; بولندا .. الشيوعية التي سقطت | مجلة المجتمع

العنوان بولندا .. الشيوعية التي سقطت

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1989

مشاهدات 81

نشر في العدد 923

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 04-يوليو-1989

الشيوعية استخدمت أدوات الآلة أسوأ استخدام في قمع الشعوب

انتخابات بولندا كشفت أن الشيوعيين لا يمثلون إلا أنفسهم فقط

كثير من اتباع الشيوعية عملاء في الحقيقة لأمريكا

في نهاية الحرب العالمية الثانية زحفت القوات السوفياتية على دول أوروبا الشرقية وأقامت حكومات شيوعية موالية للاتحاد السوفيتي، على الرغم من شعوبها، مستغلة غزو ألمانيا ودول المحور لهذه الدول، وتحالفت الدول الغربية مع الاتحاد السوفيتي في هذه الحرب التي انتهت بهزيمة المحور، وبعد ذلك مكن الاتحاد السوفيتي الأحزاب الشيوعية في هذه الدول من الحكم، ومن ذلك الحين سموها ديمقراطيات شعبية، مع أنها ديكتاتوريات لا تختلف عن النازية في استبدادها وعسفها وجبروتها، وأصبحت تلك الشعوب محاطة بستار حديدي تحت الحكم الشيوعي، وتحكم فيها من سموا أنفسهم بالثوريين، وادعوا أنهم إنما يمثلون العمال

 

الشعوب تتحين الفرصة:

ولكن الشعوب التي سيطر عليها الشيوعيون، أظهرت أنها لا تبغي بالحرية بديلًا، وأخذت تتحين الفرص للتخلص من الحكم الشيوعي، لولا أن الجيوش السوفيتية تحتل تلك البلاد، وتفرض هيمنتها على مرافقها وعلى قواتها المسلحة، وتقمع كل حركة بكل قسوة وشدة ولانتهي الحكم الشيوعي منذ زمن طويل، وقد كان الشيوعيون يسمون الجيوش وقوات الأمن في الدول غير الشيوعية أدوات قمع، فلما تولوا هم استخدموا تلك الأدوات أسوأ استخدام، وكان قمعهم أشد وأقسى، والآن قد بدأ التغيير في الاتحاد السوفيتي نفسه، فقد وجدت تلك الشعوب الفرصة لإظهار رغبتها في الحرية والتخلص من الشيوعية، ونرى بولندا بعد أن أضطر الحزب الشيوعي الحاكم أن يسمح لنقابة التضامن غير الشيوعية بترشيح أعضاء منها في البرلمان، وإن كان في حدود وقيود وشروط، ليضمن الحزب لنفسه الاستمرار في الحكم.

 

الشيوعيون يمثلون أنفسهم فقط:

إن تلك الانتخابات قد أظهرت أن الشيوعيين لا يمثلون إلا أنفسهم، وأنهم فشلوا أن يحسنوا صورتهم مهما أظهروا من مرونة وليونة، فقد سقط كل مرشحيهم، ولولا أن القانون الذي وضعوه يكفل لهم البقاء في الحكم لفقدوا مقاعدهم كلها وركلهم الشعب كلهم عن بكرة أبيهم، فقد سقط الشيوعيون أمام نقابة عمالية غير شيوعية، وذلك لأن الشيوعيين خدعوا العمال، وأوهموهم بأنهم يدافعون عن حقوقهم، فلما تسلموا الحكم ظلموا العمال واستغلوهم، وأكلوا حقوقهم، آفاق العمال فوجدوا أنفسهم كالأنعام السائبة، ليس لهم إلا ما يدخل بطونهم، كما ليس لهم اختيار فيما يدخل بطونهم، لأنهم يأكلون ما يريد الحزب أن يأكلوه حتى لو أضر بصحتهم، ففي كثير من البلدان التي يتحكم فيها الشيوعيون يستوردون للشعب مواد غذائية انتهت مدة صلاحيتها، ومع ذلك يبيعونها للشعب ويرغمونه على أكلها، واستخدموا العمال كآلات صماء لا يعطونهم من جهدهم إلا بقدر ما يشغل هذه الآلات كالآلة التي تفقد قطعة الغيار، وقد يؤدي التسيب والإهمال إلى ترك الآلة يعلوها الصدأ، ويموت العمال من الأمراض وسوء التغذية.

 

الشيوعيون والتعددية:

واليوم شعر الشيوعيون أن الأرض تهتز من تحتهم، وأن سحرهم قد بطل، ولم يعودوا يستطيعون خداع الناس، فقالوا إنهم يسعون الآن إلى التعددية الحزبية، على أن تكون القيادة لهم، وذلك حتى يتغلبوا على المعارضة، وحتى لا يجرفهم طوفان التغيير، ويلاقوا مصيرهم المحتوم

ونلاحظ أن الشيوعيين العرب قد أصابهم الذعر والارتباك من هذه التغييرات، واضطربوا في تصرفاتهم، وبعضهم لا يريد أن يعترف بهزيمة الشيوعية وفشلها، وأخذ يبرر ويدعي أن هذه التغيرات تجري في محيط الشيوعية، وأنه لا تناقض بينها وبين الشيوعية الأصلية، وبعضهم ليس مسوح الرهبان، وحاول أن يقنع الناس أنه طيب السريرة، وأن ثوريته وشيوعيته ويساريته ليست كثورية وشيوعية ويسارية لينيين وستالين، وأنه يكن كل الحب والاحترام والخير للأنظمة المحافظة، وأنه لا يضمر لها سوءًا، وأنه يحترم الأديان والعادات والتقاليد، وأن ما كان يسعى إليه فقط هو أن يتوحد العرب ضد الاستعمار الغربي، وأنه ما دام قد تغيرت الأمور ولم يعد للاستعمار نفوذ كما كان سابقًا، ولم تعد له أطماع فإنهم مستعدون للتعاون مع الغرب، وبعض العرب مغفلون قبلوا منهم هذا المنطق، ولا يدرون أن الغرب هو الذي يسير هؤلاء، وأنه يحتفظ بهم للانقلابات والثورات عند اللزوم، ويستخدمهم عندما يرى أي نظام محافظ يهدد مصلحة اقتصادية له، أو لا يأتمر بأمره، وهؤلاء لا يردعهم شرف ولا دين ولا مروءة ولا أخلاق، فهم على استعداد أن يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته وإذا أتيحت لهم الفرصة سينقضون على ضحاياهم انقضاض الوحوش المفترسة، وحوادث التاريخ قد برهنت على صدق هذا القول، فليعد كل منا بذاكرته لما جرى في التاريخ القريب والبعيد منذ قام لينين بثورته في روسيا، إلى تراقي وحفيظ الله في أفغانستان، کل ثوراتهم قامت على المكر والخداع والخيانة، فهم يخونون أقرب الناس إليهم، ويفتكون بأصدقائهم في سبيل الحكم والسيطرة، ومبدؤهم أن الغاية تبرر الوسيلة، هذه أمور لا يختلف عليها اثنان ولا ينكرها الشيوعيون أنفسهم، وكثيرًا ما نصح الناصحون هؤلاء المغفلين، ولكنهم لم ينتبهوا إلا بعد وقوع الكارثة

 

لا نريد الانتقام

ومحضتهم نصحي بمنعرج اللواء

 فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

 ونحن لا نطالب بالانتقام منهم، ولا نطالب بمعاملتهم كمعاملتهم هم للآخرين، لكن كل ما نطالب به ألا يكونوا في قيادات الشعوب، لأنهم غير مأمونين، ولا يمكنوا من السيطرة على مراكز التوجيه حتى لا يفسدوا عقائد الشباب، ولا تنتشر في المجتمع عقائد الكفر والإلحاد والدعوة إلى الفوضى والعنف، وما يسمونه في مبدئهم بالصراع الطبقي، ونحن نسأل الله لهم الهداية دائمًا، وأن يعودوا إلى دينهم وأمتهم، وأن يتوبوا إلى الله ويكفروا عما ارتكبوه في حق الإسلام، الذي تنكروا له وهاجموا أحكامه، ونفروا منه، وضللوا كثيرًا من الشباب حتى اعتقلوا الشيوعية.

 

العمالة لأمريكا:

وإذا كان كبار اليساريين الآن يتعاونون مع أمريكا بدلًا من روسيا، ويبررون ذلك بأن أمريكا هي التي غيرت من موقفها، فإن الذي يعرفه كل الناس أن أمريكا لم تتغير لا في سياستها ولا في أيدلوجيتها، وإنما هم الذين يتقلبون بين الشرق والغرب، ومن هنا نعرف خطأ ما قاله اليساري القديم يوسف إدريس لمجلة أكتوبر في عددها (٦٥٨) بتاريخ ٣٠ شوال ١٤٠٩ ه. في تبرير حضوره حفل السفير الأمريكي هو ولطفي الخولي والدكتور إسماعيل صبري عبد الله ومحمد حسنين هيكل ومحمد سيد أحمد، تلك الحفلة التي أقامها السفير وحضرها مستشار الأمن القومي الأمريكي وليم كونت.

وكل ما نطلبه من هؤلاء اليساريين أن يكون تقاربهم مع إسلامهم قبل تقاربهم مع أمريكا والغرب، لأن الإسلام هو الضمان الوحيد للثبات على المبدأ، والإيمان به يكون المناعة الحقيقية ضد تقلبات السياسية، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل