العنوان بلا حدود: الاختراق "الإسرائيلي" من الجنوب
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1184
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 16-يناير-1996
في الوقت الذي يتحرك فيه العدو "الإسرائيلي"- منذ إعلان قيامه على أرض فلسطين في عام 1948م، من إستراتيجية واضحة في التعامل مع الحكومات العربية وصلت إلى حد تفتيت الوحدة العربية وبث الخلافات والفتن بين الدول العربية- واستقطاب كل حكومة على حدة، والاتفاق معها فيما يسمى بمسيرة التسوية في الشرق الأوسط، في هذا الوقت تؤكد معظم المعطيات السياسية العربية على أنها سياسات اللحظة الراهنة وأنها سياسات قائمة على التحرك بعد وقوع الكوارث دون أي سعي مسبق لمنع وقوع هذه الكوارث أو التعامل مع أسبابها، كما تؤكد معطيات هذه السياسة على غياب البعد الإستراتيجي في التعامل مع قضايا الأمة وأهدافها وغاياتها المستقبلية، ولعل أقرب شاهد على ذلك هو ما وقع مؤخرًا عند مدخل البحر الأحمر من ناحية باب المندب حينما قامت إريتريا باحتلال جزيرة «حنيش الكبرى» وطرد وأسر القوات اليمنية الرمزية التي كانت تقيم بها، وانضح فور وقوع العملية بأنها لعبة "إسرائيلية"، وأن «إسرائيل» هي التي قامت بالإعداد والتنفيذ والإخراج لها من أولها إلى آخرها، وأن إرتيريا لم تكن سوى الذراع "الإسرائيلية" التي نفذت، وبذلك تكون «إسرائيل» في الوقت الذي تخدع فيه جيرانها العرب فيما يسمى «بمسيرة السلام» قد وجهت ضربة للدول العربية جميعها أوقعتها في ورطة جديدة كانت تعد لها من قديم، وكانت الدول العربية تستطيع أن تقوم بإجهاض المساعي "الإسرائيلية" من قديم، والحيلولة بين «إسرائيل» وبين قيامها باختراق العالم الإسلامي عبر إريتريا من الجنوب بعدما نجحت خلال السنوات القليلة الماضية في اختراقه من معظم نواحيه.
فالمطامع "الإسرائيلية" في الجزر الإستراتيجية الواقعة في مدخل البحر الأحمر مطامع قديمة، بدأت قبل ما يقرب من عشرين عامًا، وأخذت «إسرائيل» توليها عناية خاصة بعد حرب 1967 م حيث أدركت «إسرائيل» أن أمنها في البحر الأحمر لا يبدأ عند خليج العقبة، وإنما يبدأ من باب المندب الذي يمكن إن أحكم إغلاقه أن يشكل تهديدًا لأمنها، ومع وجود عشرات الجزر المهملة في تلك المنطقة فقد بدأت «إسرائيل» في ترتيب علاقات قوية مع إثيوبيا منذ ذلك الوقت تخولها استخدام بعض الجزر التي تستطيع من خلالها تأمين الملاحة "الإسرائيلية"، ومراقبة الوجود العسكري العربي في المنطقة، وقد تأكد وجود قدم قوية "لإسرائيل" في باب المندب في بداية عام 1973 م، حيث نشرت بعض الصحف الأمريكية في مارس 1973 م بأن "إسرائيل" قد وضعت يدها على بعض الجزر التي تقع في مدخل البحر الأحمر ومن بينها جزيرة «زقر» التي تعتبر أحد أهم الجزر الإستراتيجية التي تتحكم في مضيق باب المندب، وقد طالبت اليمن وقتها باسترداد الجزر من "الإسرائيليين" ونوقش الأمر بالفعل في الجامعة العربية حيث اكتشفت بعض اللجان التي شكلت وأجرت مسحًا للجزر بأن الجزر مهملة بالفعل وأن احتمالات تشير إلى قيام "إسرائيل" بتركيب أجهزة رادار في الجزر بمساعدة نظام هيلاسلاسي في إثيوبيا، وقد دفع هذا الأمر مصر في ذلك الوقت إلى التحرك لدى الدول المطلة على مداخل البحر الأحمر لمناقشة الأمر لا سيما وأن مصر كانت تعد في ذلك الوقت لحربها مع «إسرائيل» التي قامت بالفعل في أكتوبر 1973 م وتم إغلاق باب المندب وقتها بالفعل في وجه الملاحة "الإسرائيلية"، مما دفع «إسرائيل» إلى السعي بقوة لترسيخ نفوذها في المضيق.
ومع إهمال الدول العربية لوضع الجزر بعد انتهاء الحرب فقد وضعت «إسرائيل» الجزر ضمن أساسيات أمنها الإستراتيجي، لذلك وطدت علاقاتها مع النظام الإثيوبي، وكانت تدعم إثيوبيا بقوة ضد الإريتريين، وبعد هيلاسلاسي دعمت «إسرائيل» منجستو هيلا ماريام الذي لعب دورًا بارزًا في عام 1985 م في عمليات ترحيل اليهود الفلاشا إلى «إسرائيل» وقد قام أسياس أفورقي الذي كان أحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا في ذلك الوقت بلعب دور لصالح «إسرائيل» حينما ساعد في ترتيب عمليات نقل اليهود الإريتريين فتم دعمه ليصبح في عام 1987 م زعيمًا للجبهة، ورغم أن «إسرائيل» و«الاتحاد السوفييتي» كانا يدعمان النظام الإثيوبي بقوة ضد الإريتريين، وكان العرب يدعمون الإريتريين طوال سنوات كفاحهم التي استمرت ما يزيد على ثلاثين عامًا، إلا أن الولايات المتحدة تدخلت بقوة في عام 1989 م وسعت لترتيب أوراق القرن الإفريقي من جديد بما يخدم مصالحها الإستراتيجية ومصالح حليفتها الرئيسية في المنطقة «إسرائيل» ومع تقاعس العرب مدت «إسرائيل» يدها لأفورقي وأدخلت إريتريا ضمن دائرة نفوذها.
فرغم أن 75 % من سكان إريتريا البالغ عددهم أربعة ملايين نسمة هم من المسلمين فيما لا يزيد المسيحيين عن 20 %، و5 % يتبعون ديانات أخرى، لذلك فإن الولايات المتحدة قد ركزت جهدها حينما بدأت تتدخل في القرن الإفريقي بقوة في النصف الثاني من الثمانينيات على دعم الجبهة الشعبية التي يتزعمها أفورقي والتي لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من المسيحيين الذين لا يزيدون عن 20 % من عدد السكان فيما أهملت كافة الجبهات الأخرى وأهمها الجبهات التي تمثل المسلمين والذين تبلغ نسبتهم 75 % من سكان البلاد.
وفي «أتلانتا» دعت الولايات المتحدة في عام 1989 م لندوة عقدت تحت رعاية الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر للبحث عن حلول سلمية للنزاعات الإقليمية في أفريقيا، حيث تم اختيار أسياس أفورقي وحده لتمثيل إريتريا، وفي هذا الوقت تم تكليف مساعد وزير الخارجية الأمريكية اليهودي هيرمان كوهين برسم السياسة الأمريكية في أفريقيا عمومًا والقرن الأفريقي على وجه الخصوص، حيث قام كوهين بترسيخ دعائم أفورقي بدعوته في مطلع يونيو 1991 م لحضور مؤتمر لندن الذي تم فيه الترتيب بين أفورقي وملس زيناوي زعيم المعارضة الإثيوبية في ذلك الوقت على أن يتم منح إريتريا حق تقرير المصير بعدما سقطت العاصمة أسمرة في أيدي الإريتريين بالفعل في 24 مايو 1991 م، وسقوط نظام منجستو هيلا ماريام.
وفي الفترة من مايو 1991 م وحتى إجراء الاستفتاء في 25 إبريل 1993 كانت «إسرائيل» قد رتبت أوضاعها مع كل من النظامين الجديدين في المنطقة نظام ملس زيناوي في إثيوبيا، ونظام أسياس أفورقي في إريتريا، فيما كان العرب يجلسون على عادتهم يترقبون وقوع الكوارث حتى يتحركوا، وقد وقعت الكارثة الأولى المدوية بالفعل حينما ذهب أسياس أفورقي مرتين متتاليتين إلى «إسرائيل» بدعوى العلاج من الحمى الدماغية، الأولى كانت في يناير 1993 م والثانية في مارس من نفس العام، واتضح أن هاتين الزيارتين لم تكونا سوى تتميم للعلاقات الحميمة التي بدأت «إسرائيل» مع إريتريا فور استقلالها، وأنها شملت اتفاقات عسكرية وزراعية وتدريبات مشتركة ووجود «إسرائيل» في جزيرة «دهلك» الإستراتيجية ومراكز تجسس "إسرائيلية" في الجزر الإريترية تمكن «إسرائيل» من التجسس على عدة عواصم عربية، وفيما بدأ الشجب العربي لما فعله أفورقي خرج أفورقي على العالم في عدة حوارات صحفية مؤكدًا أن إريتريا ليست عربية وقال في حوار إلى مجلة «ميدل إيست» نشرته في يوليو 1993 م «لقد أعلنا عن علاقاتنا مع "إسرائيل" منذ وقت طويل، ولم نكن في يوم من الأيام نتعامل مع هذا الأمر باي سرية، وإننا نهدف من هذه العلاقات أن تساهم "إسرائيل" بالنفع على بلادنا» وقد أكد المفوض العام الإريتري في فرنسا دانيال يوهاس في مقابلة أجراها مع مجلة «الوسط» في فبراير 1993 م، على أن الإريتريين ليسوا عربًا، أما الدعم الأمريكي الغربي "الإسرائيلي" لإريتريا فقد شرحته الصحفية الفرنسية ماري سوبتيل في تقرير نشرته في صحيفة لومند الفرنسية في إبريل 1993 م حينما قالت: «لقد نظر الغرب دائمًا إلى إريتريا كحصن منيع أمام الزحف الإسلامي في القرن الإفريقي، ولذلك فهو يدعم أفورقي في إريتريا وملس زيناوي في أديس أبابا معًا».
هذه المعطيات تؤكد على أن ما حدث في باب المندب في ديسمبر الماضي لم يكن سوى نتيجة طبيعية لخطط «إسرائيل» الإستراتيجية في المنطقة وليس صراع إريتري يمني، وأن الأيدي الأمريكية الغربية ليست بعيدة عن الأحداث، ولكن السؤال الذي يبقى يبحث عن إجابة هو إذا كان هؤلاء يعملون لمصالحهم ومطامعهم في المنطقة وفق أهدافهم الإستراتيجية، فلماذا لا يتحرك القائمون على أمر الأمة لغرض خيريتها وسيادتها على العالمين؟.