; بلا حدود- فَخُّ المساعدات الأمريكية للدول الإسلامية. | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود- فَخُّ المساعدات الأمريكية للدول الإسلامية.

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1153

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 13-يونيو-1995

وقف السيناتور الأمريكي ميتشل ماكونال - رئيس اللجنة الفرعية للاعتمادات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي - أمام مجموعة من المراسلين في إبريل الماضي، قائلًا: «لقد انتهت دبلوماسية دفتر الشيكات» وكان ماكونال يشير بذلك إلى قرار الإدارة الأمريكية بتقليص مساعداتها العسكرية والاقتصادية للأردن؛ لتكون الأردن بذلك أولى الدول العربية التي وقعت على ما يسمَّى باتفاقية السلام مع «إسرائيل»، ثم حرمت من التقليد الأمريكي الذي يمنح مساعدات اقتصادية وعسكرية للدول التي تلتزم بالسلوك الجيد إزاء مصالح الولايات المتحدة ومطالبها، ذلك التقليد الذي بدأته الولايات المتحدة على يد الرئيس ترومان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي أعقاب تصريحات ماكونال وقف نظيره في مجلس النواب سوني كالاهان أمام المراسلين، مؤكِّدًا على كلام ماكونال، وقال كالاهان: «لن تكون هناك مساعدات عسكرية أو اقتصادية للأردن، ولن تكون هناك أية التزامات لسوريا إذا حققت انتهت دبلوماسية السلام مع إسرائيل». 

وكانت هذه التصريحات رسالة قاسية إلى ملك الأردن الذي كان في زيارة للولايات المتحدة في ذلك الوقت، كما كانت إنذارًا مباشرًا إلى مصر التي قدمت الكثير في مقابل القليل من المساعدات التي أخذتها من الولايات المتحدة، فقد وقع الملك حسين اتفاقه مع «إسرائيل»، وهو يحمل برنامج مساعدة أمريكية تمتد إلى عشر سنوات، وتبلغ قيمته 2.5 بليون دولار، بل وألمح إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تعطي الأردن بعضًا من المساعدات السنوية المخصصة لإسرائيل على اعتبار الشراكة الوثيقة التي قامت بينهما، وحرص «إسرائيل» على الحفاظ على الأنظمة المشاركة لها فيما يسمى بمسيرة السلام، كذلك كان الملك قد طالب الولايات المتحدة بعقد صفقة عسكرية معها: تقدر قيمتها باثني عشر بليون دولار تتضمن حصول الأردن على ثلاثة إلى أربعة أسراب من الطائرات، و ٢٠٠ دبابة أمريكية، ولم تذهب هذه الأموال وحدها أدراج الرياح، بل إنَّ صفقة طائرات «إف . ١٦» وصواريخ هوك التي ظل الأردن ينتظرها من الولايات المتحدة طيلة اثني عشر عاما قد ذهبت هي الأخرى أدراج الرياح، مما دفع ريتشارد أرميتاج -نائب وزیر الدفاع الأمريكي سابقًا - أن يقف  أمام لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ في ١١ من مايو الماضي؛ ليعرب عن أسفه لما لحق بالأردن قائلا: «إنني أجدُ من المذهل أن الإدارة والكونجرس لا يستطيعان التعاون على برنامج تحديث فاعل للأردن، خصوصا وأنه قد دخل رسميا في حال سلام مع إسرائيل»، وأذكر أن الكثير من أعضاء هذا المجلس الشيوخ، والمجلس الآخر النواب، كانوا يقولون من قبل: إن كل ما على الأردن عمله للحصول على مساعدة أمنية جديّة من الولايات المتحدة هو التوقيع على معاهدة سلام مع «إسرائيل».

لكن بعد التوقيع تغيَّر كل شيء، وما لحق بالأردن شعر به الرئيس مبارك، وأعرب عنه أثناء زيارته الأخيرة لباريس، وأشار إلى أنه يدرك بأن «المساعدات الأمريكية لمصر لن  تستمرَ على ما هي عليه» وكان مكتب التمثيل التجاري المصري في واشنطن قد أعدَّ تقريرًا اقتصاديًّا نشر في 12من مايو الماضي قال فيه: إن إجمالي المساعدات الاقتصادية التي قدمتها الولايات المتحدة لمصر خلال الفترة من ١٩٧٥م إلى ١٩٩٤م بلغت حوالى ۱۹٫۳ مليار دولار، خصص الجانب الأكبر منها لمشروعات استفادت منها الولايات المتحدة، حيث إن غالبية هذه المساعدات مشروطة ومخصصة خلاف المساعدات التي تقدم لإسرائيل منذ قيامها في عام ١٩٤٨م. والتي تحدد إسرائيل قنوات صرفها، وليس للولايات المتحدة أي دخل في ذلك خلاف عشرات المليارات من المساعدات غير الرسمية التي تصبُّ في دعم إسرائيل، وتقويتها على حساب دول المنطقة كلها، وتأتي هذه المساعدات كتعهد أمريكي يؤكد عليه كل مسؤول أمريكي يتحدث عن «إسرائيل» و«أعدائها»، كما ذكر بليترو - مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط - في بيانه الذي ألقاه أمام لجنة مختصة . في مجلس الشيوخ في مايو الماضي مما يؤكد للواهمين الذين دخلوا في ما يسمى بمسيرة سلام مع «إسرائيل»، أنهم لازالوا أعداء «إسرائيل» حتى في العرف الرسمي الأمريكي.

وقد استخدمت المساعدات الأمريكية التي قدمت لمعظم دول الشرق الأوسط  لتركيع هذه الدول وإدخالها ضمن برنامج الولاء المطلق للمصالح الأمريكية، علاوة على استنزاف طاقات هذه الدول وتدمير اقتصادها، ومصر هي أكبر مثال على ذلك فقد اضطرت مصر بعد دخولها في مسيرة التسوية مع إسرائيل، بعد حرب أكتوبر ۱۹۷۳م إلى الخضوع للابتزاز الأمريكي الذي بدأه كسينجر، فبدأ بتقديم المساعدات للسادات في عام ۱۹۷۰م، مقابل وصول مصر الآن إلى أن يصبح ٢٥% من إجمالي وارداتها من الولايات المتحدة، وأن تصبح الدولة رقم ۲۸ في قائمة أكبر الدول المستوردة من الولايات المتحدة، وواحدة من أكبر تسع دول تستورد القمح نقدًا من الولايات المتحدة بعدما كانت تصدره، وتوفر مصر بمواردها من الولايات المتحدة سنويًا وظائف لأكثر من ٦٠٠ ألف أمريكي، فيما يعاني اقتصادها، وتزداد ديونها يومًا بعد يوم.

أما الدول التي رضخت للنفوذ الأمريكي، ثم غيرت سياستها بعد ذلك مثل السودان وباكستان، فقد تم إيقاف المساعدات عنها في يناير ۱۹۹۲م، فيما خفضت المساعدات لتركيا بعد أن أعطت كل شيء، ولم تعد تستطيع العودة عن الطريق الذي سارت فيه، كما حدث للأردن مؤخرًا، وكما سيحدث للدول الأخرى ما عدا «إسرائيل»، لأن الذي يقود عملية خفض المساعدات أو منحها هو اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وكان هذا واضحًا في خطاب كلينتون الذي ألقاه أمام المؤتمر السادس والثلاثين للجنة الأمريكية - الإسرائيلية للشؤون العامة «إيباك»، الذي عقد في واشنطن في السابع من مايو الماضي، حيث خاطب الحضور طالبًا منهم ـ في ضعف لم يظهر به رئيسٌ أمريكيٌّ سابق - التدخل لدى الكونجرس حتى يسمح باستمرار تدفق المساعدات للدول الصديقة للولايات المتحدة، حيث يصر الجمهوريون على خفض المساعدات الأمريكية الخارجية التي أشار وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر إلى أنها ستصبح في عام ١٩٩٦م ١١ مليار دولار فقط بدلًا من ٢٠,٧٩ مليارًا في عام ١٩٩٤م، وأشار كريستوفر إلى أن هذه الموازنة هي «الحدّ الأدنى اللازم للدفاع عن المصالح الأمريكية، ووصف هذه الميزانية بأنها متقشفة بكل المعايير».

إن المساعدات الأمريكية لدول الشرق الأوسط والدول الإسلامية بصفة خاصة لم تكن سوى الفخ الذي سقطت فيه هذه الدول، فقدمت الكثير من مقدرات شعوبها، وخيرات بلادها دون أن تحصل على شيء سوى الوهم الأمريكي والسيطرة والسطوة الصهيونية والصلف اليهودي، ومع ذلك فلا زال هناك واهمون ينتظرون المزيد، ويواصلون سيرهم في النفق المظلم انتظارًا للمساعدات.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل