العنوان بلا حدود.. هكذا تكون الحياة (2 من 2)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 70
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 30-مايو-1995
كانت روح الشباب التي يعيش بها الدكتور أحمد الملط دافعًا له ألا يكل
ولا يمل رغم عمره الذي قارب التاسعة والسبعين ورغم أنه كان يتحرك في سنواته
الأخيرة وحبوب تنظيم ضربات القلب تحت لسانه بصفة شبه دائمة بسبب النوبات الناتجة
عن الجهد الضخم والحركة الدائبة التي كان يقوم بها - رحمه الله – إلا أنه كان يرفض
الراحة ويقول: «بعد الموت راحة طويلة – إن شاء الله –»، وكان أمل الشهادة في سبيل
الله يراوده، حتى وهو في هذا العمر.
لقيته مرة في باكستان وكعادتي معه أخذت أسأله عن ذكرياته القديمة في
الإخوان، وجهاده في حرب فلسطين، وبينما كان يتحدث سكت فجأة وندت منه دمعة لم يستطع
كتمانها، فأطرقت أدبًا، وانتظرت حتى تكلم فقال: «هل تعلم ما الذي أبكاني؟»، قلت:
لا، قال: «إحدى ذكريات الجهاد في فلسطين تجددت اليوم فأعادت لي أمل الشهادة في
سبيل الله، جددها لي أحد الإخوان القدامى»، فقلت له: هل يمكن أن تشركني معك في هذه
الذكرى؟ أطرق قليلاً كأنما يصل حاضره بماضيه، ثم قال: «قبل ما يزيد على أربعين
عامًا كنت أقوم بالكشف الطبي على المتطوعين من الإخوان الذاهبين إلى الجهاد في حرب
فلسطين، وكان هناك شاب فتي أسمر شد انتباهي من بين الحضور بعزمه وحماسته، وكان
جلدًا فتيًا، فقلت له: لماذا تذهب إلى فلسطين؟ قال: لأجاهد في سبيل الله حتى أقتل
وإني والله لأتمنى أن يرزقني الله الشهادة مقبلاً غير مدبر، وأن أتلقى رصاصة الموت
هنا، وأشار إلى جبهته. ترك هذا الشاب دون كثيرين ممن كشفت عليهم أثرًا في نفسي ولم
تذهب عني صورته حتى رأيته صابرًا صامدًا في المعتقل، ثم فرقت بعد ذلك بيننا
السنون».
وفوجئت به في إحدى زياراتي إلى باكستان.. هو.. هو.. وقد قارب السبعين
ولم تفارقه حماسته أو يذهب عنه شبابه، فقلت له: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقال: «إن
الذي جاء بك هو الذي جاء بي، والله لقد عشت أربعين عامًا أتوق إلى الشهادة في سبيل
الله وأرومها، وقد جاهدت في فلسطين ما شاء الله فلم أدركها، وقد جئت إلى هنا بحثًا
عنها وسعيًا وراءها فربما يرزقني الله بها بعد هذا العمر المديد».
وكان لذكر الشهادة في سبيل الله تأثيره الخاص لدى الدكتور الملط –
رحمه الله – فغالبًا ما كانت تغالبه دموعه وهو يذكرها، فقد كان رقيقًا ربانيًا
روحانيًا مع شخصيته العملية الحازمة، وربما يكون الجانب الروحاني من الجوانب التي
ينشغل عنها كثير ممن تشغلهم الأعمال الإدارية أو الدعوية الدؤوبة التي تقتضي من
صاحبها أن يدور يومه من صباحه إلى ليله هنا وهناك، إلا أن الدكتور الملط - رحمه
الله - كان يحافظ على أوراده وأذكاره، يؤديها في أوقاتها مستثمرًا أي فرصة تلوح
دون أن يفلتها، وكان – رحمه الله – يحفظ القرآن كله، وكان ورده اليومي جزءين من
القرآن يتلوهما على أحد الحاضرين معه فيشرك رفيقه معه في الأجر، ويضمن صحة
التلاوة، وكان لا يستحيي أن يقرأ ورده على شيخ أو شاب أو حتى طفل صغير.
ومما يروى عنه في ذلك أنه أثناء زيارة كان يقوم بها للأستاذ عبد رب
الرسول سياف في مخيم بابي للمهاجرين الأفغان القريب من بيشاور، ذهب قبل موعده
بقليل، فوجدها فرصة أن يقرأ ورده القرآني حتى يأتي سياف، ولم يجد أحدًا حوله وقتها
يتلو عليه إلا طفلاً في العاشرة من عمره، فناداه وقال له: «هل تقرأ القرآن؟»، قال
الطفل: نعم، فأجلسه إلى جواره على الأرض وأعطاه مصحفًا وجلس يتلو عليه ورده والطفل
يرده إذا أخطأ حتى جاء سياف وهو على هذه الحال، وكان هذا جانبًا من تواضعه – رحمه
الله –.
وقد كان من أكثر الناس تواضعًا، رغم أنه كان يبدو من أكثرهم أناقةً في
ملبسه وحسن هندامه، وحول هذا الجانب يروي أنه قبل معرفته بالإخوان كان اهتمامه
بأناقته زائدًا عن الحد، وحينما ذهب ليقابل الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله –
لاحظ عليه الإمام البنا ذلك من أول لقاء، وكان البنا فطنًا لماحًا صاحب فراسة
وحنكة يوصل ما يريده من معنى إلى من أمامه بشكل غير مباشر، فأراد الإمام البنا أن
يلفت نظر الملط إلى ذلك بود وحب وأدب؛ وكان الملط يرتدي وقتها حلة زاهية وضع
منديلاً أحمر في جيبها العلوي زيادة في الوجاهة والأناقة، وكان وقتها يدرس في كلية
الطب، وفي بداية شبابه، فتعمد البنا – رحمه الله – وهو يكلم الملط ويضاحكه أن يدخل
أصابعه برفق في جيبه العلوي فيدس المنديل إلى أسفل، وكان الملط يعتقد أنها حركة
عفوية فكان يعيد وضع المنديل مرة أخرى، فكان الإمام البنا يعيد الكرة بلطف وود حتى
فطن لها الملط وأدرك من يومها أن المسلم يجب أن يكون همه الأول هو دعوته ورسالته
وهمومها، وليس أن يفرط في الوجاهة والأناقة وحسن الهندام، وأن يشغله ذلك بشكل
ينسيه همّه الأول وغايته الأساسية.
ومن صبره على المحنة وثباته – رحمه الله – أنه عُذّب في سجن أبو زعبل
تعذيبًا وحشيًا في عهد عبد الناصر، حتى يعترف على بعض إخوانه لكنه أبى، فلما يئسوا
منه علقوه من يديه ورجليه على باب الزنزانة شهرًا كاملاً كالمصلوب حتى تلين قناته،
ويضعف عزمه، لكن الله ثبته، ولم ينالوا منه شيئًا، لذلك لم يكن غريبًا على رجل
مثله أن يظل يجاهد حتى يومه الأخير، فبينما أقرانه يقضون سنوات عمرهم الأخيرة في
راحة واستجمام ينتظرون الموت على أسرّتهم وبين أبنائهم كان هو في جهاد متواصل يبحث
عن الشهادة في سبيل الله في ساحات الوغى وميادين الجهاد.
فحينما ذهبت إلى البوسنة والهرسك لتغطية جانب من أحداثها في شهر
ديسمبر الماضي علمت أنه كان قد سبقني بأيام إلى هناك، وأصر على السفر إلى سراييفو
المحاصرة ليزور أهلها ويلتقي بالرئيس بيجوفيتش ولم يكن هناك طريق للذهاب لأن
المطار كان مغلقًا، لكن صدق نيته جعل الله ييسر فتح المطار في اليوم التالي لعدة
أيام، حيث سافر إلى سراييفو ومكث بها عدة أيام، ثم عاد مرة أخرى إلى كرواتيا، لذلك
حينما كان برد سراييفو القارس يكاد يفتك بعظامي كنت أسائل نفسي: كيف بي وأنا شاب
في بداية الثلاثينيات لا أقوى على تحمل هذا البرد؟ فكيف كان يتحمله الدكتور الملط
وهو في التاسعة والسبعين؟
كان قد مضى على آخر لقاء لي به خمس سنوات حينما وجدته أمامي وجهًا
لوجه في بيت الله الحرام في مكة المكرمة في رمضان الماضي فسلمت عليه وعانقته، ولما
وجدت السنوات الخمس قد أخذت منه كثيرًا، هممت أن أذكره بنفسي خشية أن يكون قد
نسيني، وإذا به يناديني باسمي ويذكرني سريعًا بأيامنا الخالية، ثم زاد عليها وقال:
«وأنا أقرأ "المجتمع" الآن وأتابع ما فيها»، وكان – رحمه الله – قوي
الذاكرة وكان يعزو قوة ذاكرته لحفظه القرآن وحرصه على تلاوته، فقلت له: كنت أتمنى
أن ألقاك في البوسنة فقد علمت بزيارتك حينما ذهبت في ديسمبر، ولكن شاء الله أن
ألقاك هنا في خير البقاع، فقال لي وهو يشير إلى مكان في الحرم المكي: «هذا المكان
أقضي فيه معظم وقتي منذ بداية رمضان، وحينما تأتي سوف تجدني هنا»، فكنت أختلف إليه
كلما سنحت الفرصة لي بذلك.
ثم شاء الله أن ألتقي به مرة أخرى في زيارته للكويت في نهاية مارس
وأوائل إبريل الماضي، وقام – رحمه الله – بزيارتنا في مجلة المجتمع وقص علينا بعض
ذكرياته عن حرب فلسطين وشيئًا من حياة معروف الحضري – رحمه الله – وحينما ذهبت
لوداعه في المطار بعد انتهاء زيارته قال لي حينما وجدني مشفقًا عليه وهو يضع حبة
من حبوب مقاومة نوبات القلب تحت لسانه: «إن هذه الحبوب تخفف الوطأة علي والله هو
القوي».
ولم يمنعه مرضه وسنه من أن يذهب إلى الحج مجاهدًا، فأتم حجته كاملة –
رحمه الله – وبعدما نزل من منى وطاف طواف الإفاضة وصلى العشاء في الحرم وقرأ ورده
اليومي جزءين من القرآن على زوجته نام ليلته، وبعد صلاة الفجر أسلم روحه لله.
حينما جلست أتأمل ما عرفته من حياة الدكتور أحمد الملط – رحمه الله –
وهو نزر يسير، لم أجدها إلا حياة حافلة بالجهاد والصبر فقلت ولا زلت أقول: هكذا
والله تكون الحياة.