العنوان الانتخابات الرئاسية والنفوذ اليهودى في فرنسا (2-2)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995
مشاهدات 79
نشر في العدد 1147
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 25-أبريل-1995
رغم أن اليهود الفرنسيين لا يزيد عددهم عن
سبعمئة ألف نسمة من عدد سكان فرنسا البالغين 65 مليون نسمة، وأنهم بذلك يشكلون
نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بعدد السكان، إلا أن تأثيرهم في صناعة القرار في فرنسا
يفوق حجم أية جماعة ضغط أو لوبي آخر، والأمر لا يقف عند حد مساعدة شخص مثل فرانسوا
ميتران للبقاء أربعة عشر عامًا في قصر الإليزيه، مما جعل ميتران الذي عرف بتاريخه
الغامض الذي فسرته عدة كتب صدرت مؤخرًا في باريس منها «ميتران الزعيم الماسوني»،
و«ميتران والأربعين حرامي»، من أكثر الزعماء الفرنسيين دعمًا لإسرائيل حتى إن وزير
الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز أشار في حوار نشرته صحيفة لوفيجارو الفرنسية في
أوائل إبريل الجاري إلى أن ميتران كان يدعم «إسرائيل» من منطلق عقائدي، وقال بيريز
ردًّا على سؤال حول علاقته الحميمة مع ميتران: «لقد كان ميتران خير صديق لنا وهو
واحد من قلة من رجال الدولة الذين يعرفون مشكلات الشرق الأوسط جيدًا، فالرئيس
ميتران معجب باليهود وهو يقرأ التوراة بانتظام، ذات يوم كنت أزوره وقد وجدت نفسي
وحيدًا في غرفته فألقيت نظرة على الكتب الموجودة على طاولته فلاحظت أنها تتعلق
بالأزهار والطيور والأدب الروسي مع كتاب توراة مفتوح وتبدو عليه هيئة الكتاب الذي
غالبًا ما يتم استعماله».
وقد نبعت قوة يهود فرنسا ونفوذهم من خلال
عوامل عديدة من أهمها تركزهم في باريس والمدن الرئيسية الكبرى وحرصهم على السرية
التامة في كافة تحركاتهم مما ساعدهم في السيطرة على مجالات التأثير الرئيسية في
البلاد مثل: المجال السياسي، والمجال الاقتصادي، والمجال الإعلامي ومجال التعليم،
وهي أخطر المجالات تأثيرًا في بناء أية دولة.
ففي المجال السياسي، رغم أن فرنسا لم يحكمها
رئيس يهودي حتى الآن إلا أن اليهود استطاعوا في أعقاب الحرب العالمية الثانية
إيصال أكثر من رئيس فرنسي موالٍ تمامًا للمصالح اليهودية إلى قصر الإليزيه، مثل
جورج بومبيدو وفرانسوا ميتران، حتى إن شارل ديجول الذي كان يبدو مواليًا للقضايا
العربية كان يتبادل -كما قال بيريز- إعجابًا عميقًا مع بن جوريون، كما أن فرنسا قد
أمدت إسرائيل في عهده بكثير من التكنولوجيا العسكرية والنووية، كما قدم اليهود بعض
رؤساء الوزارات الفرنسية مثل: ليون بلوم وبيير مانديس وميشيل دوبريه، وقد ضم هؤلاء
في وزاراتهم عددًا من مشاهير الوزراء الفرنسيين اليهود، مثل: موريس شومان وليون
هامون وكثيرين غيرهما.
أما في المجال الاقتصادي.. فإن النفوذ اليهودي
وصل إلى كافة القطاعات الاقتصادية، ففي قطاع البنوك.. يسيطر اليهود على اثنين من
أكبر المصارف الفرنسية وهما: «بنك إخوان روتشيلد» و«الشركة الفرنسية» وفي قطاع
التجارة، يملك اليهود أشهر المتاجر الفرنسية في مجال الأزياء والعطور والفراء،
وصناعة الأحذية، والأقمشة والمجوهرات مثل: محلات «جاليري لافاييت» و«تيد بيلادوس»
و«برانتون» و«أندريا» و«ناتالي» و«ليفي»، وفي قطاع الطاقة والبترول يسيطر اليهود
على عشرات الشركات التي تعمل في هذا المجال مثل: «الشركة العامة للطاقة والكهرباء»
و«الاتحاد المالي للصناعة الكهربائية» و«اتحاد الكهرباء»، كذلك يسيطر اليهود على
قطاع الصناعات الحربية، وتشير موسوعة العلوم السياسية التي أصدرتها جامعة الكويت
إلى أن اليهود الفرنسيين ساهموا بجهد كبير في تطوير الصناعة الفرنسية للطائرات
عامة وطائرات «الميراج» على وجه الخصوص، كذلك يمتلك اليهوديان براون وفرانك أكبر
شركة لصناعة الأقنعة الواقية من الغاز في فرنسا.
أما في المجال الإعلامي فيمتلك اليهود عددًا
كبيرًا من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية ونصف الشهرية علاوة على نفوذهم
وامتلاكهم لأسهم كبيرة في الصحف والمجلات الكبرى مثل: «لوفيجارو»، و«لكسبرس»،
و«لفرانس»، وعلاوة على الصحافة يوجد لليهود نفوذ كبير في التلفزيون الفرنسي كذلك
يوجد لهم نفوذ كبير في مجال صناعة السينما، ومن بين الممثلين اليهود الفرنسيين
المشهورين: أنوك إيميه، وسيمون سينيوريه، ومارسيل مارسو.
ولأن اليهود يدركون خطورة التعليم فقد سعوا في
أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى النفوذ في كافة المؤسسات التعليمية الرئيسية في
فرنسا مثل: الجامعات والإدارات التعليمية، بل وزارة التعليم نفسها، وتشير موسوعة
العلوم السياسية إلى أن رئيس الوزراء اليهودي الفرنسي ليون بلوم قد وعى هذه
الحقيقة جيدًا، فأوكل وزارة التعليم إلى اليهودي جون زاي الذي أحاط نفسه بلفيف من
العناصر اليهودية في المجال التربوي كان لهم تأثيرهم من خلال المناهج التي وضعوها
في تقليل اهتمام الناشئة بالجوانب الأخلاقية، كما توزع عشرات الأساتذة اليهود على
الجامعات الفرنسية وأصبحت جامعة باريس أحد معاقلهم الرئيسية، أما الأكاديمية
الفرنسية فقد برز من بين أسماء الأكاديميين اليهود بها أندريه مالرو، وجوزيف تيسل،
كما يسيطر اليهود على ميزانية وزارة التعليم مما يمكنهم من توجيه مجالات الدراسات
والبحث العلمي.
هذا النفوذ الواضح والكبير لليهود في فرنسا في هذه المجالات الأساسية رغم عددهم المحدود كان من الدوافع الأساسية التي جعلت المرشح الفرنسي للرئاسة إدوار بلادور ينحاز بوضوح إلى المشروع الصهيوني والدولة الصهيونية في تصريحاته أملًا في أن يكون الرئيس القادم بعد ميتران، لكن هذا النفوذ اليهودي يؤكد على حقيقة هامة أنه سواء وصل بلادور أم شيراك إلى قصر الإليزيه فإن أي رئيس قادم لفرنسا سوف يدور تجاه مصالح الكيان الصهيوني في نفس الفلك الذي دار فيه من قبله من الرؤساء سواء كان ديجول أو بومبيدو أو ميتران.