العنوان بلا حدود: الدور الأمريكي الجديد في أفغانستان
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996
مشاهدات 106
نشر في العدد 1211
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 06-أغسطس-1996
أكدت الولايات المتحدة أن الدعم الذي قدمته للمجاهدين الأفغان طوال ثلاثة عشر عامًا من الحرب التي خاضوها ضد الاحتلال السوفييتي ونظام الحكم العميل له، لم يكن له أي منطلق أخلاقي أو إنساني، وإنما كان يدخل في إطار الحرب الباردة بين القطبين التي بدأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وانتهت بسقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه في عام ١٩٩١م، فرغم أن الولايات المتحدة أنفقت على الحرب في أفغانستان- خلال الفترة من ۱۹۷۹م وحتى بداية ۱۹۹۲م- ما يقرب من ثلاثة بلايين دولار، إلا أنها أدارت ظهرها لأفغانستان والأفغان عمومًا بمجرد استنفاد غرضها من وراء دعمهم، وتركتهم يخوضون غمار حرب داخلية دموية تدعم أطرافها بعض الدول المجاورة، وجعلت الولايات المتحدة باكستان تنوب عنها في إدارة الصراع في أفغانستان، وتفرغت هي لقضايا ومشكلات مختلفة في مناطق أخرى من العالم، إلا أن باكستان لم تنجح في ترتيب أمور أفغانستان، وإنما دخلت في صراع غير مباشر مع الحكومة الأفغانية عبر حركة طالبان التي كونتها في أكتوبر عام ١٩٩٤م؛ لتكون بديلًا عن حليفها قلب الدين حكمتيار الذي فشل- طوال ما يقرب من عامين ونصف- في أن ينال من حكومة كابل أو يسقطها، علاوة على توصية الولايات المتحدة لباكستان بأن ترفع يدها عن دعم حكمتيار بسبب اتهامات أمريكية- لم تثبت- حول علاقته بحادث انفجار مركز التجارة العالمي في نيويورك، وبعد أن ظلت باكستان تنوب بشكل كامل عن الولايات المتحدة في إدارة الصراع الأفغاني طوال ما يقرب من ست سنوات، بدأت الولايات المتحدة تعيد النظر في أمر هذه الوكالة، وتقوم بالتحرك بنفسها في محاولة لاستيعاب الموقف قبل أن تفلت الأمور بالكلية من تحت سيطرتها، وقد دفع الولايات المتحدة لإعادة ترتيب دورها في أفغانستان عدة أسباب من أهمها:
- عدم نجاح حليفتها باكستان- بعد مرور أكثر من أربع سنوات على سقوط النظام الشيوعي- على أن تأتي بنظام حليف لها في كابل، أو تقيم علاقات حسنة مع نظام الحكم الحالي الذي يتزعمه الرئيس برهان الدين رباني.
- فشل الحركات المناوئة لحكومة رباني- وعلى رأسها حركة طالبان ودوستم، والحزب الإسلامي «حكمتيار»، وحزب الوحدة، والحركات الأخرى جميعًا- في إسقاط العاصمة كابل، أو قدرتها على الانتصار على حكومة الرئيس رباني، مما دفع بعضها لقبول الصلح مع الحكومة، وآخرين لا زالوا يدرسون أمرهم.
- التحالف المفاجئ الذي أعلن مؤخرًا بين قلب الدين حكمتيار وحكومة الرئيس رباني بعد حرب استمرت بينهما عدة سنوات، ومساعي حكمتيار لجذب حلفائه السابقين للمشاركة في الحكومة.
- نجاح رباني جزئيًا في ترسيخ دعائم حكومته ومساعيه لتحسين علاقاته مع الدول المجاورة، ومن أهمها: الهند، وروسيا، وإيران، وكازاخستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، و أوزبکستان.
- تنامي العلاقات الإيرانية- الأفغانية بشكل أصبح يشكل قلقًا للولايات المتحدة في ظل المشكلات الداخلية الكبيرة التي تعاني منها الحكومة الباكستانية، وعدم قدرتها على تفعيل دورها أكثر من ذلك، وخشية الولايات المتحدة من أن تصبح أفغانستان عمقًا إستراتيجيًا لإيران بما يهدد مصالح الولايات المتحدة بشكل مباشر.
- تحرك الجماعة الإسلامية في باكستان مؤخرًا ضد قضايا الرشوة والفساد التي تتهم بها حكومة بوتو، وخشية الولايات المتحدة من زيادة شعبية الجماعة الإسلامية في باكستان، وتقوية نفوذها وعلاقتها بأفغانستان، لاسيما وأن قاضي حسين أحمد- أمير الجماعة- له علاقات وروابط قوية قديمة مع قلب الدين حكمتيار- زعيم الحزب الإسلامي، الذي أصبح رئيسًا للوزراء في أفغانستان- وإمكانية تأثير ذلك بشكل قوي على حكومة بوتو، لاسيما وأن حكمتيار لا يكن ودًا لحكومة بوتو بعدما تخلت عنه لصالح الطالبان بضغوط أمريكية.
- الأهمية الاستراتيجية لأفغانستان كمعبر بري إستراتيجي بين دول آسيا الوسطى والهند والصين وجنوب شرق آسيا، وإمكانية ترتيب ذلك بعيدًا عن المشاركة الأمريكية المباشرة، وذلك بعد افتتاح خط السكك الحديدية الذي يربط بين إيران وأوروبا وجمهوريات آسيا الوسطى.
- انتشار زراعة المخدرات في المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة الأفغانية، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى ازدهار تجارة السلاح، وإثارة القلاقل في المنطقة كلها، بما يجعل أي تحرك أمريكي لاستيعاب الموقف بعد ذلك يعتبر أمرًا صعبًا.
- عدم خضوع مناطق كثيرة في أفغانستان لسلطة حكومة شرعية معترف بها جعلها مرتعًا لكثير من الهاربين والناقمين على الأنظمة المختلفة بما فيها الولايات المتحدة، وروسيا، وأوروبا، ومناطق أخرى من العالم، بما يعني أن عدم الاستقرار في أفغانستان معناه إثارة القلق لكل الدول التي ساعدت- بشكل أو بآخر- في زعزعة هذا الاستقرار خلال السنوات الماضية.
لهذه الأسباب وغيرها شعرت الولايات المتحدة أن قضية أفغانستان بدأت تفلت وتخرج عن نطاق السيطرة، وأن حليفتها باكستان قد استنفدت ما لديها من حيل، وأن حكومة الرئيس رباني بدأت تتغلب على بعض المشكلات التي تواجهها، فأخرجت الولايات المتحدة ملف أفغانستان من أدراج وزارة الخارجية، وبدأت تمارس اللعب بنفسها، وأوفدت روبين رافائيل- مساعدة وزير الخارجية الأمريكي- وهي واحدة من اليهود النشطين في وزارة الخارجية الأمريكية- إلى أفغانستان، حيث التقت مع مسؤولين حكوميين أفغان، وكذلك مع مسؤولين في الحركات والجماعات المعارضة للحكومة، وعادت في يونيو الماضي إلى الولايات المتحدة، حيث رفعت إلى الإدارة الأمريكية تقريرًا تفصيليًا عن الوضع هناك، وفي جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الأمريكي عقدت في 6 يونيو الماضي قالت رافائيل: «إن أفغانستان أصبحت قناة للمخدرات والجريمة والإرهاب، ويمكن أن يؤثر هذا بشكل مباشر على مكانة باكستان، ودول آسيا الوسطى المجاورة، كما يمكن أن يؤثر على أوروبا، وروسيا، بل والولايات المتحدة»، ولاشك أن كلامًا مثل هذا يمكن أن يقض مضاجع الأمريكيين، بعدما ثبت لهم أن النيران التي تركوها تشتعل في أفغانستان بدأت تحرق أيديهم، وأن حليفتهم باكستان لم تعد لها قدرة على إطفائها، ومن ثم قام السيناتور هانك براون- عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي بعد زيارة قام بها إلى أفغانستان في إبريل الماضي- بدعوة قرابة عشرين شخصية أفغانية على رأسها الرئيس برهان الدين رباني، والقائد أحمد شاه مسعود، إضافة إلى زعماء الفصائل الأخرى لزيارة الولايات المتحدة في يونيو الماضي للحوار معهم حول البحث عن حل للأزمة الأفغانية، إلا أن أيًا من هؤلاء لم يذهب، وأرسلوا مندوبين لمجرد التعرف على الموقف الأمريكي، ثم أعلنت أمريكا عن مشروع مؤتمر على غرار مؤتمر دايتون، وطالبت بوقف إمداد الأفغان بالسلاح، متجاهلة أن السوفييت قد تركوا في أفغانستان أسلحة تكفي لاستمرار الحرب بها خمسين عامًا.
لقد شعرت الولايات المتحدة الآن أنها بدأت تجني حصاد ما زرعت في أفغانستان، وبدأت تستعيد الملف الأفغاني، ولكن بعدما اتسع الخرق فيه على الراقع، ولو أنها شغلت نفسها خلال السنوات الماضية باستخراج ما تستطيع من عشرة ملايين لغم تركها السوفييت في أفغانستان تحصد العشرات من الأفغان كل يوم، أو أعادت توطين ثلاثة ملايين أفغاني لا زالوا مشردين في باكستان وإيران، لكان أفضل من ترك حلفائها يشعلون فتيل الحرب تارة بحكمتيار، وأخرى بالطالبان.
لقد كان التحرك الأمريكي الأول في عام ۱۹۷۹م تجاه أفغانستان غير أخلاقي وغير إنساني بشهادة الأمريكيين أنفسهم، وها هي أمريكا تعود مرة أخرى إلى أفغانستان بنفس المنطق ونفس الأسلوب، وإذا كان معظم الأفغان الذين يخوضون الحرب ضد حكومتهم الآن يخوضونها نيابة عن الآخرين، فإن نيران الحرب اذا لم يتم إطفاؤها فإن شررها سوف يتطاير، ويحرق الآخرين ومصالحهم، وكما فشل السوفييت مع الأفغان من قبل، فسوف يفشل الأمريكيون من بعد... فما هي يا ترى أبعاد اللعبة الأمريكية الجديدة في أفغانستان؟