العنوان أصول عرفات وجذوره
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1232
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 31-ديسمبر-1996
بلا حدود
حينما دعا الرئيس الأمريكي بيل كلينتون كلًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، وزعيم السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، والرئيس المصري حسني مبارك، والملك حسين ملك الأردن، إلى واشنطن في سبتمبر من العام 1995م للتوقيع على ما يسمى باتفاقية «أوسلو- 2» بين عرفات ورابين أقام الرئيس الأمريكي حفل استقبال في أحد متاحف العاصمة واشنطن للزعماء الأربعة، بعد التوقيع على الاتفاقية، وبينما كان ضيوف الحفل من صحفيين ودبلوماسيين ورجال أعمال، ومسؤولين يلتقون حول الزعماء الخمسة، بادر رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بالحديث فصمت الجميع، ووجه رابين كلامه إلى ياسر عرفات قائلًا: «إنني أتساءل إذا كنت يهوديًا؟»، هنا امتقع وجه ياسر عرفات وضج الجميع بالضحك، وصفقوا طويلًا، فيما استمر رابين على جديته في الحديث قائلًا للضيوف وللمراسلين الصحفيين: «إن هناك صفات أساسية في اليهود يتمتع بها السيد عرفات»، وأضاف قائلًا: «في تراثنا اليهودي قول مأثور يرى أن رياضة اليهود هي فن الخطابة»، ثم تابع بعد فترة من الجدية مخاطبًا عرفات الذي زاد تجهمه قائلًا: «بدأت أعتقد أيها الرئيس عرفات أنك قد تكون يهوديًا».
هذا الحوار الذي بدأ بسيطًا في حينه من رابين إلى عرفات لم يكن بسيطًا بالفعل في مدلولاته، وإنما كان يرمي إلى أهداف بعيدة، وإلى أمور سعى كثير ممن بحثوا في أصول عرفات وجذوره إلى التقصي عنها وسط تضارب يعتبره البعض لا زال قائمًا في هذه الناحية.
ففيما أكد كثير من الباحثين الذين تناولوا سيرة عرفات بأنه ولد في حي السكاكيني في القاهرة في شهر أغسطس من العام 1929م، وأنه قضى شطرًا رئيسيًا من حياته في مصر، وأن معظم عائلته تعيش هناك حتى الآن، وأنه يتحدث بلهجة مصرية أكثر منها فلسطينية، ففيما أكد كثير من الباحثين على ذلك، وتتبعوا ذلك بالتفصيل كما ذكر الدكتور عبد الله النفيسي في زاويته «عدسة مجهر» التي نشرت في صحيفة الوطن في 11 /12 /1996م نقلًا عن كتاب أندرو جاوزوتوني ووكر عن حياة عرفات، بينما هذه تعتبر حقائق ثابتة لدى كثير من الباحثين، إلا أنها غير مريحة لياسر عرفات، كما ذكر داني روبنشتاين في صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية قبل أيام- فمن يتصل بديوان ياسر عرفات من الصحفيين أو الباحثين، مطالبًا بالحصول على معلومات حول سيرة حياته، يقولون له إنه ولد في القدس على اعتبار أن القدس هي أفضل الأماكن التي تجسد المشكلة الفلسطينية، والتي تؤكد أن الرجل الذي يجلس على رأس السلطة الفلسطينية، نشأ وترعرع على أرض وتراب فلسطين، غير أن هذا التضارب في المعلومات حول سيرة عرفات وجذوره أخذ أبعادًا أكبر من مجرد مكان ولادته ونشأته إلى جوانب أخرى تتعلق بما ذكره رابين، وبما يردده بعض المقربين من الرجل، فقد نشرت صحيفة «الرأي العام الكويتية» في عددها الصادر في 12 ديسمبر الحالي نقلًا عن مراسلها في القدس أنه اطلع على تقرير سري أعده أحد أعضاء الوفد المرافق للسيد فيصل الحسيني- مسؤول ملف القدس في منظمة التحرير الفلسطينية- أثناء زيارته التي قام بها مع وفد مرافق إلى دمشق مؤخرًا، حيث عقد سلسلة من اجتماعات مع القادة السوريين وقادة الفصائل المعارضة لعملية السلام، وكان هذا التقرير حسبما ذكرت الصحيفة معدًا للعرض على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وكانت مفاجأة التقرير هو أنه أثناء اجتماع الوفد مع السيد أحمد جبريل- الأمين العام للجبهة الشعبية- القيادة العامة- تحدث جبريل للحسيني والحضور عن جذور عرفات وأصوله دون أن يرد عليه الحسيني «بالحد الأدنى الذي يتناسب وما قاله» حسبما ذكرت الصحيفة، وقد بدأ جبريل كلامه قائلًا: «يا فيصل أنت ابن عبد القادر الحسيني.. عمك أو جدك الحاج أمين الحسيني تحالف مع الألمان من أجل قضية فلسطين، وعندما صدر قرار مجلس الأمن الداعي إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، رفض الحاج أمين التوقيع على هذا القرار وغادر إلى لبنان وبقي هناك إلى أن توفاه الله».
وأضاف جبريل: «الحاج أمين كان يحذرنا من ياسر عرفات وكان يقول لنا هذا الرجل ليس من آل الحسيني كما يدعي، وكان عرفات يدعى أنه من آل الحسيني، وبعد تدقيقنا في هويته والرجوع إلى المرجعية الإسلامية لآل الحسيني في المغرب أفادتنا هذه المرجعية بأن عرفات ينحدر من أسرة يهودية هاجرت إلى فلسطين اسمها القدوة، وعمل والده بعد ذلك ختامًا لدى آل الحسيني في القدس، ثم تزوج من امرأة من عائلة السعد التي تعتبر فخذًا من أفخاذ الحسيني، وهي- أي المرأة- أنجبت ياسر عرفات».
وواصل جبريل حديثه قائلا: «... وكان عرفات يفاوض الإسرائيليين سرًا في أوسلو، وكم تحملت أنت يا فيصل من عرفات الشتائم نتيجة مواقفك من أجل القدس، وحينما قرر تعيينك عضوًا في اللجنة المركزية لحركة فتح، ثم عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كان يريد تعزيز ادعاءاته بالحرص على أن القدس هي عاصمة فلسطين، علمًا بأن الاتفاق بين يوسي بيلين ومحمود عباس «أبو مازن» ينص على أن عاصمة الدولة الفلسطينية- إذا أقيمت هذه الدولة- ستكون أبو ديس، وليس القدس كما يدعي أبو عمار، ولذا يجب أن تكون على ثقة أنه عندما سلمك ملف القدس إنما أراد إيجاد عمل لإلهائك به، وليواصل هو ترديد القول إن القدس عاصمة فلسطين، حتى بعد أن تعهد للإسرائيليين بإغلاق كل المؤسسات الفلسطينية في القدس».
انتهى بذلك شق الكلام الذي هو شاهدنا من التقرير، وما دفعني إلى الاهتمام بهذه الرواية التي ذكرها جبريل للحسيني هو أني سمعت هذه الرواية تمامًا قبل أكثر من عامين نقلًا عن أحد الشخصيات المقربة من عرفات، تلك الشخصيات التي توالي عرفات من أجل الانتفاع بما تحت يديه أكثر من قناعتهم بما يقوم به.
وبغض النظر عن دقة وصدق الرواية من حاجتها إلى مزيد من التمحيص، فإنها قد أضافت بعدًا في الجور التي لا زالت غامضة لياسر عرفات، والتي أثارها رابين في العام الماضي بتساؤل من المؤكد أنه لم يلقه اعتباطًا، ولئن جمعت هذه الروايات بعضها إلى بعض ووثقت بالفعل فإنها تكون حلًا لكل ما يدور على الساحة الفلسطينية من أحداث، وتميط اللثام عن كثير من التصرفات والسلوكيات التي يعتبرها بعض المراقبين ألغازًا، ولعل الأيام القادمة تأتي بالمزيد!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل