; بولارد.. هيلاري.. وبريماكوف | مجلة المجتمع

العنوان بولارد.. هيلاري.. وبريماكوف

الكاتب صفوت جودت

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000

مشاهدات 86

نشر في العدد 1414

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 22-أغسطس-2000

هناك قضية شائكة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هي قضية بولارد وهي من أخطر قضايا التجسس التي تعرضت لها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، وبطلها مواطن أمريكي يهودي هو جوناثان جاي بولارد عمل في الثمانينيات في استخبارات البحرية الأمريكية كمحلل استخبارات، وكان يستطيع بحكم مهمته الوصول إلى معلومات سرية جداً، منها معلومات تخص كيفية التنصت والمراقبة الإلكترونية، وكانت تحت يده كتب علمية وكتب ملخصات حول هذه المعلومات السرية وحول الرموز المختلفة، أي أنه كان شخصاً مهماً جداً لجميع مخابرات الدول الأجنبية التي تريد معرفة المخابرات الإشارية والبثية للولايات المتحدة.

بعد عدة سنوات تبين أن هذا الشخص كان علي صلة بالمخابرات "الإسرائيلية" «موساد» وأنه سرب إليها كمية كبيرة من هذه المعلومات السرية طوال سنوات، كما تبين بعد التحقيقات التي أجريت معه أنه تسلم من الموساد ٥٠ ألف دولار، كما وعد بمبلغ آخر مقداره ٥٤٠ ألف دولار لم يستطع استلامه حيث تم القبض عليه عام ١٩٨٥م وعند محاكمته تبين للمحكمة الضرر الكبير الذي ألحقه هذا الشخص بأمن الولايات المتحدة «لم يتم الإعلان الكامل عن هذه الأضرار لكونها تمس الأمن القومي» وحكم عليه بالحبس مدى الحياة، وهو الآن موجود في سجن مريح جدًا يشبه الفنادق الفخمة.

أما الكيان الصهيوني فلم ينس الخدمة الكبيرة التي أسداها هذا الجاسوس إليه، فحاول منذ ذلك التاريخ وحتى الآن تخفيف الحكم، بل طالب بتسليمه وهذه صفاقة "إسرائيلية"، لأن هذا الشخص ليس مواطناً "إسرائيليًا" بل هو مواطن أمريكي وبذلت جميع الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة منذ ذلك التاريخ كل ما تستطيع لحمل الحكومة الأمريكية على إصدار عفو أو تخفيف الحكم الصادر بحق جاسوسها، وقدمت طلبات الرجاء بل حتى قامت بعمليات مساومة، ومنها أن رئيس الوزراء السابق نتنياهو طرح الموضوع على الرئيس الأمريكي كلينتون كشرط لإنقاذ مباحثات واي ريفر مع الفلسطينيين وقيل آنذاك إن نتنياهو كان يرفض الجلوس مع عرفات على مائدة المفاوضات ما لم تحقق الإدارة الأمريكية له هذا الشرط، فوعد كلينتون بأنه سيستشير رجال القانون وبعد أن أخذ نتنياهو هذا الوعد جلس على مائدة المفاوضات.

كان كلينتون قد رد قبل ذلك مراجعتين "لإسرائيل"، ولكن عندما زادت الضغوط عليه من قبل المؤسسات اليهودية المؤثرة في الولايات المتحدة قام بالتشاور مع أعلى الجهات وطلب منها إبداء وجهات نظرها من جديد ومن تلك الجهات:

١- مكتب التحقيقات الفدرالي F.B.I.

٢- الاستخبارات المركزية الأمريكية C.IA.

٣- وزارة الدفاع.

٤- وزارة الخارجية

٥- وزارة العدل.

وكان كلينتون قد فاتح من قبل رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية «جورج تنت» فعارض الأخير بشدة أي عفو أو تخفيف للحكم الصادر بحق هذا الجاسوس وقال إنه سيقدم استقالته إن تم أي تخفيف للحكم، كما ذكر للرئيس الأمريكي بأن الكادر الإداري للوكالة بأجمعهم ضد أي تخفيف للحكم، كما وقفت وزيرة العدل والخارجية ضد فكرة العفو أو تخفيف الحكم وكانت أجوية الجهات الأخرى كلها الرفض أيضاً مما قوى مركز الرئيس الأمريكي أمام الضغوط التي تعرض لها من قبل الكيان الصهيوني ومن قبل المؤسسات اليهودية في الداخل.

ليس هذا فقط بل كتب ثلاثة من الرؤساء السابقين لمخابرات القيادة البحرية مقالات في جريدة «واشنطن بوست» ذكروا فيها أن العفو عن هذا الجاسوس أو حتى تخفيف الحكم الصادر بحقه سيضر بالأمن القومي الأمريكي ويجرح شعور الرأي العام، كما أرسل ستون سيناتورًا مذكرة إلى الرئيس كلينتون يطلبون فيها عدم القيام بأي خطوة في طريق العفو أو تخفيض الحكم.

ولكن جماعات الضغط اليهودية ذات التأثير القوي في الساحة السياسية والاقتصادية والإعلامية لم تيأس ولم تلق السلاح بل تابعت ضغوطها ونشاطها، كما قام رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إيهود باراك بفتح موضوع بولارد من جديد مع الرئيس الأمريكي.

وقامت الأوساط اليهودية بالاستعانة بأقوى الحقوقيين وأشهر المحامين الأمريكيين في حملة ضغط في صالح هذا الجاسوس، وبدأ هؤلاء إثارة الموضوع من جديد في مقالات كتبوها في الصحف الأمريكية ونشرت واشنطن بوست في 2/1/1999 م مقالة اشترك في كتابتها ألان درشووتز، وإرون كوثلر، وكينيث لاسون وهم من الحقوقيين المعروفين وأنجلو كودفيللا وهو أستاذ ومستشار في هيئة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي، وركزت هذه المقالة على أمور منها أن بولارد لم يحاكم بتهمة خيانة الوطن وأنه لم يكن ينوي إلحاق الضرر بالولايات المتحدة عن قصد.

وانتهزت الأوساط اليهودية ترشيح هيلاري قرينة الرئيس الأمريكي نفسها لمجلس الشيوخ عن مدينة نيويورك لكي تقوم بابتزازها وتهديدها بأنها إن لم تبذل مساعيها لإقناع زوجها بالعفو عن بولارد أو في الأقل تخفيض الحكم الصادر عليه، فإن الأصوات ستذهب إلى منافسها.

ولكي نعرف مدى الضرر الذي الحقه هذا الجاسوس اليهودي ببلده نقول إن الكيان الصهيوني قام بتسريب بعض هذه المعلومات العلمية السرية جدا إلى الاتحاد السوفييتي قبل انهياره مقابل السماح لليهود الروس بالهجرة إلى فلسطين المحتلة، أي أن الكيان الصهيوني طعن أقوى حليف له في ظهره.. هذا الحليف الذي يدين له بوجوده ويستمد منه العون في جميع المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، والشيء الخطير بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن هذه المعلومات الخطيرة المسروقة لم تبق عند دولة حليفة للولايات المتحدة بل أصبحت عند أقوى منافس لها وهو الاتحاد السوفييتي آنذاك. وقد كتب الباحث والصحفي الأمريكي المعروف سايمور هرش بحثاً مطولاً ودقيقاً في مجلة نيويوركر أشار فيه إلى أن الأضرار التي الحقت بالمخابرات الأمريكية نتيجة عملية «بولارد» تفوق بكثير الأضرار المعلنة.

كما ألف كتاباً تحت عنوان «اختيار شمشون: "إسرائيل"، أمريكا، والقنبلة» أورد فيه معلومات مطولة ودقيقة حول الموضوع منها: أن المعلومات الاستخبارية التي سرقت من الولايات المتحدة كانت تسلم إلى «بيريماكوف» الذي كان يعمل آنذاك خبيراً في شؤون الشرق الأوسط في وزارة خارجية الاتحاد السوفييتي، ثم أصبح رئيسًا لوزراء روسيا، ولعلنا نذكر أن بريماكوف لم يلق تشجيعاً أمريكياً على ترشيحه لمنصب الرئاسة في روسيا، وأنه أعلن انسحابه من السباق عقب لقاء له مع وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في موسكو.. وبذلك افتتح الطريق أمام بوتين، ترى هل كانت الولايات المتحدة تعاقب بريماكوف على دوره في عملية التجسس، وإذا كان ذلك صحيحاً فماذا عن زعيم العصابة.. الكيان الصهيوني - لماذا لم يعاقب؟!

الرابط المختصر :