; بلا حدود: اللوبي الصهيوني.. «وتأديب» كلينتون | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: اللوبي الصهيوني.. «وتأديب» كلينتون

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994

مشاهدات 70

نشر في العدد 1093

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 29-مارس-1994


اللوبي الصهيوني وإدارة كلينتون: صراع التعهدات والفضائح

لعب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة دوراً هاماً وخطيراً في إيصال الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض، ورغم أن جانباً كبيراً من هذا الدور كان معلناً إلا أن جوانب كثيرة ظلت ولا تزال مجهولة، لكن أول فضيحة سياسية واجهها الرئيس كلينتون بعد فوزه بالرئاسة كشفت الدور الكبير المتوقع أن يقوم به كلينتون لصالح اليهود والدولة الصهيونية؛ فحينما تفجرت فضيحة ديفيد ستاينر رئيس لجنة العلاقات اليهودية الأمريكية «إيباك» التي وصفها رابين في خطابه الأخير بأنها رأس الحربة للعلاقات الخاصة بين واشنطن والقدس، نشرت الصحف الأمريكية في ذلك الوقت نص الحديث الهاتفي الذي دار بين ستاينر ورجل الأعمال اليهودي هاري كاتز، وكان ستاينر قد أشار أثناء حديثه إلى كاتز بأن «إيباك» قد جمعت مبلغ 63 مليون دولار من اليهود الأمريكيين نعمت بها حملة كلينتون الانتخابية ضد بوش. وقد أشار المراقبون وقتها إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة يبدو أنها سوف تطور العلاقات مع الدولة الصهيونية من مرحلة التحالف إلى مرحلة التبعية، وأن حديث ستاينر ربما يكشف حجم التعهدات السرية التي أخذها اليهود على كلينتون مقابل دعمه وإيصاله للبيت الأبيض؛ لذلك حينما بدأت تفوح رائحة الفضيحة سارع ديفيد ستاينر إلى تقديم استقالته من رئاسة «إيباك» وخلفه في المنصب ستيفن جروسمان، وتم إغلاق هذا الملف في حينه حتى لا يسبب حرجاً لكلينتون الذي كان لا يزال يشكل إدارته في ذلك الوقت.

لكن هذا الحادث الذي كشفته المصادفة كان وسيظل الخيط الذي يربط الدعم اللامتناهي الذي تقدمه إدارة كلينتون إلى الدولة الصهيونية وطبيعة الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها الإدارة الأمريكية حال تقاعسها أو تأخرها عن تنفيذ أي من التعهدات التي التزمت بها مقابل إيصالها إلى البيت الأبيض.

فقد كان أول تعهد نفذه الرئيس كلينتون هو أنه جمع أكبر عدد من الصهاينة داخل إدارته، حتى أن عدد المناصب الرئيسية والمتنفذة التي حصل عليها يهود صهاينة في وزارة الخارجية وحدها بلغ سبعة مناصب على رأسهم دينيس روس الذي يجوب الدول العربية الآن كمنسق أمريكي رسمي لما يسمى بمفاوضات السلام، ليقنع الدول العربية أو يجبرها على الخضوع لمطالب "إسرائيل" وشروطها، ولا يستطيع الرئيس أن يقوم بتعيين أي مسؤول رفيع المستوى في أي منصب دون موافقة اللوبي الصهيوني عليه، ولعل حادثة تعيين خلف لوزير الدفاع المستقيل ليس أسبن كشفت هذه الحقيقة بوضوح. ولم يقف النفوذ الصهيوني عند حد وزارة الخارجية، وإنما تخطاه إلى وزارة الدفاع وإلى البيت الأبيض، ويبدو أن اليهود الأمريكيين اكتشفوا أن نفوذهم في الإدارة فاق توقعاتهم، فنشب مؤخراً صراع بين الحرس القديم والحرس الجديد في لجنة العلاقات اليهودية الأمريكية «إيباك» حول الأماكن التي ينبغي على اليهود تركيز نفوذهم فيها؛ ففيما يرى طرف ضرورة تركيز النفوذ داخل الإدارة الأمريكية لاسيما البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية، يرى الطرف الثاني ضرورة تركيز النفوذ في الكونجرس ومجلس الشيوخ، إلا أن الطرفين يعملان في كلا الاتجاهين.

وقد أحصى المراقبون ما قدمه كلينتون وإدارته إلى الدولة الصهيونية خلال عام واحد فوجدوه يفوق كل التوقعات، إلا أن مطلباً أساسياً كان رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إسحاق رابين قد طلبه من الرئيس كلينتون أثناء زيارته لواشنطن في مارس الماضي 1993م وتقاعس كلينتون في تنفيذه، مما جعل اللوبي الصهيوني يقلب لكلينتون ظهر المجن؛ أما المطلب فهو الإفراج عن الجاسوس "الإسرائيلي" جوناثان بولارد الذي وصف وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كسبار واينبرجر حجم المعلومات والوثائق السرية التي سربها إلى "إسرائيل" بأنها «مسيئة إلى حد يصعب محوها وأنه أعطى "إسرائيل" من المعلومات ما يجعل واشنطن تبدو ضعيفة وخانعة وغير قادرة على ممارسة أي ضغط أو مساومة»، ولذلك وصف المسؤولون "الإسرائيليون" بولارد بأنه «الجاسوس الأكثر أهمية في تاريخ الدولة العبرية». ويشير المراقبون إلى أن هذا المطلب كان ضمن التعهدات التي أخذها اليهود على كلينتون قبل دعم ترشيحه إلى البيت الأبيض، إلا أن كلينتون حينما وصل إلى البيت الأبيض وجد تعهده هذا من التعهدات التي يصعب تنفيذها بسبب موقف البنتاجون الذي كان بولارد أحد خمسة أفراد فيه يعلمون دقائق أسراره ومفاتيح الشيفرة لأهم المعلومات فيه، ولذلك حينما طلب كلينتون من وزير دفاعه السابق ليس أسبن أن يبحث عن مخرج للإفراج عن بولارد لم يجد أسبن سوى الاستقالة طريقاً لخروجه من هذه الورطة رغم ما أشيع عن أسباب أخرى لاستقالته.

وحينما شعر اللوبي الصهيوني بأن كلينتون قد بدرت منه بعض التصرفات التي توحي بأنه بدأ يتحرك بشيء من الحرية والاستقلالية ويتقاعس عن تنفيذ المطالب الصهيونية، سعوا إلى تأديبه حتى لا يخرج عن الحدود المرسومة له، وسارعت وسائل الإعلام الصهيونية التابعة لـ «إيباك» بتفجير فضيحة «وايت ووتر» واستثمارها للضغط على كلينتون. ويشير المراقبون إلى أن كل القرائن المتعلقة بتفجير فضيحة «وايت ووتر» تشير إلى أن اللوبي الإعلامي الصهيوني في الولايات المتحدة هو الذي كشف الوثائق الأولى للفضيحة وقام بتقديمها إلى خصوم كلينتون الجمهوريين حتى أصبحت الآن مصدر تهديد كبير للرئيس الذي حاول أن يمتص غضبتهم عليه بإعلانه أمام أعضاء اللوبي الصهيوني «إيباك» أثناء استقبالهم له في البيت الأبيض قبل أيام بأنه يعتبر القدس عاصمة "إسرائيل" الموحدة، إلا أن ذلك لم يمنع إسحق رابين من أن يكرر أمام الصحفيين في واشنطن مطلبه الذي طلبه من كلينتون من قبل بخصوص بولارد قائلاً: «لقد وعدني كلينتون قبل ذلك بالإفراج عنه».

ويبدو أن مؤشر فضيحة «وايت ووتر» سيرتبط بتنفيذ التعهدات التي تعهد بها كلينتون للوبي الصهيوني الذي أصبح يضيق الخناق عليه كل يوم، ولن يقف الأمر عند فضيحة «وايت ووتر» ولكن هناك مسلسل كبير من الفضائح يعده الصهاينة لكلينتون أهمه مقتل «فينست فوستر» صديق كلينتون الذي أعلن أنه انتحر في ظروف غامضة بعد إشاعات عن علاقته مع هيلاري زوجة كلينتون. هذه المعطيات تشير إلى أن المسرحية الهزلية بين اللوبي الصهيوني وإدارة كلينتون لا تزال بها فصول مثيرة، ولكن المؤسف أننا نجلس في موقع المتفرجين الذين هم في نفس الوقت الضحايا.. وإن أضعف دور يمكن أن يقوم به الضحية هو أن يسعى لإدراك أبعاد ما يشاهد وخلفيات ما يدور.. وإلى لقاء.. إلى أن يحين عرض فصل جديد.

 

الرابط المختصر :