العنوان بلغاريا: المسلمون يحسمون معركة الرئاسة في الانتخابات البلغارية
الكاتب يوسف العثمان
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 116
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
أسدل الستار في الثالث من نوفمبر الحالي على فصول معركة محمومة، تنافس فيها تياران رئيسان «التحالف الاشتراكي والتحالف الديمقراطي» على منصب رئاسة الدولة البلغارية، فاز فيها مرشح التحالف الديمقراطي؛ ليرفع بهذا الفوز -ومن جديد- الستار على معركة أهم وأشد وأعقد.
ولكي لا يكون مقالي مبتوتًا عن أصل، لذا فلسوف أقيم دعائمه على مقالي السابق بمجلة المجتمع العدد (۱۲۰۷)، والذي لخصت فيه مجمل هذا الصراع على الساحة السياسية بأنه «صراع من أجل البقاء» وهكذا هو!!.
ولعل أبرز ما يهمنا في حلقات هذا المسلسل إضافة لعالمية المعرفة التي تطرحها المجتمع لقرائها بمنظور إسلامي موثوق- هو دور المسلمين فيها والآثار المترتبة على نتائجها سلبًا أو إيجابًا.
النتائج:
لقد أسفر الدور الثاني من انتخابات الرئاسة في ٢/١١/١٩٩٦م عن فوز مرشح التحالف الديمقراطي -الذي تشكل حركة الحقوق والحريات أحد أركانه- المحامي بيتر ستويانوف الذي حصل على (٥٩٧٣) من إجمالي الأصوات، متفوقًا على منافسه المرشح الاشتراكي الذي حقق هذه المرة (٤٠٢٧) من أصوات الناخبين بعد أن فشل الطرفان في حسم المعركة من الدور الأول (٢٧/١٠/١٩٩٦م) والتي تنافس فيها (١٣) مرشحًا.
وبقراءة سريعة للنتائج النهائية للدورين الأول والثاني يتضح أن:
أولًا- نسبة (٤٠%) من مجموع الذين يحق لهم الانتخاب والبالغ عددهم (6800000) تقريبًا قد عزفوا عن المشاركة في هذه الانتخابات، وهو ما اعتبره المراقبون تعبيرًا عن الامتعاض الذي يشعر به قطاع كبير من الشعب تجاه الأحزاب السياسية إجمالًا، والقناعة التي وصلوا إليها من أن مشاركتهم لن تغير شيئًا من الحال السيئ الذي يعيشونه.
ثانيًا- نسبة المشاركة في الدور الثاني انخفضت في أغلب المناطق البلغارية (١٠) عنها في الدور الأول، وأن مشاركة المناطق الجنوبية «المسلمة» ذات الأصول التركية تحديدًا كانت وراء ارتفاع نسبة المشاركة في الدور الثاني إلى (٦٠%) هذا هو ما أكدته مؤسسة MBMD الاستطلاعية التي شاركت إلى جانب مؤسسات أخرى بصفة مستقلة في متابعة وتحليل واستقراء نتائج الدورين.
أما «ينال لطفي» نائب أحمد دوغان -رئيس حركة الحقوق والحريات- فقد صرح عشية الانتخابات ٢/١١/١٩٩٦م أمام الصحفيين أن نسبة (٩٩%) من منطقة جبال الردوبي الشرقية والغربية «تلميحًا عن المسلمين» قد صوتت لستويانوف هاتان الإشارتان جاتا لتؤكدا أن أصوات المسلمين كانت عاملًا هامًا وأساسيًا في رفع نسبة ستويانوف واتساع الفارق بينه وبين منافسه، فضلًا عن فوزه ليعيد التاريخ نفسه، فأصوات المسلمين كانت أيضًا وراء فوز الرئيس الحالي جيليو جيليف على منافسه الاشتراكي في انتخابات ١٩٩٢م.
الآثار:
كان لهزيمة الحزب الاشتراكي في هذه الجولة انعكاسات سلبية عليه داخليًا في تماسك أجزائه وتياراته المتنوعة، وخارجيًا أمام المجتمع الأوروبي، فإحجام (٤٠%) عن المشاركة في الانتخابات، وتصويت (59%) لصالح الديمقراطية، كانت بمثابة استفتاء ضد الحكومة الحالية وبرنامجها الاقتصادي على وجه التحديد، ولهذا فمسارعة اللجنة المركزية للحزب (١١/١١/۱٩٩٦م)، لتدارس أسباب خسارته وتراجع شعبيته «۸۰۰ ألف صوت» وسبل الخروج من الأزمة يطرح عدة احتمالات، أهمها إما تغيير وزاري، أو تغيير الحكومة، والإتيان بحكومة جديدة لتحسين الصورة وإعادة الثقة فيه، أو الهروب الانتحاري لانتخابات برلمانية جديدة، أو انقسامه على نفسه، في كل الأحوال فإن هذه الخسارة تعد بداية -كما يبدو- لنهاية هيمنته وقوته وحكمه.
بينما يرى التحالف الديمقراطي أن النسبة التي حصل عليها مرشحه كافية للدلالة على فشل الحكومة الاشتراكية، ووجوب انتقال دفة الحكم له عبر انتخابات برلمانية، وهو في الأساس الذي عمل التحالف من أجله، واجتمع لتحقيقه عن طريق الفوز بمنصب الرئاسة كخطوة على الطريق.
ولعل الفارق في الأصوات بين المرشحين كان السبب الذي أغرى التحالف بالإسراع في البحث عن السبل الكفيلة لتعجيل موعد الانتخابات، فالفارق في انتخابات ١٩٩٤م، التي حقق فيها الحزب الاشتراكي الأغلبية البرلمانية بينه وبين أحزاب التحالف الحالي كانت (١.٥%)، أما الفارق الآن فهو (١٩%)لصالح التحالف الديمقراطي.
ورغم أن حركة الحقوق والحريات هي أحد أركان التحالف فإن هذا الفوز (بفضل المسلمين) رفع من أسهمها السياسية، كما أكد أهميتها الترجيحية بين أطراف الصراع، ومن جهة أخرى ثبت موقع رئيس الحركة أحمد دوغان بعدما بدأت قوائم كرسيه تهتز أمام معارضة تيار الشباب «غونير طاهر، يوجيل أتيلا» مدعومًا من كوادر الحركة ومن خارجها من تركيا، وهو التيار الرافض لتفرد دوغان بالسلطة على المذهب الديكتاتوري والمطالب بإقصاء مساعديه من فئة الشيوخ ذوي الماضي المشبوه، وأيضًا اتخاذ مواقف واضحة وصريحة عند الدخول في تحالفات مع هذه الجهة، أو تلك بما يعود على الحركة وعموم ناخبيها بالفائدة، لا لمجرد دواعي وأهداف شخصية محدودة.
ولعله من السابق لأوانه التنبؤ بما تحمله الأيام القادمة من خير أو شر على الحركة، إلا أن الخبر اليقين سيتأكد بعد المؤتمر العام المزمع عقده في نهاية شهر نوفمبر الحالي، والذي يهدف إلى وضع النقاط على الحروف، وتحديد أبجديات الحركة وخطتها القادمة.
دور المسلمين
المسلمون بمشاركتهم في تحقيق الفوز لصالح المعارضة الديمقراطية ودورهم المرتقب قبل وأثناء الانتخابات البرلمانية التي يسعى للتعجيل بها للإجهاز -كما يخطط- على البقية الأهم من سلطات الحكومة الاشتراكية- يفتح أبواب التوقعات على مصراعيها:
1 - أن تتوتر العلاقة في الفترة المقبلة بين الحزب الاشتراكي، والمسلمين.
2- أن تعمل الحكومة الجديدة أو التغيير الوزاري الجديد على تحسين العلاقة مع المسلمين وتجميل صورته في أعينهم لتحييد دورهم على الأقل في الفترة المقبلة «وهذا صعب المنال».
3-أن تستخدم الورقة القومية والدينية لخلط الأوراق داخل البلاد والاضطرار ظاهريًا لفرض حالة الطوارئ وتجميد الانتخابات، وبالرغم من ضعف هذا الاحتمال في جو أوروبي معارض تمامًا لمثل هذه الحلول، إلا أن ما يقويه الأزمة الداخلية التي يعاني منها الحزب الاشتراكي، والمصير المؤسف الذي ينتظره.
أما التحالف الديمقراطي فمن جهته، وبعد أن تأكد من أن مشاركة المسلمين لن تضمن له الفوز فقط في الانتخابات البرلمانية المرتقبة، وإنما ستمكنه من تحقيق الأغلبية البرلمانية المطلقة مما سيسهل عليه إدارة دفة الحكم دون معوقات، كما سيبرز حجم التأييد الشعبي الذي يلقاه أمام المجتمع الدولي، فضلًا عن المشاركة الفعالة التي يتوقعها التحالف من المسلمين إذا اضطر لاستخدام المظاهرات والإضرابات العامة، وشل حركة البلاد لاستسراع عملية التغيير، وإيجاد مبرر للرئيس «ستويانوف» الذي سیستلم مهامه في ٢٢/۱/١٩٩٧م لفض البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة، من أجل كل هذه المكاسب سيعمل التحالف الديمقراطي جاهدًا على استرضاء المسلمين على الأقل في ضمان حقوقهم وحرياتهم الدينية قبل كل شيء.
المسلمون من جانبهم وإن كانت تنطبق عليهم مقولة أول من يتضرر وآخر من يستفيد، إلا أنه لم يعد هناك ما يخشونه أو يحزنون لفقدانه؛ فلم يترك لهم الحزب الاشتراكي بديلًا آخر سوى البحث عن أي وسيلة لتغيير الوضع الذي يعيشونه، فبعد (٤٥) عامًا من حكم الحديد والنار كحزب شيوعي، بدأ عهده الجديد بوجهه الاشتراكي في ١/١٩٩٥م بنهج صدامي شمل كافة حياة المسلمين وحقوقهم وحرياتهم، وأشد ما يواجهه المسلمون اليوم البطالة المتفشية بين حوالي (٩٠%) منهم، والفقر الذي بدأ يدب فيهم شيئًا فشيئًا، ثم دعم الاشتراكيين -غير القانوني والاستفزازي- لرئيس مجلس الشورى الحالي نديم غينتشيف الذي يبغض المسلمون سماع اسمه لمشاركته الفعالة في عملية تغيير الأسماء والتهجير عام ١٩٨٤م، ولأعماله الحالية المتوجة باستغلال الأوقاف الإسلامية لمصلحته الشخصية، ومحاربته لأي نشاط أو جهد ديني في الوقت الذي يغض فيه الطرف تمامًا عن التنصير الجاري بين المسلمين.
والسؤال الذي يحير المراقبين أن غينتشيف لم ينجح البتة، لا في تحجيم حركة الحقوق والحريات عن طريق دار الإفتاء، ولا عن طريق حزبه الذي شكله لهذا الغرض (١٩٩٤م) باسم حزب العدالة الديمقراطية الذي طبلت وزمرت له بعض الجهات الخيرية «للأسف»، ولا في تحقيق أي مكاسب للحزب الاشتراكي في أوساط المسلمين، بل العكس هو الأصح، إذن ما الهدف من الإبقاء عليه وما دوره الحقيقي؟ ومن يدعمه ومن يزكيه للهيئات والشخصيات الإسلامية؟ وإذا لم تعمل الحكومة الجديدة على تغييره فعمره من عمر الاشتراكية التي بدأت نهايتها؛ لأن رأسه سيكون -قطعًا- أول هدية سيهديها التحالف الديمقراطي للمسلمين عند فوزه.
وعلى الصعيد الخارجي فبالرغم من علامات الارتياح التي بدت واضحة على الوجه الغربي «الأمريكي والأوروبي» في تغطيتها الإعلامية للانتخابات وتحليل للنتائج النهائية، إلا أن دور المسلمين الهام والرئيسي في ظل التغير الديموجرافي لصالحه على المدى البعيد يجعلهم رهانًا لتثبيت دعائم الديمقراطية في البلاد، أو لتحسين العلاقة مع الجارة تركيا السعيدة جدًا بهذا الفوز، فأيضًا كورقة تفجيرية يتم استخدامها عند الضرورة من أحد الأطراف المتنافسة وذات المصالح المتضاربة لتعطيل خطط الطرف الآخر، أو لتقويض أهدافه في المنطقة، فشد الحبل مستمر ومتزايد بين القطب الأمريكي، والقطب الأوروبي، وبين الناتو، وروسيا، والبلقان ككل على فوهة بركان متى وكيف سينفجر؟ الله أعلم.