العنوان بلا حدود.. أمن «إسرائيل»!!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 72
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 02-أبريل-1996
«السلام لم يعد مهمًا لإسرائيل في الوقت الحاضر، كما أن الانتخابات الإسرائيلية لم تعد مهمة أيضًا في هذه المرحلة من تاريخ (إسرائيل)، وإنما الأمر الهام جدًا أو الوحيد أمام الحكومة الإسرائيلية هو أمن اليهود في داخل (إسرائيل)».. هذا هو ما صرح به شیمون بيريز- رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع.. أما الرئيس الأمريكي بيل كلينتون فقد عبر عن نفس المعنى وبعبارات قريبة منه قائلًا وهو يخاطب جمعًا من المنتسبين إلى «منظمة النداء اليهودي» في الولايات المتحدة: «لا أحد يعتقد أن من العدل مطالبة (إسرائيل) بالتخلي عن أمنها كي يتحقق السلام، (إسرائيل) يجب أن تكون قوية وآمنة ومطمئنة إذا أردنا السلام والعدل لكل إنسان في الشرق الأوسط».
هذان التصريحان يعكسان بوضوح الرؤية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة لأمن (إسرائيل) التي يتم صياغتها الآن في اتفاقية سوف توقع في واشنطن خلال شهر أبريل الجاري تتعهد فيها الولايات المتحدة بالحفاظ على أمن (إسرائيل) والشراكة المباشرة في الدفاع عنها وتأمين كل فرد فيها، خاصة الأجيال الإسرائيلية القادمة، حسب تصريحات كلينتون الذي قال مخاطبًا تلاميذ إحدى المدارس اليهودية أثناء زيارته (لإسرائيل) في أعقاب مؤتمر شرم الشيخ: «أريد أن أوجه لكم الشكر لاستقبالي الرائع هنا اليوم، في هذا الوقت من الألم والأسى بالنسبة (لإسرائيل) بأسرها، وخاصة صغار السن في هذه الأمة العظيمة.. لقد أردت أن تتاح لي هذه الفرصة لأتحدث إليكم أنتم «أحداث» هذا البلد لأنه من المهم أن تؤمنوا بأن الخوف يمكن أن يهزم وسيهزم لأنكم المستقبل وردكم على هذه الأعمال الجبانة سيرسم شكل مستقبل بلدكم..».
لقد أصبحت التصريحات الإسرائيلية- الأمريكية وما يتبعها من سلوكيات عملية لا تمثل دعاية انتخابية للطرفين كما يحلو للبعض أن يردد، ولكنها أصبحت تمثل استراتيجية (إسرائيلية- أمريكية) مشتركة، فما يسمى بمسيرة السلام بين العرب و(إسرائيل) أصبحت لا تعني شيئًا (لإسرائيل) والولايات المتحدة لأن العرب باختصار أصبحوا يذهبون إلى أبعد مما يطلبه الأمريكيون أو يحلم به الإسرائيليون، ولم يعد الجلوس إلى موائد المفاوضات مطلبًا أو التطبيع غاية، وإنما أصبحت مسئولية الدول العربية مجتمعة عن أمن (إسرائيل) وأمن صغار السن في هذه الأمة العظيمة.
كما قال كلينتون؛ هو المطلب الأساسي لأمريكا و(إسرائيل) الذي يجب أن يقوم به العرب وهم صاغرون، حتى يكبر هؤلاء الصغار ويقوموا بذبح العرب في الحروب القادمة بين العرب واليهود.
فأمن (إسرائيل) يعني أن تقوم الطائرات الإسرائيلية بقصف جنوب لبنان وقتل المدنيين وهدم قراهم أثناء انعقاد قمة شرم الشيخ دون أن تقوم الدول العربية حتى بشجب العدوان الإسرائيلي، وأمن (إسرائيل) يعني وضع الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة في سجن كبير تمنع عنهم فيه الأدوية والطعام والشراب حتى يموت الأطفال وكبار السن على المعابر دون أن يذرف السيد كلينتون دمعة واحدة من الدموع التي ذرفها على الإسرائيليين، وأمن (إسرائيل) يعني أن يصبح ياسر عرفات شرطيًا إسرائيليًا يتلقى راتبه ورواتب موظفيه من الكونجرس الأمريكي والدول الأوروبية حتى يقمع أبناء الانتفاضة التي عجزت (إسرائيل) عن قمعهم، وأمن (إسرائيل) يعني أن يفخر السيد عرفات كل يوم بعدد الذين قبض عليهم وزج بهم في السجون من أبناء فلسطين المحتلة إرضاء (لإسرائيل) والولايات المتحدة، وأمن (إسرائيل) يعني أن يقوم الجيش الإسرائيلي بالدخول وقتما يشاء إلى ما يسمى بمناطق سلطة الحكم الذاتي للقبض على أبناء حماس والجهاد فيما يعمل جنود عرفات أدلاء لهم.
وأمن (إسرائيل) يعني أن يخاطب السيد عرفات كل يوم وسائل الإعلام العالمية وهو مُطَأطَأ الرأس وغير قادر على مواجهة الكاميرات فيما يتوعد باقتلاع حماس من جذورها وتدمير البنية التحتية لها، وأمن (إسرائيل) يعني أن يعلن رئيس وزرائها بيريز أمام وسائل الإعلام العالمية قائلًا: «نحن في (إسرائيل) لن نقوم بأية عملية عسكرية في وقت يتوقعه الجميع وإنما سنفاجئ العالم بقوة (إسرائيل) في الرد الرادع على الفلسطينيين واللبنانيين وحماس وحزب الله، حتى تكون (لإسرائيل) اليد العليا في المفاوضات السلمية، ليس مع الفلسطينيين فقط وإنما مع السوريين واللبنانيين أيضًا لنحصل بالسلام على الأمن الذي نريده.
وأمن (إسرائيل) يعني أن تمتلك (إسرائيل) ثلاثمائة قنبلة نووية فيما تمنع كل الدول العربية من استخدام الطاقة النووية حتى في المشروعات السلمية، وأمن (إسرائيل) يعني أن تكون ميزانية (إسرائيل) السنوية العسكرية في عام ١٩٩٤م وحده ۷.۲ مليار دولار فيما بلغت ميزانية الدول المتاخمة لها مجتمعة مصر وسورية والأردن ولبنان في نفس العام ۲.۹ مليار دولار.
وأمن (إسرائيل) يعني أن يدنس الجنود الصهاينة مساجد المسلمين ومقدساتهم كما يحدث الآن في الضفة وغزة دون أن يعترض على ذلك أحد، وأمن (إسرائيل) يعني أن تهدم منازل الفلسطينيين بالجرافات أو تنسفها (إسرائيل) بالمتفجرات أمام وسائل الإعلام العالمية، حتى بلغ عدد المنازل التي هدمتها منذ اندلاع الانتفاضة في نهاية عام ۱۹۸۷م وحتى الآن ٨٦٧ منزلًا.
وأمن (إسرائيل) يعني مصادرة ما تشاء من أراضي الفلسطينيين حتى بلغ مجموع ما صادرته من أراض منذ مؤتمر مدريد عام ۱۹۹۱م وحتى الآن ١٥٠ ألف دونم من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وأمن (إسرائيل) يعني أن كل من يعترض على ما يسمَّى بمسيرة السلام يصبح إرهابيًا، وكل من يدافع عن وطنه يصبح مخربًا، وأمن (إسرائيل) يعني أن يغرق الصهاينة الدول العربية التي يدخلونها بالعملات المزيفة والمخدرات والإيدز والأمراض المدمرة للثروة الزراعية والحيوانية، وأن يعيثوا في الأرض فسادًا دون أن يجرؤ أحد على أن يعترض أو يقول لا.
إن هذه المعطيات تؤكد على حقيقة واحدة هي أن ما يسمى بمسيرة السلام ليس سوى سراب ومنزلق للوصول للهدف الرئيسي الذي أعلن عنه كل من كلينتون وبيريز، وهو أمن (إسرائيل).. فهل سيصل الحال بالدول العربية إلى أن تنسى أمنها وتتفرغ حسب المطلب (الأمريكي- الإسرائيلي) للحفاظ على أمن (إسرائيل)؟!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل