; : ربَّاني.. وجراح أفغانستان؟ | مجلة المجتمع

العنوان : ربَّاني.. وجراح أفغانستان؟

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993

مشاهدات 72

نشر في العدد 1033

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 12-يناير-1993

بلا حدود

العبء الثقيل على رباني

لقد حمل رباني باختياره رئيسًا لأفغانستان عبئًا ثقيلًا ومسئولية جسيمة لدولة منهارة ومحطمة تواجه تحديات داخلية وخارجية ضخمة.

 

ذكريات في جبل «أمان كوت»

كانت رائحة الأعشاب الجبلية الذكية تغمر نفوسنا حينما جلسنا للاستراحة بعد ثماني ساعات من الصعود لجبل «أمان كوت» العتيد الذي يقع بين ولاية كابل وولاية ننجرهار في أفغانستان، حيث كنا في زيارة لمواقع المجاهدين هناك. حينها التفت نحوي الأستاذ رباني وقال لي وهو يبتسم: "هل تعبت يا أحمد؟" فقلت له:

"صحبتكم تزيل كل تعب، وما نجد فيها إلا ما نحب". فانفرجت أساريره وقال: "إننا واثقون أن نصر الله قريب، ولم يعد بيننا وبين فتح كابل وإقامة دين الله على هذه الأرض - حتى يشيع الأمن بين الناس فيها - سوى ما بيننا وبين قمة هذا الجبل القريبة. حينها سوف ندعوك لزيارتنا إن لم تكن معنا، وسوف نتذكر هذه الرحلات الشاقة التي نسأل الله أن يجعلها في موازين أعمالنا..."

 

غمرتني كلمات الأستاذ رباني وقتها بالأمل، وأذهبت عني مشاعر الخوف والقلق والتعب التي كانت تملأ نفسي من جراء القصف وغارات طائرات الشيوعيين التي كانت تلاحقنا. كان ذلك منذ ثلاث سنوات أو يزيد، وكانت هذه الرحلة واحدة من عشرات الرحلات والأسفار التي رافقت فيها الأستاذ رباني، كما رافقت غيره من قادة المجاهدين طوال ثلاث سنوات قضيتها هناك مراسلًا لبعض الصحف العربية.

 

من قرب... تعرّف على القائد

وقد عرفت الأستاذ رباني من خلال صحبتي معه من قرب. فقد كنت أجاوره في الترحال، وآكل معه وأشرب، وأنام معه في غرفة واحدة أو كهف واحد إن كنا في الجبال، وعرفته أكثر من خلال مذكراته التي سجلتها معه طوال ثلاث سنوات.

والأستاذ رباني رجل ذكي ألمعي يصعب حتى على من اقترب منه أن يسبر غوره. فهو رجل هادئ قليل الكلام كثير الصمت، ذو حياء وأدب رفيع. ولد في «فيض آباد» إحدى مدن ولاية بدخشان عام 1940 لأسرة ذات علم ودين. تعلم العربية من صغره، وتخرج من كلية الشريعة بجامعة كابل، وعُين بها معيدًا، ثم أستاذًا ورئيسًا لقسم الفلسفة بعدما حصل على الماجستير من جامعة الأزهر بمصر عام 1968. ولهذا فإن الجميع يلقبونه بـ «الأستاذ» ويُعتبر من مؤسسي الحركة الإسلامية في أفغانستان، وقد فر إلى باكستان عام 1974 بعدما تمكن بعض تلامذته من تهريبه من الجامعة حينما جاء البوليس للقبض عليه في أعقاب فشل الانقلاب العسكري الذي قامت به الحركة الإسلامية في ذلك الوقت ضد نظام داود.

 

دوره في التعريف بالقضية

هو أول من عرف العالم الإسلامي بقضية أفغانستان. فسافر في عام 1975 إلى المملكة العربية السعودية في موسم الحج والتقى بكثير من العلماء وشرح لهم قضية بلاده، ثم سافر إلى مصر والتقى ببعض مسئولي حركة الإخوان المسلمين الذين كانوا قد خرجوا لتوهم من السجون، ثم سافر إلى بعض المؤتمرات الإسلامية في دول أخرى. ولم يجد في هذا الوقت تجاوبًا جيدًا إلا أنه ظل يطرق الأبواب حتى قام الانقلاب الشيوعي في أفغانستان عام 1978، فتجاوب العالم كله مع المجاهدين الأفغان حتى سقطت الحكومة الشيوعية في أبريل الماضي.

 

حرص على العبادة والفكر

كنت في أسفاري معه حينما أستيقظ لصلاة الفجر أجده قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، وكان أحرص ما يكون على قراءة ورده القرآني، كما كان أحرص ما يكون – رغم انشغاله – على الاطلاع على أحدث ما تخرجه المطابع من كتب في مجال الفكر الإسلامي.

 

المفكر والتربوي

والأستاذ رباني مفكر مبدع وأديب أريب، كتب وأعد وترجم كثيرًا من الكتب التي أسهمت في نهضة الصحوة الإسلامية في أفغانستان، حتى إن نائبه سيد نور الله عماد قال لي ذات مرة: «كنا نتمنى أن يتفرغ الأستاذ رباني للتربية والتوجيه وصناعة الرجال، وأن يبتعد عن هذه الصراعات السياسية والخلافات، وأن يبقى أستاذًا لنا جميعًا كما كان، لكن السياسة – قاتلها الله – جعلت بعض تلامذته يختلفون معه ويعادونه».

 

تحديات الدولة الممزقة

وقد حمل رباني باختياره رئيسًا لأفغانستان في الأسبوع الماضي عبئًا ثقيلًا ومسئولية جسيمة لدولة منهارة ومحطمة وممزقة تواجه تحديات داخلية وخارجية ضخمة. فعلاوة على التركيبة العرقية المعقدة والتركيبة الحزبية الأكثر تعقيدًا، والصراعات الشخصية بين قادة الفصائل الجهادية والميليشيات المسلحة وبقايا الشيوعيين، فما زالت العاصمة كابل غير آمنة، وما زالت تُقصف كل يوم بالصواريخ. وما زال ما يزيد على 3 ملايين أفغاني مهاجرين في باكستان وإيران بحاجة إلى عودة سريعة إلى ديارهم المهدمة وحقولهم ومزارعهم التي تملؤها الألغام، والتي تُقدر بحوالي 30 مليون لغمًا زرعها الشيوعيون في طول البلاد وعرضها.

 

أما المدارس والجامعات فقد أصبحت البلاد كلها ثكنات عسكرية، إما لقوات الحكومة أو قوات الأحزاب المختلفة. حتى المستشفيات تعاني نقصًا شديدًا في كل شيء، فيموت النساء والأطفال كل يوم بسبب نقص الدواء، علاوة على سيطرة بعض الميليشيات والأحزاب عليها، إلا المستشفى العسكري في وزير أكبر خان، فقد سلمته الحكومة للصليب الأحمر لعدم مقدرتها على إدارته والاتفاق عليه.

 

أما العملة الأفغانية فلم تعد تساوي قيمة الورق الذي تُطبع عليه، وأصبح الدولار الواحد يساوي اثني عشر ألف روبية، بينما كان في أبريل الماضي بـ 3 آلاف فقط. أما المواد الغذائية فكلها تأتي إما من باكستان أو الجمهوريات الإسلامية في الشمال. أما خطوط الهاتف فهي لا تعمل معظم الوقت، والكهرباء منقطعة بصورة شبه دائمة، ومن ثم فالماء شحيح لأن المضخات التي تضخه من الجبال والبحيرات تعمل بالكهرباء. وفوق كل هذه الهموم، فقد وصل إلى شمال أفغانستان حتى الآن ما يقارب من ربع مليون طاجيكي مهاجرين من بطش الشيوعيين هناك، بحاجة إلى المأوى والطعام والغطاء والكساء.

 

أمل في نهاية المطاف

أفغانستان اليوم... أطلال دولة وعاصمتها كابل لا تملك مقومات الحياة بسكانها الذين قاربوا 3 ملايين. ورئيسها، أستاذ الجامعة والمجاهد القديم، مهموم بالعبء الثقيل وهموم 20 مليون أفغاني أرهقهم ما يزيد على 15 عامًا من القتال. غير أني كلما تذكرت عينيه المرهقتين دائمًا من قلة النوم، وحرصه على قيام الليل والورد القرآني، أدركني شيء من ذلك الأمل الذي زرعه في نفسي ونحن نصعد جبل «أمان كوت»، وأدرك أن يومًا ما سيأتي، سوف تلعق فيه أفغانستان جراحها.. فمتى يأتي ذلك اليوم؟


الحالة الإسلامية في أفغانستان (النموذج الثالث)

الرابط المختصر :