العنوان حائط المبكى في واشنطن
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994
مشاهدات 71
نشر في العدد 1082
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 04-يناير-1994
بدأت أطالع وجوه اليهود الكالحة وأنوفهم
المعقوفة أمام المتحف اليهودي «الهولوكوست» في شارع ١٤ الشهير في العاصمة
الأمريكية واشنطن، وفيما كان طابور طويل غالبيته من السياح يأخذ طريقه لدخول
المتحف، أخذت دوري للوقوف على أساليب اليهود وخداعهم وأباطيلهم في تزييف الحقائق
وخداع الشعوب وابتزاز عطف العالم وشفقته على تاريخ مضى يصنعون في حاضرهم واقعًا
أسوأ منه.
لم أكن أحمل سوى كاميرتي الصغيرة التي وضعتها
داخل معطفي وبعض الأوراق لتدوين ما يعن لي من ملاحظات، فيما كانت الكآبة
والاشمئزاز يتصاعدان في داخلي شيئا فشيئا كلما اقتربت خطوة من الدخول، وحينما جاء
دوري منحتني عجوز يهودية بطاقة الدخول دون مقابل وطلبت مني الاحتفاظ بها، كما طلبت
من غيري، ثم أشارت إلى نقطة البداية؛ حيث يوجد بهو المتحف.
قصدت مركز الاستعلامات فحصلت على بعض النشرات
والمعلومات عن المتحف وما فيه، ثم جلست في البهو أتأمل وجوه الناس لاسيما الأطفال
الذين جاءوا ليغرس اليهود فيهم شيئين لا ثالث لهما: الأول: هو حب اليهود والتعاطف
مع اليهودية، والثاني: هو كراهية الألمان وكراهية النازية. كان هذا واضحا من أول
خطوة خطوتها إلى داخل المتحف، وبدأت الصورة تتضح أمامي جلية مع جولتي في صالات
المتحف وجنباته؛ حيث تفنن الصهاينة وبأحدث الوسائل والأساليب العلمية في السيطرة
على كل من يدخل هذا المكان وإقناعه قبل الخروج منه بأن اليهود تعرضوا على أيدي
الألمان لما لم يتعرض له أحد من البشر، وتظهر الأفلام والإحصائيات التي يرددها
اليهود في المتحف أن هتلر قد قضى على ستة ملايين يهودي؛ أي حوالي ثلث أتباع
اليهودية في ذلك الوقت.
كان واضحا من البداية أن اليهود قد صاغوا تاريخا
خاصا «للهولوكوست» يعرضونه بشكل وثائقي جذاب من خلال قاعات تبث الأفلام بصورة
منتظمة، وقاعات أخرى صمموا فيها بعض أحياء اليهود وبيوتهم في ألمانيا، وقاعات
جمعوا فيها بعض أطلال الماضي ومخلفاته، وقاعة كبيرة للكمبيوتر يستطيع كل زائر أن
يجلس أمام أي جهاز ليضغط على أزراره فتظهر أمامه أكاذيب اليهود وأباطيلهم بصورة
منمقة وشكل مميز.
كان زوار المتحف في واد وكنت أنا في واد آخر؛
فكل شيء كان يبثه اليهود عن ماضيهم كنت أطالع عكسه الآن في واقعهم. فمن خلال ما
جمعه اليهود ويبثونه في هذا المتحف يرتكبون جرائمهم ضد الفلسطينيين وضد الأمة
العربية والإسلامية بأجمعها، ويعتبرون جرائمهم التي يقومون بها الآن وقاموا بها
طوال العقود الماضية حرزا من أن يتكرر لهم ما حدث على أيدي النازيين من قبل، وهذا
ما عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيجن حينما ألقى محاضرة في
الكلية العسكرية الإسرائيلية في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام ١٩٨٢م
قال فيها: «لو لم تحتل القوات الإسرائيلية جنوب لبنان لتكرر «الهولوكوست» مرة أخرى
وتعرض اليهود للفناء».
وهكذا باسم جرائم النازية ضد اليهود يرتكب
اليهود الآن جرائمهم ومذابحهم ضد المسلمين في فلسطين وجنوب لبنان وأماكن أخرى
عديدة. وفيما كانت أعين بعض الرواد ممتلئة بالدموع أسى على ما رأوه من أحداث ماضية
عن اليهود، كانت نظرة واحدة للواقع اليهودي الآن كفيلة بالتأكيد على كذب مزاعم
هؤلاء، وأن يدرك كل من يتجول في قاعات هذا المتحف أنه ضحية لكذبة وخدعة يهودية
وصهيونية كبرى.
كنت قد تحاملت على نفسي وأنا أجوب الطوابق
الثلاثة الظاهرة من المبنى، وحينما شعرت بالاختناق قررت الخروج، إلا أن أحد اليهود
العاملين في المتحف صادفني فقال لي: هل يمكنني مساعدتك يا سيدي؟ قلت: كلا.. فأنا
في طريقي إلى الخارج. قال: مازال أمامك الكثير لتطالعه! قلت: لقد طالعت كل شيء تقريبا.
قال: ألم أقل لك كازال أمامك المزيد لتطالعه؟ تفضل من هنا فسوف تجد عروضًا أكثر
تميزا مما رأيت.
كان هناك طابور أمام بعض المصاعد، أخذت دوري
فيه ونزلت في مصعد مظلم إلى أكثر من طابق تحت الأرض، ثم خرجت مع من معي إلى ساحة
كبيرة مظلمة بها شاشات عرض كبيرة ومتجاورة رتبت بشكل فني يجعل الزائرين يشعرون
بالرهبة ويعيشون الحدث. وقد صادفت ازدحاما في هذه القاعة لم أصادفه في القاعات
الأخرى، غير أن وسائل التأثير هنا كانت أقوى من خلال استخدام مؤثرات الصوت
والصورة، كما أن وجوه الزائرين تحت الأضواء الخافتة وأسلوب عرض الأكاذيب كانت أكثر
تأثرا.
شعرت بعد وقت وجيز بأن صبري على تحمل أكاذيب
اليهود قد نفد، فسألت أحد رجال الأمن اليهود عن طريق الخروج فقال: لابد من أن تأخذ
دورك حتى تكمل البرنامج هنا، وبعد انتهاء البرنامج سوف تأخذ طريقك بتلقائية إلى
أعلى. قلت له: ولكني اكتفيت بما رأيت. قال: مازال أمامك مشاهدة بعض البرامج مادمت
قد نزلت لهذه القاعة، أما إذا كنت مصرا على الخروج فليس أمامك سوى سلم الحريق
لتصعد منه. خرجت مسرعا عبر سلم الحريق إلى بهو المتحف مؤثرا ذلك على البقاء، ثم
خرجت إلى الشارع لأتنسم هواء واشنطن البارد بعد أجواء العفونة والأكاذيب اليهودية
داخل المتحف.
وكان ما أذهلني ليس قدرة اليهود على التزييف
والخداع من خلال الإمكانات الهائلة التي يستخدمونها في المتحف حتى حولوه إلى حائط
للمبكى عليهم والتعاطف معهم، ولكن مدى نفوذهم داخل الإدارة الأمريكية حتى حصلوا
على قطعة الأرض هذه دون مقابل من الحكومة الأمريكية في أفخم منطقة في واشنطن وبنوا
متحفهم وسط متاحف واشنطن العريقة.
ورغم الاعتراضات التي أبداها كثير من الأمريكيين على بناء مثل هذا المتحف، وأنه ليس من مصلحة أمريكا بناؤه، علاوة على عدم وجود أي علاقة للشعب الأمريكي بما يحتويه، فإن الضغوط اليهودية والنفوذ الصهيوني أسكت الجميع، وتم بناء المتحف في وقت قياسي بتكلفة بلغت ١٦٨ مليون دولار مع مساعدات سنوية أمريكية مقدارها ١٦ مليون دولار. وقد وصل النفوذ اليهودي إلى حد قيام الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بافتتاح المتحف في ٢٦ إبريل الماضي وإلقاء خطاب عكس فيه تعاطفه مع مأساة اليهود، وأكد دعمه ودعم إدارته لإسرائيل. وتذكرت قبل أيام حواري مع المفكرة الأمريكية إيفون حداد وهي تحدثني عن النفوذ اليهودي داخل الإدارة الأمريكية حينما ختمت حديثها قائلة: «لقد بلغ نفوذهم داخل البيت الأبيض حدا لا يمكن تصوره حتى صرنا -نحن الأمريكيين- نسميه البيت الأبيض المحتل».