; بلا حدود.. هكذا تكون الحياة «1 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود.. هكذا تكون الحياة «1 من 2»

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1150

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 16-مايو-1995

يموت الناس كل يوم، فالموت حق لا جدال فيه، وقدر لا فرار منه، إلا أن هناك أناسًا لا تستطيع النفس تجاوز فقدانهم بسهولة، بل يكون خبر موتهم في حينه هو أعظم ما يلحق بالنفس من بلاء، ومن هؤلاء الناس الدكتور أحمد الملط رحمه الله الذي وافته المنية بعد انتهائه من أداء مناسك الحج في مكة المكرمة صباح الأحد ١٤ من ذي الحجة الموافق 14 مايو الجاري، وإذا كانت النهاية ترد الإنسان دائمًا إلى البداية.. بداية تعرفه بمن فقدهم وأحس بود وحب خاص لهم، فإني أذكر تلك البداية جيدًا؛ بداية معرفتي بالدكتور أحمد الملط -رحمه الله- فقد رأيته أول مرة عام ١٩٨٠م في مقر مجلة الدعوة، حيث كنت أعمل صحفيًّا تحت التمرين في بداية حياتي الجامعية، ثم رأيته بعد ذلك في الباكستان، حيث كنت أعمل مراسلًا صحفيًّا لبعض الصحف العربية لشئون أفغانستان ووسط آسيا، ففي صيف عام ١٩٨٧م صادفني وجود الدكتور أحمد الملط في بيشاور، حيث كان عامي الأول في العمل هناك، بينما كانت زياراته إلى هناك بدأت قبل ذلك بأعوام.

كانت رؤيتي لرجل تجاوز السبعين من عمره في ساحة جهادية قاسية حتى على الشباب مثار إكبار وتقدير وإعزاز له منذ وقعت عيني عليه، فاقتربت منه أكثر، واتضح لي أن زياراته للمجاهدين الأفغان زيارات دورية تزيد عن مرتين في العام أحيانًا يقضيها في إصلاح ذات البين بين قادة المجاهدين ويعمل على حل المشكلات التي لم تنته بينهم، فكان يستكمل بذلك الدور الذي بدأه الشهيد كمال السنانيري -رحمه الله- وكانت زياراته تطول أحيانًا وتمتد إلى ثلاثة أشهر تاركًا فيها عيادته ومصالحه الخاصة وكل ارتباطاته محتسبًا ذلك جهادًا ورباطًا في سبيل الله، وكان بصفته جراحًا ماهرًا ورئيسًا للجمعية الطبية الإسلامية يقوم أيضًا بإجراء بعض العمليات الجراحية في المستشفيات التي تعالج المجاهدين والمهاجرين الأفغان، فكان يومه من صباحه إلى مسائه -رغم كبر سنه- في عمل دائب وجهد متواصل، وأذكر أني طلبت منه صحبته في بعض لقاءاته بقادة المجاهدين التي كانت ربما تفيدني من الناحية الصحفية فأذن لي، فكنت أجده منصتًا متفرسًا متفكرًا يسبر غور من أمامه، ثم يضع يده على الداء ويوصي باستئصاله، فكنت أشعر به جراحًا ماهرًا في استقصائه لعلل النفوس ومعالجته لمشاكل المجاهدين، وكان حازمًا لا يواري، وكان له فراسة ورأي في كل منهم، حيث كان يواجه المتعنت منهم ويطالبه بضرورة التنازل لمصلحة المجاهدين، وقد دفع هذا أحدهم إلى الهروب بعد ذلك من مقابلة الدكتور الملط أو اللقاء به بعدما أدرك أن الدكتور الملط ليس من السهل أن يخدع.

وكان جهد الحركة الإسلامية ينصب في الإصلاح بين قادة الفصائل الجهادية الأربعة التي كان يتزعمها رباني وسياف وحكمتيار، وخالص، فيما كانت المنظمات الأخرى ذات المواقف المتقلبة، والتي كان يرأسها جيلاني، ومجددي، ومحمد نبي تلقى اهتمامًا، إلا أن الدكتور الملط -رحمه الله- كان له موقف آخر، حيث قال: ولماذا لا نسعى مع هؤلاء لكي يلتقوا مع إخوانهم فيما اتفقوا عليه من أمور، ويعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه؟! وبالفعل قام بعدة زيارات لمجددي، وجيلاني، ومحمد نبي، حاول فيها إقناعهم بضرورة توحيد جهودهم مع إخوانهم طالما أنهم متفقون على الأسس، ومنها أن عدوهم واحد، وأن هدفهم المعلن واحد.

كانت طبيعتي الصحفية تغلبني دائمًا حينما ألقاه، فكنت أسأله دائمًا عن حياته وجهاده وماضيه، ويومًا تجرأت عليه وسألته مباشرة عن عمره، فقال لي: ولماذا تسألني عن عمري؟ أما تراني شابًّا مثلك؟ أم أن بياض شعري وحكاياتي إليك جعلتك تشعر أني صرت شيخًا؟ فقلت له: إنك أكثر شبابًا مني، وإني والله أستحيي من شبابي أمام عزمك ونشاطك وجهادك، فهلا أجبتني؟ لكنه لم يجبني، ومرة أخرى كان يحدثني عن مشاركته في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م، حيث كان رئيسًا للبعثة الطبية للإخوان المسلمين أثناء مشاركتهم في الحرب، فانتهزت فرصة هذه الرواية وقلت له مستدركًا: معنى ذلك أنك فوق الثمانين يا دكتور؟ فضحك ثم قال: أما زلت أيها الصحفي المشاغب تريد أن تعرف عمري، لن أقول لك سوى أني شاب مثلك، فضحكت ولم أعد.

ولد الدكتور أحمد الملط في شهر ديسمبر عام ١٩١٧م في القطاوية مركز أبو حماد بمحافظة الشرقية في مصر، تعرف على دعوة الإخوان المسلمين وانتظم في صفوفها منذ كان طالبًا في المرحلة الثانوية، حصل على بكالوريوس الطب والجراحة في عام ١٩٤٦م، وكان رئيسًا للبعثة الطبية للإخوان المسلمين في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م، وفي عام ١٩٤٩م كان ضمن مجموعة الإخوان الذين اتهموا في قضية السيارة الجيب فاعتقل من عام ١٩٤٩م، وأفرج عنه في عام ١٩٥١م، وفي عام ١٩٥٤م حصل على دبلوم الجراحة، ثم اعتقل في عهد عبد الناصر في عامي ١٩٥٤م، و1965م، وحصل في عام ١٩٦٣م على زمالة الجراحين الملكية من بريطانيا، وحينما خرج من السجن في السبعينيات لزم دعوته بشخصيته الدؤوبة ونشاطه المميز مجاهدًا بماله ونفسه وقلمه، فكانت له كتاباته المميزة التي كان يخاطب فيها الشباب منطلقًا من روح الشباب التي تعيش داخله ويتحرك بها، وكان كثير السفر والترحال، مشاركًا في المؤتمرات الإسلامية التي تعقدها الجاليات الإسلامية في أوربا، والولايات المتحدة، ودول شرق آسيا، فكان طرحه الذي يجمع فيه بين حماسة الشباب وحكمة الشيوخ طرحًا مميزًا يجمع الشباب حوله، وكان صاحب ذوق رفيع ونفس مرهفة شفافة، كان يثني على الشيء الجميل ويعجب به ويعبر عن إعجابه بكلمات عذبة وعبارات رقيقة تجعل من يسمعها يعتقد أنه أديب وليس أستاذًا في علم الجراحة، غير أن هذه الصورة كانت تتغير حينما يبدي رأيه في مسألة أو تعرض عليه قضية، حيث كان الحسم والحزم الذي لا يقبل الجدال، ولهذا حينما طلبت من ولده الدكتور أسامة الملط أن يصف لي شخصية والده في كلمات قليلة، قال لي: في كلمتين فقط أستطيع أن أقول لك: إن شخصيته تتلخص في صفتين هما: الحزم والعدل .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 127

70

الثلاثاء 28-نوفمبر-1972

شيء من.. الدين

نشر في العدد 550

82

السبت 10-أكتوبر-1981

باختصار  (العدد 550)