العنوان بولندا.. الماركسية تلفظ أنفاسها.. والتضامن لا تترحم على الأموات
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989
مشاهدات 50
نشر في العدد 930
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 29-أغسطس-1989
- النظرية التي أتخمت العمال بالأماني في مشاعية المال وتحقيق
الرفاه والتقدم رفضت الاستجابة لمطالب القوى العاملة وسحقت وشردت مئات العمال في
غدانسك.
وافق الرئيس البولندي فويتشيخ ياروزلسكي في مطلع الأسبوع الماضي على
ترشيح رئيس تحرير صحيفة التضامن مازوفيتسكي ليتولى منصب رئيس الوزراء في أعقاب
الاتفاق الذي تم بين الحزب الشيوعي البولندي ونقابة التضامن المستقلة وحزبي
الفلاحين والديمقراطي بعد أن فشل تشيسلاف كيشاك في تشكيل حكومة ائتلافية يتزعمها
الشيوعيون وتلعب فيها التضامن دورًا رئيسيًا.
وبترشيح مازفيتسكي لرئاسة الحكومة تصبح بولندا أول بلد في الكتلة
الشرقية يحكم بسلطة غير شيوعية منذ استيلاء الشيوعيين على دول شرق أوروبا أضف إلى
أن بولندا تعتبر عاصمة حلف وارسو المنظم للشيوعية الدولية.. وعلى ما يبدو فإن
مسألة انحسار النفوذ الشيوعي في بولندا ليست بالقضية المحدودة بأطرها القطرية
وإنما هناك قابلية متزايدة لتمددها في شعاب حلف وارسو بعد أن افتقد الحلف «عاصمته»
ومع تطور الأحداث في وارسو يذكر التاريخ الطويل لحركات الانشقاق على سلطة الحلف
فقد شهدت دول الحلف حركات متفاوتة من الانتفاضة على قبضته الحديدية وكانت قوة
الحلف تكمن في المقررات السيادية التي يتمتع بها الاتحاد السوفياتي في قمع تلك
«الانحرافات» فقد اجتاحت قواته المجر في عام ١٩٥٦ كما اجتاحت تشيكوسلوفاكيا في عام
١٩٦٨ غير أن التغيير الأخير في بولندا لم يأت كسابقيه تحت شعار الوجود القومي
وإنما اتخذ شكل التفجر الداخلي فماذا يمكن للدولة العمالية أن تعمل عندما ينشق
عليها العمال ونقاباتهم؟!
فالأزمة البولندية بدأت في عام ١٩٧٠ حين قمعت سلطة الحزب
طلائع الانشقاق في طبقة العمال وذبحت دونما أدنى إحساس بالروح الطبقية ٤٩ عاملًا
في غدانسك، وبعد 9 أعوام تحركت نقابة عمال السفن في نفس المدينة وكونت نقابة
التضامن المستقلة وسعت الحكومة البولندية إلى قمع حركة التضامن واعتقلت قادتها غير
أن النقابة لم تستسلم وإنما وسعت من نشاطها واتصلت بالكنيسة وتبنت دعوة شاملة
للإصلاح الاقتصادي والسياسي واضطرت سلطة الحزب الشيوعي مرغمة بأن تذعن وتطأطئ
رأسها في وجه المطالب العاصفة للنقابة وبذلك كسبت النقابة شرعية أولية.
وتمضي الأحداث لتتجمع عدة عناصر خارجية وداخلية داعمة خط التفجر ودافعة
بنقابة التضامن المستقلة لتلعب دورًا أكبر مما فكر فيه قادتها يوم أن تجمع ۳۰۰ عامل حول زيغنيو بوجاك وليخ فاليسا.
- الجذور والأحداث
وفقًا لفرضيات المادية الجدلية يعتبر الاقتصاد العنصر الفاعل والوحيد
في التطورات التاريخية وأن تاريخ البشرية لا يعدو دائرة مطاردة الدراهم.. غير أن
الماركسية التي قننت لفرضياتها الحتمية فشلت في إنزال تلك الفرضيات إلى أرض الواقع
في بولندا كما فشلت في غيرها.. بيد أن الفشل في بولندا كان كبيرًا جدًا مما حدا
بالعمال بأن يخرجوا على سلطتهم الطبقية.. فبعد سياسة اقتصادية صارمة جعلت العمال
في مقدمة المسؤولية وأنزلت بهم الدولة عبء زيادة الإنتاج وتطوير الأحوال
الاقتصادية والصناعية للبلاد متحملين في ذلك ضآلة الأجور وانحطاط المستوى الصحي
وافتقاد السلع الغذائية الرئيسية واستمرار الحال على ذلك قرابة ربع قرن غير أن
التطور الاقتصادي الذي تنبأ ماركس بأنه حتمية لازمة لاستيلاء الطبقة العاملة على
وسائل الإنتاج لم يأت في ظل دكتاتورية البولوريتاريا كما أن مقولات فائض القيمة
واستبدال قوة العمل بالعمل لم تقدم للإنسان العامل الرفاه والعيش الكريم
والإحصائيات الرقمية هي التي ردت على دعاة الاشتراكية العلمية فالعمال الذين
أشبعتهم وسائل الإعلام الشيوعي بالأماني في الغد الشيوعي المأمول لم تجن أيديهم
غير الشقاء والشقاء الممض، ففي منتصف السبعينيات وبعد مضي ٣٠ عامًا على تملك
العمال لوسائل الإنتاج ومشاريع التصنيع الثقيلة التي تبنتها سلطة العمال كانت
الأوضاع السكنية تبحث عن نقص وصل إلى مليوني شقة سكنية حتى تأوي أصحاب المصلحة
الحقيقية في الثورة وأن المستشفيات لا تقدم إلا ٧٦ سريرًا في مقابل كل ۱۰ آلاف مواطن وأن المديونية الدولية لبولندا بلغت ۳۱ مليار دولار وأن المزارع الجماعية التي أنيط بها توفير السلع الغذائية
فشلت في تأمين حاجة الفلاحين أنفسهم ناهيك عن إغراق السوق المحلية والمجموعات
الاستهلاكية بالمواد الغذائية.. وهذا ما دفع بالعمال بإنشاء نقابة مستقلة ورفعت
شعارات الإصلاح الاقتصادي وبدأت سلسلة الإضرابات والاضطرابات.
ففي عامي 79/ 80 اشتدت الأزمة بين السلطة الشيوعية ونقابة التضامن
المستقلة وارتفعت حدة الخلافات حتى توقعت كثير من دوائر المراقبة السياسية تدخل
السوفيات في بولندا لإعادة سلطة الحزب وإخراج الدولة من حالة الفوضى التي عمت
المدن البولندية.. غير أن أسبابًا عديدة منعت الاتحاد السوفياتي من ارتكاب تلك
الحماقة.. وقد تمت معالجة الأزمة في عام ١٩٨١ بتدخل القوات المسلحة واستولى
الجنرال ياروزلسكي على السلطة وأعلن الأحكام العرفية، وكانت بذلك أول دولة في
الكتلة الشرقية تعلن الأحكام العرفية وبعد ست سنوات برزت نقابة التضامن مرة أخرى
ووسط ضجة إعلامية دولية كبرى بعد حصول زعيم النقابة فاليسا على جائزة نوبل للسلام.
- الغرب والثأر
لم يخف الغرب الرأسمالي فرحته الغامرة بسقوط الحزب الشيوعي البولندي في
الانتخابات التي تمت مؤخرًا وقد مازجت مظاهر الابتهاج شماتة وتطلع طاغ بأن تتحول
الدول الاشتراكية إلى الرأسمالية وتبنت الصحافة الغربية حملة التشفي تلك وكأنما
الماركسية ستدخل للتو في بوتقة الاختبارات التجريبية، علمًا بأن الأحداث التي
توالت مؤخرًا كانت نتاج كفاح طويل ضلعت فيه الدوائر الغربية بنصيب وافر ساعد في
الختام على تفاقم درجة الشقاق وإنضاج الحلول خارج دائرة سلطة الحزب الشيوعي..
فبولندا الدولة الأكثر التصاقًا بالجوار الرأسمالي لدول أوروبا الغربية وذات
النزعة القومية الساخنة في مطلع العشرينيات ما كان لها أن تنسلخ كليًا عن جذورها
التاريخية أو تتغاضى عن الواقع الجغرافي المحيط بها بالرغم من المزاعم الماركسية
التي لا تقيم وزنًا لتلك العناصر وما إن ظهرت إلى السطح بوادر أول أزمة بين العمال
حتى هرعت الأجهزة الغربية بمختلف نوعياتها إلى النفخ في شرر الخلاف وهكذا تبنت
مقررات ومطالب نقابة التضامن واستخدمت الكنيسة بصورة لم يسبق لها مثيل في العمل
السياسي الانشقاقي، فالكنيسة التي فصلت وأبعدت نهائيًا في الغرب وجدت الأجهزة
ودوائر القرار الغربية لها أهمية بالغة في مكافحة الشيوعية وتبنت الكنيسة
والمؤسسات الدولية شعار حقوق الإنسان وحقوق العمال في بولندا واتسع دور الكنيسة
عندما اختير البابا يوحنا بولس الثاني بابا للفاتيكان والذي يعد من أكثر رعاة
الكنيسة الكاثوليكية تسيسًا وقاد حملته المشهورة والمشهودة ضد المواقف الشيوعية من
الكنيسة الكاثوليكية البولندية وقام بزيارتين التقى فيهما بقادة نقابة التضامن كما
أن ليخ فاليسا قام بزيارة إلى روما والتقى فيها بالبابا بولس الثاني وهكذا تعددت
أصابع الغرب في تفريخ ورعاية الانشقاقات والاضطرابات في بولندا.
ويأتي الدور الأمريكي في الثأر الغربي من الماركسية في أشكال عديدة،
فالولايات المتحدة تعهدت عدة مرات بأنها لن تترك شرق أوروبا «لتسلط» الروس وكما
ذكر زبغنيو برجنيسكي مستشار كارتر لشؤون الأمن لمجلة «تايم» في عام ١٩٦٦ بأن «شرق
أوروبا هو المكان الذي سيشهد دفن الأممية البروليتارية» كاشفًا بذلك عن المخطط
الطويل لسحق النظرية والتكتل الدولي فيما بعد الذي رفض هيمنة الاحتكارات
الرأسمالية.. وقد كان تدخل الولايات المتحدة واضحًا من خلال المعونات الاقتصادية
وحرب المقاطعة كلما شعرت بسيطرة الحزب الشيوعي في بولندا.. وعلى كل حال فإن عداءنا
للماركسية لا يمنعنا من ذكر الأساليب التآمرية التي استخدمها الغرب الرأسمالي من
أجل تدمير الماركسية وتجربتها التطبيقية في دول أوروبا الشرقية.
إن النظرية الماركسية تحمل عوامل فنائها- كما يقولون- فهي لم تكتف
بتأكيد نبوءاتها ووصفها بالصفة العلمية وإنما حتمت أشكال القوالب التي تنصب فيها
تلك النبوءات ولهذا فعندما خضعت النظرية إلى مجال التطبيق وجد لينين أن الفارق
أكبر من أن تحده أطر الإمكانية وبرزت الاستحالة العملية لكل تقارب بين النظرية
والواقع العملي وهنا جاء الانشطار الأول وتحولت سلطة القوى العاملة إلى سلطة
اللجنة المركزية للحزب وانعدمت أبجديات العمل السياسي إلا في إطار الحزب وأجهزته
وصودرت بالتالي الحريات وكممت الأفواه، وجاءت «الانحرافات» الفكرية لتبرر السلوك
السياسي الجديد بأنه مرحلة ضرورية في تطور الماركسية وهكذا تحولت النظرية
الماركسية إلى تسلط حزبي ضيق بدلًا من سلطة مشاعة للقوى العاملة.
وكما ذكرنا آنفًا أن الأحزاب الشيوعية تحولت إلى سلطة فوقية فوق كل
سلطة وتنصلت عن كل المبادئ التي حاولت النظرية أن تؤطر بها الحياة ولتأمين تلك
الأحزاب لمواقفها وضمان استمراريتها فقد تعهدت في نطاق حلف وارسو بأن التنصل من
الاشتراكية العلمية يعد جريمة كبرى تستوجب التدخل العسكري من قبل الأعضاء، وقد نفذ
ذلك التعهد أكثر من مرة غير أن الماركسية وأحزابها اكتسبت من التجارب ما أفقد تعهد
التدخل العسكري جدواه، ولهذا بدأ غورباتشوف بدعواه للنظرية الجديدة «إعادة البناء»
وهي مرحلة وسيطة للتخلص الجزئي- وربما الكلي في المستقبل- من سلوكيات الحزب
الشيوعي والنظرية الماركسية، وكما في الاتحاد السوفياتي فإن بولندا والمجر قد
تجاوزتا الخطوات السوفياتية وسمحت الدولة في بولندا بالمشاركة مع سلطة خارج جهاز
الحزب الشيوعي وهو تعامل يمحو كل أثر للماركسية التي دعت لاتحاد العمال ضد المصالح
الطبقية للرأسمالية غير أن العمال في هذه المرة اتحدوا لتقويض الحزب الشيوعي الذي
طالما تكلم بلسان العمال وأفاض في ذكر نضالهم ضد عدوهم التقليدي المتجسد في
الرأسمالية الغربية.
إن العمال في بولندا أثبتوا لماركس أن الجدلية المادية ليست نظرية كل
الأزمنة وإنما هي فقط نظرية لأزمنة الدكتاتورية والتسلط باسم الشعارات العلمية
الفارغة.. لكن هل يعني إثبات فشل التجربة الاشتراكية العودة إلى الرأسمالية؟ ربما
كانت الإجابة تصل إلى ذلك غير أن الرأسمالية كعدوتها الشيوعية وبال على الشعوب فإن
كانت الماركسية تسلط باسم الطبقة فإن الرأسمالية تسلط باسم المال، ويبقى النداء
صحيحًا «يا عمال العالم اتحدوا لإزالة التسلط».