ولا يقضى على الخمير الحمر إلا خلافاتهم الداخلية، ولا يذل بول بوت إلا أقرب مقربيه الذين سئموه وسئموا الاستمرار في حرب لا نهاية لها، وبمقدم صيف 1997م، كان الخمير الحمر قد انشطروا إلى مجموعات صغيرة لا وزن لها، بل تحول كثير منهم إلى مرتزقة يستخدمهم السياسيون المتصارعون على الحكم في العاصمة لاقتناص مكاسب أو تعزيز مواقع، فصار رفاق الأمس يقتل بعضهم بعضًا من أجل حفنة من الدولارات، وكان من ثمرة هذه الخلافات والانقسامات أن أعدم بول بوت كبير جنرالاته سون سين وعائلته وعشرات من مؤيديه، وأمر بأن تسحق جثتهم بالجرافات الزراعية، فثار عليه رفاق الأمس، وألقوا القبض عليه وحكموا عليه بالإقامة الجبرية التي ظل فيها إلى أن مات في منتصف أبريل 1998م.

حقول القتل
من الجدير بالذكر أن الغربيين لم تتحرك ضمائرهم إلا بعد أن وصلتهم قصة الجرائم التي ارتكبها بول بوت وأتباعه عبر فيلم «حقول القتل»، فالجماهير في الغرب قد تتحرك إذا علمت، ولكنها قلما تعلم، وبخاصة بما تقوم به حكوماتها من دعم ومساندة لأعتى المجرمين، وحينما تنكشف الأمور، وتتغير موازين القوة، وتتبدل الحسابات، يطرأ تبدل على السياسة لتوافق رغبة الشارع، فإثر انتشار قصة «حقول القتل» بدأت المطالبات بمحاكمة بول بوت وأعوانه، وهي مطالبات تركزت على أشخاص المجرمين دون التطرق إطلاقًا إلى الفكرة التي كانوا ينطلقون منها، وما أشبه ذلك بالموقف الغربي من النازية، التي يحاكم عليها هتلر ومن شاركه في تنفيذ أفكاره -وبخاصة من تثبت صلته منهم بالإبادة الجماعية لليهود، دون التطرق إلى الفكرة التي قامت عليها النازية، والتي تعتبر محصلة، بل ونتيجة حتمية لما تقوم عليه الحضارة الغربية من فلسفات قومية ونفعية وداروينية علمانية، وما تقدمه للبشرية من تصورات للحياة سواء كانت شيوعية أو ليبرالية.
ليس هتلر ولا بول بوت الذي ينبغي أن يحاكم، بل تلك الفلسفات التي أفرزتهم، وستظل تفرز نماذج هتلرية، وستالينية وماوية، وبول بوتية، بل إن تلك الفلسفات هي نفسها التي أفرزت نموذج نظام الأبارتيد «التمييز العنصري» في روديسيا وجنوب أفريقيا، وهي التي أفرزت النموذج الصهيوني الذي لا زال محرمًا التطرق إليه بالنقد في أوساط الغربيين رغم عنصريته التي لا تقل بشاعة عن عنصرية الأبارتيد، ورغم فاشيته التي لا تقل قبحًا عن فاشية النازيين، إنها فلسفات تخول صاحب القوة تأليه ذات ليصبح مصدر القيمة والتمكن في نزواته المرجعية العليا للقضاء والحكم، وبذلك يدَّعي لنفسه حق تحويل البشر الآخرين إلى مجرد أشياء -أو آلات- تكمن قيمتها في قدرتها الإنتاجية وفي مستوى نفعيتها.
لعل من المثير في قصة بول بوت أنه لم يستورد الشيوعية من الصين أو الاتحاد السوفييتي، ولم يصبح -مثل كاسترو الكوبي أو كارميل الأفغاني على سبيل المثال- وكيلًا أو عميلًا لقوة عظمى، وإنما تعلم الشيوعية واعتنقها في محراب الفلسفة الغربية، باريس، فقد ولد بول بوت في عهد الاستعمار الفرنسي لبلاده عام 1927 م «ويقال عام 1928 م»، ونشأ وترعرع في بيئة عائلية مريحة، وشد رحاله إلى باريس ليتأهل علميًّا ومهنيًّا، وهناك تعرف على الشيوعية، ويقال إنه تأثر بالنمط اليوغسلافي منها، وهو نمط قومي عنصري إقصائي كما أثبتت تجربة جوزيف تيتو، وكما أكد وريثه رئيس صربيا الحالي ميلوسوفيتش، عاد بول بوت إلى كمبوديا ليؤسس الحزب الشيوعي، وينخرط في النضال من أجل الاستقلال عن فرنسا، التي تلقى منها الإلهام والاستنارة « وكم هو في ذلك مشابه للحبيب بورقيبة الذي عشق فرنسا، فناضل من أجل استقلال بلاده منها، ليسخر العباد والبلاد بعد الاستقلال لخدمة مصالحها وإنجاز نموذجها العلماني متأرجحًا تارة نحو الاشتراكية ونحو الليبرالية تارة أخرى»، وها هي بعض فلول الخمير الحمر بعد انهزامها أمام الزحف الفيتنامي تتراجع عن الشيوعية وتتبنى الليبرالية وتتبع خطى هان سين، العضو البارز سابقًا في الخمير الحمر ورئيس وزراء كمبوديا الحالي، الذي دخل في مشروع شراكة مع الأمير نوردوم راناريد -المنتخب رسميًّا- بموجب تسوية أشرفت عليها الأمم المتحدة عام 1993م.
قضى بول بوت بعد أن قدم للبشرية نموذجًا مأساويًّا آخر للمشروع الشيوعي العلماني، الذي ما زال بعض المغفلين في العالم العربي يعلق عليه الأمال ويروج له رغم ما تمخض عنه من تدمير وتخريب، إن الذي حاوله بول بوت -ومن قبله ماو ومن قبل ستالين- هو ترجمة عملية دقيقة للفكرة الشيوعية، إن المجرم في كل هذه الحالات -والذي ينبغي أن يحاكم على الملأ- هو الشيوعية ذاتها كفكرة، وما أولئك إلا أدوات تنفيذ قابلة للتكرار كلما تكررت محاولة ترجمة الفكرة إلى واقع.

 

■ عندما يتوب الشيوعيون والعلمانيون

بقلم: د. عبد السلام الهراس (*)

يلاحظ أن كثيرًا ممن عرفوا بالشيوعية والعلمانية والإلحاد أو التفسخ والفسق والفجور عندما يكرمهم الله بالتوبة والأوبة إلى الإسلام يسارعون إلى التكفير عن ماضيهم بإخلاص وتسخير خبراتهم وطاقاتهم لخدمة الإسلام والمسلمين أو على الأقل خدمة أوطانهم وانتشالها من أوحال السقوط كما وقع في الشيشان حيث تزعم حرب الاستقلال ضباط كبار وساسة لامعون كانوا بالأمس القريب في خدمة الاتحاد السوفييتي، وأبدوا من الإخلاص والصمود والتضحية والفداء ما بهر العالم وأعطى درسًا للشعوب المستعبدة القليلة العدد بَلهَ كثيرته من التحرر من ربقة الاستعمار والاحتلال، ولعل فلسطين أو على الأصح السلطة الفلسطينية وأباطرتها وقططها السمان جديرة بأن تتعلم هذا الدرس وتستفيد منه وتتأسى في تحرير بلدها بتوبة أولئك القادة، فتسارع إلى الانخراط في «حماس» جنودًا وقيادات لا أن تحاربها.

والمثال الثاني أذربيجان، ذلك البلد الذي تآمرت عليه روسيا وأرمينيا ومن لف لفهما، فقد خسر «كارباخ» وخسر مواقع ومدنًا أخرى من أرضه وكاد يخسر جميع وطنه بسبب تلك المؤامرة وبالفتن الداخلية التي تزعمها بعض المغفلين بدافع «حسن نية سيئة» أو بعض الضالعين في المؤامرة خيانة وعمالة.

والآن استطاع حيدر علييف أن يقود بلده قيادة فيها كثير من الحكمة وبعد النظر مما جعل أحد خصومه السابقين يعود إلى باكو بعد غيبة دامت أربع سنوات، كما جاء في مجلة «المجتمع» (عدد 1278) ويعترف بأن عليًّا «علييف» قام بما لم نستطع القيام به وحقق الاستقرار في البلاد، لقد منينا بالهزيمة على يد الاستخبارات الروسية، غير أن علييف ألحق الهزيمة بهم والآن سنعمل سويًّا من أجل أذربيجان الحرة.

ومنذ أشهر التقينا نائبه في الكويت حيث ألقى كلمة في الجمعية العمومية للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية عرض فيها حرص بلاده على توثيق الصلة بالعالم العربي وبالمنظمات الإسلامية المستقلة والتعاون معها في المجالات الاجتماعية والتنموية وغيرها، وعرض بعض المشاكل والصعوبات التي ما زالت أذربيجان تعانيها وكان الرجل في عرضه مسؤولًا غير مهرج ولا مبالغ، مما جعلنا نعجب به وبسياسة بلاده.

وبلادنا العربية عاجة بفلول الشيوعية والإلحاد والعلمانية، وكنا نظن أن سقوط الاتحاد السوفييتي والعلمانية العالمية سيكون فرصة لإخواننا الضالين للتوبة إلى الله وللاستجابة له ولرسوله لما يحييهم، فإذا بالبعض منهم يرتمي في أحضان أعدائهم بالأمس يؤجرون لهم «خبرتهم» للهجوم على الإسلام وعلى حضارة الإسلام وعلى أنظمة الإسلام، كما أن البعض الآخر وجد في بعض الجهات من الدول الإسلامية العربية ومؤسساتها الثقافية والإعلامية والدعائية والسياسية مجالًا رحبًا ومناخًا خصبًا لممارسة حقده على الإسلام ورجاله وتعاليمه، وأصبحوا في ظل «الأنظمة الرجعية» -كما كانوا بالأمس يصفونها- يعيشون في بحبوحة من العيش ولا يمر يوم دون أن يكتبوا مقالة أو يشاركوا في ندوة أو يقدموا تعليقًا أو يسهموا في دائرة مستديرة حتى أن ظهورهم الآن أصبح أكثر حضورًا ولمعانًا وبذخًا.

والعجب أن أموال المسلمين التي هي أمانة وفي عهدة أرباب الحكم والقرار كان يجب أن تخصص للنهوض العلمي والثقافي والصناعي والتكنولوجي وفي الشؤون الاجتماعية والوجوه الخيرية والدفاعية وفي مجالات الدعوة الإسلامية ولا سيما في أوساط الأقليات الإسلامية المهددة بالذوبان، لكننا نشاهد أن الكثير منها يصرف على من كان وما يزال يحارب الإسلام وشريعته وآدابه ويروج للأفكار المنحرفة لكن يشفع له الإشادة بالأنظمة التي تبذل له المال وتطيل له الرشاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم***

الرابط المختصر :