العنوان إصدارات مختارة: بنية العقل الأمريكي
الكاتب عصام عبدالرحمن
تاريخ النشر الجمعة 06-أغسطس-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1612
نشر في الصفحة 52
الجمعة 06-أغسطس-2004
أحداث 11 سبتمبر .. نقطة كاشفة وليست منشئة للسياسة الأمريكية المتطرفة تجاه
العالم الإسلامي
بعد 11 سبتمبر أصبح الإسلام يجري على كل لسان.. وتلك فرصة للتمكين للوجود الإسلامي والمشاركة في صنع القرار الأمريكي
التفسير الخاطئ للمسيحية يلعب دورًا متزايدًا لإفراز متطرفين.. واليمين المسيحي يتلاعب بالعقل الأمريكي
إلى أين تذهب السياسة الأمريكية في ظل إدارة اليمين الجديد صاحب الخلفيات الدينية الأكثر تشددًا في الساحة الأمريكية والتي تبذل نشاطًا ملحوظًا في إقامة إمبراطورية أمريكية تسود العالم؟ وهل يفسر سياق الهيمنة على العالم في ظل هذه الإدارة مبررات الحروب التي تشنها الولايات المتحدة الآن؟ وبخاصة إذا تلاقى ذلك مع أهداف أخرى أهمها إجهاض مشروع القوة الأوروبية بين فرنسا وألمانيا وتصفية الجيوب السوفييتية السابقة والسيطرة على مصادر الطاقة في العالم وقبل كل ذلك أنها تأتي في إطار العلاقة والدعم الكبيرين للكيان الصهيوني، فالبترول وإن كان الهدف الأول إلا أن العلاقات الاستراتيجية بين الكيان، وأمريكا تحتم على الإدارة الأمريكية الآن إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية لصالح إسرائيل، واستئصال جذور المقاومة العربية.
إجابات الأسئلة السابقة هي موضوع الكتاب الذي صدر مؤخرًا عن مركز دراسات قناة النيل الثقافية وقام بإعداده ١٤ أستاذًا في العلوم السياسية بالجامعات المصرية ومجموعة من الباحثين السياسيين بمركز الدراسات السياسية والثقافية المصري.
صناعة الوعي الأمريكي
تناول الفصل الأول من الكتاب المقارنة بين الفتوحات الإسلامية واكتشاف الولايات المتحدة وأن ذلك يعتبر أمرًا يشوبه القصور الفكري لأن الفتوحات الإسلامية في رمتها قصدت بشرًا يسكنون أرضًا ولم تقصد أرضًا ليسكنها المسلمون كما هو الحال في اكتشاف أمريكا، وأن الفاتح الإسلامي يقصد معلومًا يعرفه ويستعد له بقدر المعلومات المتوافرة عنه وهو متحكم تمامًا في درجة العنف تجاه المقصد، لكن بالنسبة لاكتشاف أمريكا فالقاصدون كانوا يتجهون إلى أرض مجهولة (وليس لديهم أي معلومات عن مقصدهم) الأمر الذي غرس في الشخصية الأمريكية التجهم ورد الفعل المبالغ فيه والعنف لمواجهة المصير المجهول وأن هذه الصفات تفسر خوض الولايات المتحدة ١٤٠ حربًا وتدخلًا عسكريًا خلال ١٨٠ عامًا وهو رقم قياسي في تاريخ كل الأمم رفع نصيب الولايات المتحدة إلى ٣٦٪ من إجمالي الإنفاق العسكري في العالم، وهي نسبة تعادل الميزانيات المدفوعة للدول التسع الكبرى التي تلي أمريكا وقدرت النسبة بحوالي ٤٠٠ مليار دولار عام ٢٠٠٣.
ناقش الكتاب في فصله الرابع قضايا فلسفة المجتمع الأمريكي، وأكد أن الأمريكيين لا يثقون بالنظريات ويعلقون أهمية على الأفكار فقط عندما تحل مشكلات محددة، لذلك فالسياسي الناجح عندهم هو من يقدم أفكارًا عملية أو يطبق أفكارًا سياسية نافعة والأمريكي لا يهتم إلا بما يمثل له مصلحة وهو يصادق ويشارك ويعادي من له مصلحة معهم، دون ما اعتبار لاتفاقه أو اختلافه معهم في المثل والقيم الأخلاقية، فأمريكا على استعداد دائم لحماية نظم عميلة ودكتاتورية كما حدث في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، لأن لها مصلحة معها بالرغم من ادعائها تشجيع الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان.
أوضح المؤلفون في الفصل الخامس أن صنع القرار السياسي الأمريكي مرهون بهيمنة أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي (اللوبي) على الفئة التي لها حق صناعته بحكم صلاحياتها الدستورية والقانونية.. وأشارت الدراسة إلى أن اللوبي اليهودي لا يقتصر على اليهود الأمريكيين إنما استطاع تجنيد بعض المنتمين لليمين البروتستانتي للقيام بدور مهم في نشاط اللوبي وخدمة أهدافه وأن هذا اللوبي يعتمد على ثلاثة ركائز أساسية في عمله هي: تمويل الحملات الانتخابية وزرع أصدقاء «إسرائيل» في مواقع صنع القرار، واستخدام السطوة الإعلامية والغريب هنا أن هذا اللوبي لا يعتمد كثيرًا على أصوات اليهود لأن عددهم لا يزيد على 2٪ من الناخبين الأمريكيين.
مبادئ السياسة الأمريكية
رصد المؤلفون في الفصل السادس أهم المبادئ الأساسية التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية منذ إعلان الاستقلال وحددوها في ثمانية مبادئ:
أولها الحرية المسماة الاستثنائية وتشكل مفهومها في اعتقاد المهاجرين أن بلدهم قدر له أن يكون مختلفًا وأفضل من البلاد الأخرى في التمتع بالحرية.
وثانيها الانعزالية ويسميها البعض الأحادية وهي صفة مدح وذم في نفس الوقت اعتمادًا على موقفك المبدئي تجاه الولايات المتحدة وقد ساعد الولايات المتحدة على اتباع هذه السياسة أنها نجحت في فترة قصيرة في تكوين قوة كافية لرد الأطماع الأوربية..
وثالثها مبدأ مونرو الملخص في أنه إذا كان للولايات المتحدة أن تعزل نفسها عن صراعات القارة الأوروبية ومشكلاتها المزمنة فإن عليها أن تمنع القوى الأوروبية من القدوم إليها.
والمبدأ الرابع هو التوسعية، ويمكن إرجاع تشكيل هذا المفهوم إلى اعتبار مواطني الولايات المتحدة الحواجز والقيود على التوسع هجوماً على حريتهم لا يمكن التسامح فيه.
المبدأ الخامس هو الإمبريالية باعتبار أن الولايات المتحدة بعد عام ١٨٩٨ أصبحت قوة استعمارية، وساعد على تهيئة الولايات المتحدة كدولة إمبريالية عالمية اعتقاد البروتستانت أن الرب هيأ الولايات المتحدة لتكون قوة عالمية.
المبدأ السادس هو مبدأ ولسون وهو مبدأ المشاركة العالمية، بمعنى أن الأمريكيين مشاركون سواء أرادوا أم لم يريدوا في حياة العالم، ومصالح الأمم كلها هي مصالح الأمريكيين أيضًا، فهم شركاء مع الباقين.
والمبدأ السابع هو مبدأ الاحتواء الذي دعمه وجود عدو ماثل خلال النصف الأخير من القرن العشرين وهو الاتحاد السوفييتي وقد استبدل بهذا العدو العالم الإسلامي.
والمبدأ الثامن والأخير هو مبدأ تحسين العالم وهذا المبدأ يعني المحاولة الدائبة لتحويل الثقافات الأجنبية وإخضاعها للنموذج الأنجلوسكسوني، وكانت هذه الفكرة غطاء لحروب الولايات المتحدة في فيتنام وما بعدها من حروب.
الصانع الخفي للعقل الأمريكي
إن التفسير الخاطئ للمسيحية يلعب دورًا متزايدًا في أمريكا في إفراز متطرفين أكثر تطرفًا بمراحل متعددة من أصحاب التفسير الخاطئ للإسلام وأن المتطرفين المسلمين معتدلون بالقياس للمتطرفين المسيحيين الأمريكيين، فاليمين المسيحي الأمريكي ضد الأجانب وضد المرأة وضد مشروعات الرعاية المتكاملة للفقراء وهو يستغل ميل العقل الأمريكي إلى التبسيط فيتلاعب به مصورًا له الحرية أنها حرية امتلاك السلاح وحرية استخدامه وحرية السوق حرية مطلقة ولو أدى ذلك إلى تدمير البيئة والصحة العامة والحرية عند هؤلاء بلا حدود حتى لو أدت إلى خدش الحياء، كما أن مفهوم الحرية لديهم يعنى أيضًا حرية أمريكا في أن تحكم العالم، هذا التفسير أوجد عفنًا في بؤرة الأخلاق الأمريكية وهو العفن الذي يمكن أن يحدث انهيارًا شاملًا للمجتمع الأمريكي.
وفي محاولتها لكشف روابط علاقة اللوبي اليهودي باليمين المسيحي الأمريكي أشارت الدراسة إلى أن المهاجرين الأمريكيين الجدد كانوا متأثرين باليهودية تأثرًا مركبًا لاهوتيًا وتاريخيًا وسياسيًا وكتابيًا، وهو ما أفرز صيغة تعايش بين البروتستانتية واليهودية بقيت إلى الآن وبالذات في الاتجاهات الأصولية وهو ما عبر عنه بعبرنة المسيحية في أمريكا.
بنية العلم الأمريكي
وتحت عنوان بنية العلم الأمريكي ذكر المؤلفون في الفصل الثامن أنه يوجد داخل الولايات المتحدة ١٥٠٠ مركز بحثي ٨٥٪ منها مستقلة عن القطاع العام والميزانية السنوية لأشهر ٨٥ مركزًا بحثيًا، هي 1.2 بليون دولار سنويًا وتعتمد هذه المراكز البحثية في تمويلها على المؤسسات الخيرية بشكل كبير، ونظرًا لهذه العلاقة بين المراكز البحثية والمؤسسات الخيرية فإنه من الصعب فهم الدور الذي تقوم به هذه المراكز دون فهم مكانة ودور المؤسسات الخيرية في الحياة الأمريكية.
وأكد المؤلفون أن الشعب الأمريكي في غالبيته العظمى مقود بأجهزة الإعلام ويستقى ثقافته من هذه الوسائل، وأن اليهود نجحوا في قيادة هذا الشعب من خلال سيطرتهم على وسائل الإعلام، نلمس ذلك من خلال التغطية الإعلامية للقضية الفلسطينية.
وأوضح المؤلفون أن دخول الإسلام أمريكا بدأ مع كولومبس نفسه حيث استخدم خريطة كان قد رسمها الإدريسي العالم الجغرافي المسلم المعروف، ولم يستطع كولومبس استخدام تلك الخريطة إلا من خلال بحارة عرب مسلمين كانوا معه وساعدوه في دخول تلك البلاد وأن ما يقرب من ٣٠٪ من الأفارقة الأمريكيين الذين جيء بهم إلى أمريكا كانوا من المسلمين إلا أن كثيرًا من هؤلاء أجبروا على اعتناق المسيحية وترك الإسلام كما أن الجاليات الإسلامية والعربية في الولايات المتحدة تشكل الآن قوة اقتصادية وعلمية كبيرة في 30٪ منهم يفوق دخله ٧٥ ألف دولار سنويًا و ٤٨٪ منهم حاصلون على شهادات جامعية ومعظمهم من خبراء الاقتصاد وأساتذة الجامعات والأطباء ورجال الأعمال و 4٪ من الجيش الأمريكي مسلمون و 1٪ من الضباط مسلمون أيضًا.
وأكد المؤلفون أنه من الخطأ اعتبار أحداث 11 سبتمبر المنشأ الأساسي لهذه السياسة الأمريكية المتطرفة تجاه العالم الإسلامي فهي لا تعدو كونها نقطة كاشفة لهذه السياسة، فاليمين المسيحي الأمريكي المتطرف اعتمد استراتيجية استحضار الإسلام ليكون العدو الأيديولوجي الجديد مع نهاية الحرب الباردة.
وخلص المؤلفون إلى أن اسم الإسلام الآن يجري على كل لسان في أمريكا وهي فرصة لتمكين الوجود الإسلامي كمكون أصيل وهاد في قلب التعددية الأمريكية وقد يشارك في صنع القرار بما يؤثر على تعامل الأمريكي مع العرب والمسلمين في العالم.
من القوة المطلقة إلى الانهيار
وفي فصل من أهم فصول الكتاب تحدث المؤلفون عن سيناريوهات انهيار الولايات المتحدة الوشيك الذي لا تمنعه كل مظاهر القوة التي يتمتع بها هذا البلد الآن، وأن وجود ما يسمى بجماعة القرن الأمريكي الجديد من المحافظين الجدد في الحكم واعتماد هذه الجماعة سياسيًا على أقصى نظريات القوة تطرفًا فيما سمي بالحرب الجديدة على الإرهاب هو الفصل الأول من الانهيار: لما يشمله ذلك من تجسيد للمقولة المعروفة، أن الاعتماد على القوة فقط يفسد، والقوة المطلقة مفسدة مطلقة، وهذا ما حدث مع الإدارة الأمريكية الآن فالتطرف في الاعتماد على القوة المسلحة بشكل أساسي كأداة من أدوات الدبلوماسية دفع هذه الإدارة في رد فعلها على أحداث 11 سبتمبر إلى تبني مفاهيم الاستباقية الوقائية وأحادية التحرك خارج إطار الشرعية الدولية إذا تطلب الأمر، وإدامة وجود قوات أمريكية عسكرية ضخمة مترامية وهذا أدى أيضًا إلى هروب المستثمر الأجنبي إلى أسواق أكثر تفرغًا وترحيبًا به.
المؤلفون: د. عاصم الدسوقي
د. طلعت عبد الحميد –
د. منار الشوريجي وآخرون
الناشر: مركز دراسات قناة النيل الثقافية - عدد الصفحات: ٤٣٦ صفحة من القطع الكبير