; حينما توقفت الحياة في واشنطن | مجلة المجتمع

العنوان حينما توقفت الحياة في واشنطن

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1996

مشاهدات 72

نشر في العدد 1188

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 13-فبراير-1996

بلا حدود

تشهد الولايات المتحدة منذ ديسمبر الماضي طقسًا باردًا وعواصف ثلجية وانخفاضًا في درجة الحرارة لم تشهده منذ ما يقرب من مائة عام، فقد وصلت درجة الحرارة في ولاية «مينسوتا» الشمالية 51 درجة تحت الصفر، وهو أدنى مستوى تصل له : درجات الحرارة في هذه الولاية منذ ٩٧ عامًا، كما شهدت ولايات الشرق والغرب الأوسط والجنوب عواصف ثلجية أدت إلى شبه شلل تام في الحياة هناك، وكانت الفائدة الوحيدة التي استفادها الأمريكيون من هذه العواصف الثلجية الشديدة هي انخفاض معدل الجرائم والسرقات في معظم المدن الأمريكية بشكل كبير، أما الأضرار فلم تلحق بالأمريكيين وحدهم، وإنما لحقت أيضًا بزوار الولايات المتحدة، وكنت واحدًا منهم فقد قضيت ما يقرب من ثلث أيام رحلتي إلى الولايات المتحدة التي استغرقت حوالي ثلاثة أسابيع في المطارات والطائرات بسبب العواصف، حيث كان التأخير هو السمة الملازمة في كل رحلة إقلاعًا وهبوطًا، وقد بدأت معاناتي مع العواصف الثلجية بعد هبوطي مباشرة في مطار كيندي في نيويورك، وكانت الأيام الخمسة التي قضيتها في لوس أنجلوس في الأيام الوحيدة التي رأيت فيها الشمس.

فعند وصولي إلى مطار كيندي في نيويورك وجدتني محظوظًا أن المطار كان مغلقًا لعدة ساعات قبل هبوط طائرتنا لتعذر الرؤية وارتفاع مستوى الثلوج على الأرض ثم فتح قبيل هبوطنا، إلا أن سعادتي لم تكتمل حينما وجدت طائرتي المتجهة إلى ديترويت في الشمال متأخرة ولا يعرفون متى ستاتي ولا متى ستقلع وأن العواصف الثلجية أدت إلى إغلاق المطارات في كثير من الولايات الشمالية، وفكرة البحث عن مقعد في طائرة متجهة إلى أي مكان داخل الولايات المتحدة في نهاية ديسمبر أمر صعب المنال، وحينما تحدثت مع بعض الركاب الذين كانوا متجمهرين أمام بوابة دخول الطائرة أبلغني بعضهم أنه قد مضى عليه أكثر من ١٥ ساعة في المطار.

وحينما سألت عن موظفي شركة الطيران وجدتهم قد هربوا من ضغط الركاب وإلحاحهم وأسئلتهم، حيث إن إغلاق المطار أدى إلى تراكم ركاب أكثر من رحلة، وحينما طال انتظاري أكثر من ست ساعات دون أن تظهر بوادر لحل المشكلة اتصلت في الثانية بعد منتصف الليل على الزميل «أحمد يوسف» في العاصمة واشنطن، لأساله عما ينبغي أن أفعله لاسيما وأنه قد مضى على ما يقرب من ثلاثين ساعة دون نوم لعدم استطاعتي النوم أثناء السفر، فقال: «عليك الآن أن تتجه إلى أقرب فندق لتنام بعد أن تؤمن سفرك على رحلة تالية، وأرجو أن تحافظ على حقيبتك وأن تحذر من اللصوص في نيويورك»، فقلت له ضاحكا: «لصوص في هذا الطقس المتجمد» ؟ قال: نعم إنهم لا ينامون في نيويورك، غير أنه بعد سبع ساعات من الانتظار أعلنت الشركة عن وصول الطائرة وأنها ستقلع في الرابعة والنصف فجرًا.

نفس هذا المشهد المأساوي تكرر معي بدرجات متفاوتة في أربعة وعشرين إقلاعًا وهبوطًا قمت بها أثناء الرحلة بين شرق الولايات المتحدة وشمالها وجنوبها وغربها ووسطها، فوجدت نفسي في النهاية قضيت ما يزيد على ستة أيام داخل الطائرات أو منتظرًا لإقلاعها أو مترقبًا هبوطها في طقس لا يُحسد عليه الذين يعيشون فيه، غير أن ما حدث في كل الولايات والمدن الأمريكية شيء، وما حدث في واشنطن نفسها شيء آخر، فواشنطن هي عاصمة الإمبراطورية الأمريكية، وعواصم الإمبراطوريات والدول العظمى عادة ما يكون لها اهتمام خاص، ورعاية مميزة، إلا أن واشنطن غير ذلك، فرغم أنها هي مركز صنع القرار ليس الأمريكي وحده، وإنما القرار الدولي، وهي قبلة لكثير من الذين يسعون لتدعيم أنظمتهم أو تكريس شرعيتها لدى سدنة النظام العالمي الجديد، إلا أن واشنطن غرقت في الثلوج مثلما غرقت من قبل في مشاكل الجريمة والعنف وصراعات الجمهوريين والديمقراطيين في الكونجرس، والصراع بين الحكومة الوطنية وإدارة البلدية ومشاكل المشردين وعصابات الجريمة، فالعاصفة الثلجية التي ضربت واشنطن في أوائل يناير الماضي أدت إلى ارتفاع الثلوج في كثير من المناطق إلى مستويات كبيرة فوق سطح الأرض، وكان مقر وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن «البنتاجون، من الأماكن التي بلغ ارتفاع الثلج فيها نحو مترين، مما منع هبوط طائرات الهليكوبتر غير المزودة بأنظمة الهبوط على الثلج، وقد جعل هذا الأمر المراقبين والمحللين العسكريين أن يتساءلوا عما يمكن أن يحدث إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم خارجي في مثل هذه الظروف، فكبار الجنرالات سيصعب عليهم التواجد في الأماكن المخصصة لهم، أما الرئيس الأمريكي وعائلته فمن الصعب نقلهم إلى المخبأ النووي المخصص لهم في هذه الحالات، والذي يقع في منطقة «ماونت ويذار» التي تبعد حوالي مائة كيلو متر عن العاصمة واشنطن، أما على الصعيد السياسي فقد ألغيت كثير من الاجتماعات والأسفار واللقاءات أو أجلت، وكان من أبرزها تأجيل زيارة وزير الخارجية الأمريكي «وارن كريستوفر» التي كانت مقررة في ذلك الوقت إلى دمشق والقدس المحتلة عدة أيام.

ولمدة أسبوع كامل توقفت المدارس ومعظم المحاكم وقطاعات البريد والخدمات الأخرى، بل وحتى سيارات البوليس عجزت عن الحركة في الشوارع التي كانت تكسوها الثلوج، مؤكدة للصوص والمجرمين أنه لن يلحق بهم أحد إذا كان لديهم رغبة في العمل في هذا الطقس المتجمد الذي لم تشهد واشنطن مثيلا له منذ ما يقرب من مائة عام.

هنا في عاصمة الإمبراطورية الأمريكية واشنطن هرمت الثلوج الأمريكيين بمن فيهم جنرالات البنتاجون الذين تجوب سفنهم وحاملات طائراتهم أعالي البحار، لتؤكد هيمنة أمريكا وزعامتها للنظام العالمي الجديد، هنا توقفت الحياة ودفنت السيارة تحت الثلوج وتوقف بالتالي الصراخ والصراع تحت قبة الكونجرس بين الجمهوريين والديمقراطيين حول الموازنة الأمريكية.

هنا في واشنطن تأكدت الحقيقة الأزلية التي غفل عنها البشر ولا زالوا غافلين، ولا أدري إلى متى سيظلون يحيلون الأسباب إلى عوامل مادية وإلى أسباب تقنية بين إدارة البلدية وصراع الجمهوريين والديمقراطيين على الميزانية، إن الحقيقة التي يهرب منها هؤلاء هي أن خالق الكون هو الذي يسيره، وما حدث في عاصمة الإمبراطورية الأمريكية برهان من خالق الكون على أنه هو القادر وحده على أن يحول قوة أمريكا وجبروتها في لحظات إلى هباء منثور، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 65)، فهؤلاء الذين يظنون أنهم قادرون على الأرض قد عجزوا حتى عن الخروج من بيوتهم حينما حاصرتهم الثلوج، إن مقاليد الكون بيد الله، ولم ولن تكون أبدًا في يد سدنة النظام العالمي الجديد.

الرابط المختصر :