العنوان المتلاعبون بنا!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1994
مشاهدات 74
نشر في العدد 1088
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 15-فبراير-1994
لا
أجد شيئًا يمكن أن يقال بعد مشاهدة المذبحة البشعة التي ارتكبها الصرب في الأسبوع
الماضي في سوق سراييفو فأدت إلى مقتل 68 شخصًا وإصابة 200 آخرين بجراح لتكون بذلك
أكبر مذبحة ترتكب ضد المسلمين منذ بداية الحرب في البوسنة في حادث منفرد نجم عن
قذيفة صربية مازالت الأمم المتحدة والولايات المتحدة وحلف الأطلسي يبحثون عن
مصدرها ومَن المتسبب فيها.
فهوية
الضحايا معروفة، وهذا أمر لم يعد له أهمية لدى المخادعين سواء كانوا أمريكيين أم
أوروبيين، أما هوية القذيفة فقد أصبحت هي الأهم لدى الأمم المتحدة والمتفرجين من
ضباطها وجنودها، ولذلك أوفدت الأمم المتحدة عشرات من خبرائها لاستنطاق شظايا
القذيفة عن مصدرها، وذلك مشاركة منهم في التعمية على الجريمة وحجمها ومرتكبيها،
أما الرئيس الأمريكي بيل كلينتون (كيندي الجديد) فلم يشأ أن يعكر صفو الأمريكيين
حينما بلغه الخبر أثناء اجتماعه مع وزير خارجيته كريستوفر في عطلة نهاية الأسبوع،
واكتفى مساعدوه بإصدار بيان يعرب فيه عن "اشمئزازه وغضبه من هذا العمل
الجبان"، ودعا البيان الأمم المتحدة إلى التحقيق في هذا الحادث على وجه
السرعة وقال: إن كلينتون سوف يطلع حلفاءنا في أوروبا والأمم المتحدة حول الموقف
والخطوات المناسبة المقبلة.
وحينما
انتهت عطلة كلينتون خرج للصحفيين وقال لهم: لقد أصدرت تعليماتي إلى الوزير
كريستوفر بأن يتشاور مع حلفائنا في أوروبا ومع الأمم المتحدة بشأن الوضع وبشأن
خطوات مقبلة، ودعا كلينتون حلفاءه إلى توجيه ضربات جوية إلى المدفعية الصربية
المحيطة بالعاصمة سراييفو. واجتمع القادة العسكريون لحلف الأطلسي لترتيب اتخاذ
خطوات عسكرية. وفجأة فتر عزم كلينتون وقال كلامًا مناقضًا لتصريحاته السابقة فصرح
بأنه: قد أعد خطة لإجبار المتحاربين في البوسنة على السلام وحتى الآن لا ندري ما خطة
كلينتون السحرية وكيف سيجبر مجرمي الصرب على السلام في الوقت الذي مازال العرض
المسرحي الهزلي مستمرًا، إلا أن عودة قليلة إلى الوراء وبالضبط قبل عام من هذا
التاريخ حيث كانت إدارة كلينتون في مرحلة الاستعداد لفرد عضلاتها على المسرح
الدولي، وقد جلس كلينتون مع وزيره كريستوفر وآخرين وأعلن عن خطة أمريكية - شبيهة
بهذه التي أعلن عنها بعد المذبحة لإنهاء سفك الدماء في البوسنة والهرسك، ودعا
كلينتون وقتها الأمم المتحدة إلى توجيه ضربات جوية ضد مواقع الصرب المحيطة
بالعاصمة سراييفو، وقام الوزير كريستوفر بجولة كبيرة شملت عددًا من العواصم
العالمية ثم عاد إلى واشنطن بأنباء مخجلة مفادها أن حلفاء الولايات المتحدة رفضوا
الفكرة بحجة أنها ستزيد الموقف سوءًا، وظل كلينتون طوال عام كامل يواصل مع
كريستوفر العرض المسرحي ثم في النهاية يتأسف لموقف الحلفاء ويطرح خطة جديدة تتيح
للصرب مزيدًا من فرص التصفية والقتل للمسلمين.
أما
بطرس غالي فإن عرضه المسرحي كان أكثر مسخًا وهزالة من عرض كلينتون ففي اليوم
الواحد يؤيد غالي قصف الصرب ثم يرفض الفكرة أو يتعلل بمواقف مساعديه، وبعدما كان
يمثل معه في البداية ديفيد أوين وسايروس فانس انسحب فانس وجاءنا شتوتنبرج الذي
يرهقنا بكتابة اسمه وقراءته إتمامًا للمهزلة، ثم جاء الياباني ياسوشي أكاشي ليشارك
بدور في مهزلة الأمم المتحدة في البوسنة، حيث أعلن بطرس غالي قبل المذبحة الأخيرة
معارضته للتدخل العسكري أو قصف مواقع الصرب في البوسنة، ثم عاد فقال إنه سيؤيد
قرار التدخل العسكري إذا طلب ذلك منه قائد القوات الدولية في البوسنة، ولأن قائد
القوات الدولية يعزف مع غالي على وتر واحد فقد أعلن معارضته لقصف مواقع الصرب، ثم
فوجئنا بعدها بفرنسا التي تحمي الصرب وترفض توجيه أي ضربة عسكرية لهم، تعلن فجأة
تأييدها لضربة محدودة لمواقع الصرب ثم حددت هذا التأييد بعمليتين عسكريتين:
إحداهما لفتح مطار توزلا، والأخرى في سربرينيتسا.
واتضح
أن الهدف ليس لحماية المسلمين المساكين المحاصرين والذين يتعرضون للمذابح وإنما
لحماية القوات الدولية الموجودة في المدينتين وإتاحة الفرصة للمناوبة بين القوات
الكندية والهولندية، فبطل عجبنا من التأييد الفرنسي بعدما عرفنا السبب.
إن
مذبحة سراييفو الأخيرة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ففي مايو عام 1992 سقطت
قذيفة على السوق قتلت 16 شخصًا كانوا يقفون في طابور للخبز، وفي يونيو 1993 سقطت
قذيفة أخرى فقتلت 15 وأصيب مائة آخرون، وقذيفة ثانية قتلت 7 أطفال، وقذيفة ثالثة
في نفس الشهر أطلقت على تجمع للمسلمين كانوا يشيعون أحدهم في المقبرة فقتلت 8
أشخاص وأصابت 6 آخرين، وقائمة القذائف والمذابح طويلة، لكن هوية القتلى كانت
معروفة دائمًا، أما هوية القذائف فأصبحت هي محل الجدال في تلك المسرحية الهزلية
التي يقوم بها قادة المجتمع الدولي الذين يذرفون دموع التماسيح في أعقاب كل مذبحة،
ثم يدورون في الحلقة المفرغة التي سيظلون يدورون فيها حتى مقتل آخر مسلم بوسنوي..
أما التهديدات الغربية بقصف الصرب فليست سوى سراب وأوهام، ولم يعد لنا أمل الآن
إلا في جيش البوسنة المسلم الفتي الذي صمد طوال العامين الماضيين وأصبح يحقق الآن
مزيدًا من الانتصارات، أما الذين يعولون على أمريكا وحلف الأطلسي فيجب أن يدركوا
أن هؤلاء لن يفعلوا شيئًا... إنهم يتلاعبون بنا!