; بلا حدود: رسالة.. من تحت أنقاض جورازدي | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: رسالة.. من تحت أنقاض جورازدي

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994

مشاهدات 89

نشر في العدد 1099

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 10-مايو-1994

أخذتني هذه الرسالة فور وصولها عبر جهاز الفاكس من مدينة جورازدي المسلمة المحاصرة في شرق البوسنة من بين الملفات والأوراق التي كنت غارقاً فيها لاستخراج المادة المتعلقة بموضوع هذا الأسبوع، فقد فاحت رائحة الخيانة والغدر لقوات الأمم المتحدة من بين السطور، كما فاحت رائحة الدمار وبكاء الثكالى وصراخ الأطفال وأنين الجرحى من بين الكلمات.

وأهمية الرسالة ليست في أنها كتبت من جورازدي فحسب، ولكن لأن الذي كتبها هو العقيد فريد بولو باسيتش القائد العام لقوات الجيش البوسني المسلم في إقليم جورازدي، وكان قد رفعها إلى القائد العام للقوات المسلحة المسلمة في البوسنة، ونظراً لأهمية الرسالة وما ورد فيها؛ خاصة دور الأمم المتحدة فيما يدور من جرائم ضد مسلمي البوسنة، وأنها لم تنشر -على حد علمي- في الصحف أو وسائل الإعلام؛ حيث وصلتني عن طريق أحد مساعدي الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش، فإني أنشرها كما جاءت، وها هو نص الرسالة كما جاءتني قبل أيام:

«لم يتغير شيء في جورازدي مع انتهاء المهلة التي حددها حلف الأطلسي لانسحاب القوات الصربية المعتدية في 27 أبريل الماضي، ومن جانبهم لم يحترم الصرب شرطاً من شروط حلف الأطلسي، ولم يسحبوا الأسلحة الثقيلة خارج نطاق ثلاثة كيلومترات، لقد تم سحب بعض الأسلحة الثقيلة، ولكن لا يعلم أحد إلى أين ولكنها بالتأكيد داخل نطاق ثلاثة كيلومترات، وقد عمت الفوضى مدينة جورازدي بعد مجيء قوات الأمم المتحدة، إنها أشبه بالقطيع، تظهر بدون انضباط وتنسيق، تتردد في عمل أي شيء، وفي كل حركتهم يظهرون العداوة الصريحة لنا والانحياز إلى جانب العدو الصربي، من لحظة وصولهم إلى جورازدي طوال اليوم يرجون الصرب أن ينسحبوا، ويعاملونهم معاملة الأصدقاء الأوفياء، ولكن مع غروب الشمس يعود العدو الصربي إلى مواقعه نفسها أو أقرب إلى المدينة، لتبدأ قوات الأمم المتحدة برجاء جديد مع صباح جديد.

وبدلاً من انسحاب الصرب شرعت قواتهم المجرمة في إسكان النساء والشيوخ الصرب في القرى المجاورة للمدينة داخل نطاق ثلاثة كيلومترات.. فقد أسكنوا نحو 200 امرأة وطفل في قرى «زوبشيشي» و«كرسنيسه» و«باشسي» المسلمة الواقعة على الضفة الأخرى لنهر «درينا»، ومكنت قوات الأمم المتحدة بعض «القوات الصربية» من دخول هذه القرى المسلمة، وبررت ذلك بأن هذه ليست قوات صربية إنما هي «شرطة صربية» لحماية المدنيين الصرب.

هكذا مكنت قوات الأمم المتحدة قوات المعتدي الصربي من الاقتراب إلى المدينة أكثر بدلاً من إخراجهم خارج ثلاثة كيلومترات، هذه هي ألاعيب غريبة لقوات الأمم المتحدة، ولا أظنهم جاءوا إلا لتسهيل مهمة دخول الصرب إلى المدينة تحت ستار «مدني وإغاثي»، وتهريب معلومات عسكرية عن عددنا وتسليحنا وقوتنا في «جورازدي» فهم لم يحترموا اتفاقية واحدة أبرمناها معهم حتى الآن، وغالباً يعملون بعكس ما نتفق عليه، ومن جهة أخرى يقضون ساعات في المفاوضات مع المعتدي الصربي ويوافقون على جميع شروطه، وينتظرون منهم أن ينسحبوا متى يروق لهم، ويتركونهم يفعلوا كل ما يخطر على بالهم.

قدمنا عدة احتجاجات رسمية لقائد قوات الأمم المتحدة الجنرال «مايكل روز»، وأخبرناه عن كل تصرفات قواته الموجودة هنا، وكان الجنرال «مايكل روز» قد وصل إلى جورازدي في 29 أبريل الماضي الساعة الثالثة عصراً، تحدث معي ومع القيادة العسكرية المسلحة ثلاث دقائق فقط، ثم مر مسرعاً في عربته في المدينة من غير أن يرى شيئاً، إنه لم يتكرم بالاستماع إلى شكوانا على أعمال وتصرفات قوات الأمم المتحدة، وخاصة احتجاجنا على إجلائهم لمن بقي من الصرب المدنيين في جورازدي، وجلب الصرب وإسكانهم في القرى المسلمة الواقعة على أطراف المدينة، قال: إن ما نقوله غير موضوعي، ولا يستند إلى دليل، وعندما أردنا تقديم الأدلة، وطلبنا منه زيارة القرى المذكورة، قطع الحديث وقال: إنه سيقطع جميع الاتصالات معنا حتى أقدم له اعتذاراً رسمياً، ثم ذهب وأمضى ساعات في المفاوضات مع المعتدي الصربي.

وبعد ذلك خرج بتصريحه الذي هو من أغرب ما رأيناه من الانحياز الكامل إلى جانب القتلة والمعتدين الصرب؛ حيث قال: إن الدمار لم يصب المدينة بقدر ما صورته وسائل الإعلام التي بالغت في حجم الخسائر المادية وأرقام القتلى والجرحى، كما اتهمنا بالتراجع المقصود أمام 12 ألف جندي صربي مسلح بأحدث أسلحة وأكثر من 60 دبابة ومئات المدافع الثقيلة ومدافع الهاون وراجمات الصواريخ، من أجل التمويه على قوات الأمم المتحدة لتحارب الصرب بدلاً منا، لم يكن يكفيه أن 70 ألف مدني محاصر أكثر من سنة قاوموا الجوع والعطش، ودافعوا عن المدينة بأجسادهم وأسلحة بدائية، وأن القتلى على مدى ثلاثة أسابيع زادوا على ألف قتيل، وأن عدد الجرحى بلغ ثلاثة آلاف أكثرهم من الأطفال والنساء والمسنين كما رأى ذلك بأم عينيه أثناء إجلائهم بطائرات الأمم المتحدة.

ومن جانبه يرفض ضابط الاتصالات في قوات الأمم المتحدة في جورازدي تقديم أي خدمة أو مساعدة لنا أو للمدنيين، ولا بد أن أقول: إن قوات الأمم المتحدة تفعل بنا كل ما عجز عنه الصرب».

انتهت رسالة العقيد فريد بولو باسيتش القائد العام لقوات الجيش البوسني المسلم في إقليم جورازدي، وليس لدي تعليق على ما ورد فيها سوى أنها صفحة جديدة تُضم إلى صفحات الملف الأسود لقوات الأمم المتحدة في البوسنة والهرسك، كما أنها إدانة لنا جميعاً نحن المسلمين، ورحم الله المعتصم، أما أنتم فلكم الله.. لكم الله يا مسلمي البوسنة.

.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8