; إنجاز حضاري هائل للولايات المتحدة! | مجلة المجتمع

العنوان إنجاز حضاري هائل للولايات المتحدة!

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 11-أبريل-1995

يحتفل العالم هذا العام بذكرى مرور خمسين عامًا على الإنجاز الحضاري الهائل الذي حققته الولايات المتحدة في 6 و9 أغسطس عام 1945م حينما فجرت أول قنبلتين مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين فمحتهما من الوجود مع كل المدنيين الموجودين فيهما من النساء والأطفال والكبار والصغار والأقوياء والضعفاء والأغنياء والفقراء والسعداء والأشقياء والمرضى والأصحاء، فنفذت بذلك أضخم مجزرة جماعية وأكبر جريمة أخلاقية في تاريخ البشرية.

فخلال ثلاثة أيام قتل ما يقرب من مائتين وخمسين ألف شخص وجرح أكثر من مائة ألف في مدينتين فقط وبقيت آثار الإشعاع والتشوية تؤثر في أجيال متتابعة من سكان المدينتين، وكان من بين القتلى طلاب مدارس يستمعون إلى مدرسيهم وأطفال صغار يمرحون في الحدائق بين الزهور، وأطفال رضع كانوا على صدور أمهاتهم، وعجائز لا يملكون دفع الأذى عن أنفسهم أو التسبب في الضرر لغيرهم، وقبل ارتكاب هذه الجريمة الكبرى ارتكبت الولايات المتحدة ضد المدنيين اليابانيين جرائم أخرى من أكبرها قيام الطائرات العسكرية الأمريكية من طراز ب 29 خلال يومي 9، 10 مارس 1945م بإسقاط قنابل النابلم الحارقة على الأماكن المزدحمة بالسكان في العاصمة طوكيو، مما أدى إلى مصرع ثمانين ألفًا من المدنيين خلال يومين.

وإذا كانت الحروب تدفع الساسة في بعض الأحيان إلى التخلي عن أدنى المستويات الأخلاقية والمشاعر الآدمية في الحروب؛ ومنها عدم التعرض للمدنيين خاصة من النساء والأطفال وكبار السن؛ فإن ما أقدم عليه الأمريكيون يفوق كل أوصاف الجشع الآدمي والإحساس الإنساني، فخطورة تفجير القنبلتين النوويتين على هيروشيما ونجازاكي لا تكمن في هذه الجريمة الكبرى التي ارتكبت في حق الإنسانية كلها فحسب، وإنما تكمن في رفض الولايات المتحدة حتى الآن الاعتراف بهذه الجريمة أو قبول مبدأ مناقشتها بشيء من الموضوعية والمواجهة مع النفس، ولم يقف الأمر عند حد المسؤولين الأمريكيين والساسة الذين سحقوا حياة ربع مليون من البشر في ضغطتين اثنتين على أزرار في الطائرتين اللتين ألقينا القنبلتين على هؤلاء البشر، وإنما وصل الأمر إلى حد رفض الطيارين الذين ارتكبوا هذه الجرائم بحق الإنسانية أن يعتذروا عنها أو يبدوا شعورًا بالذنب تجاه ضحاياهم من النساء والأطفال والضعفاء الذين قتلوا في لحظات معدودات، وقتلت معهم أحلامهم وذكريات ماضيهم وآمال مستقبلهم، بل إن هؤلاء الطيارين يعتبرون ما أقدموا عليه هو إنجاز حضاري حتى إن الطيار الذي كان قد كلف بإلقاء قنبلة ثالثة على مدينة يابانية ثالثة ثم ألغيت مهمته بعد استسلام اليابان قال: «لقد شعرت في ذلك الوقت بخيبة أمل حينما أبلغوني بإلغاء العملية، فقد أردت أن أعرف كيف يكون ذلك»! أما الطيار بول تيبتس الذي ألقى القنبلة الأولى فقد قال في إجابته عن سؤال طرحته عليه الواشنطن بوست مؤخرًا عن مدى شعوره بالذنب، أو المعاناة نتيجة لفعلته التي سحقت مدينة كاملة بكل ما عليها من الجماد والبشر: «لا.. لم يحدث أن عانيت من أي أرق نتيجة للتفكير في هذه المسألة ولن أعاني أبدًا من مثل ذلك.. فأنا لم أقم بعمل يمكن أن أخجل منه»! وقال طيار أمريكي آخر ممن شاركوا في إلقاء القنبلة دون أن يبدو عليه أي نوع من التأثر: «لقد كنا في تلك الأيام ننفذ الأوامر.. صحيح أن كثيرين من الناس قتلوا في انفجار واحد كبير، ولكن القنبلة كانت إنجازًا أنقذ حياة الكثيرين أيضًا»!

إن نجاح الولايات المتحدة في تكوين نفسيات من جنودها يحملون هذا العداء الكبير للإنسانية والاستهانة التامة بسحق مائة ألف إنسان أو أكثر بقنبلة واحدة واعتبار ذلك إنجازًا أو شيئًا من تنفيذ الأوامر أو عملًا لا يستحق أي شكل من أشكال الندم أو المعاناة أو الشعور بالأرق أو الإحساس بالخجل لهو في حد ذاته جريمة في بناء الإنسان وتحديد أسلوب تفكيره ونظرته لبني البشر في العصر الحاضر، ومخالفة لكل سنن الكون ومسيرة البشرية وحكمة وجود الإنسان على هذه الأرض وإذا كان المفترض أن يربى الناس على محاسبة أنفسهم والندم على أخطائهم والاعتراف بذنوبهم كأساس لأسلوب بشرى يضمن استمرارية الحياة وحفظ حقوق الإنسان عليها، فإن تربية أمة كاملة من قادتها إلى جنودها على المكابرة والعناد والاستهانة بالبشر وعدم احترام آدميتهم وعدم الاعتراف بالخطأ والندم عليه والاعتذار عنه، بل اعتباره إنجازًا حضاريًا لهم يعتبر من أكبر الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة بعد تفجير قنابلها النووية فوق رؤوس النساء والأطفال في هيروشيما ونجازاكي قبل خمسين عامًا.

وتبقى النظرة إلى المستقبل مخيفة ومرعبة في ظل وجود أمة يفكر أبناؤها بهذه الطريقة، وتتولى اليوم قيادة العالم وهي تملك آلاف القنابل التي ربما تكون أكثر فتكًا ملايين المرات من قنبلتي هيروشيما ونجازاكي، بل إنه في قلب أمتنا الآن يوجد كيان صهيوني مزروع تدعمه الولايات المتحدة بقوة يملك مائتي قنبلة نووية من المؤكد أن كل واحدة منها أكثر فتكًا من قنبلة هيروشيما التي فجرت قبل إعلان قيام الكيان الصهيوني وإذا كان الأمريكيون لا يملكون حتى الآن أي مقومات أخلاقية تجاه حياة النساء والأطفال والعجائز والبشر بصفة عامة في الدول التي لا تملك الردع النووي، فإن اليهود وما يقومون به الآن في فلسطين المحتلة كفيل ببيان سلوكيات هؤلاء التي سيتعاملون بها معنا إذا قدر لهم أن يستعملوا أيًا من القنابل النووية التي في أيديهم ضدنا أو ضد البشرية بصفة عامة.. لكن العجيب في الأمر ليس في امتلاك هؤلاء الذين لا يحترمون آدمية الإنسانية لهذه القنابل الفتاكة، ولكنه في استسلام البشرية لهم والإذعان لسيادتهم حتى يسوقوها.. دون رحمة.. مثل النعاج إلى مصيرها المحتوم.

الرابط المختصر :