; بلا حدود- أبعاد العرض المسرحي «الإسرائيلي» الأخير في لندن | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود- أبعاد العرض المسرحي «الإسرائيلي» الأخير في لندن

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1994

مشاهدات 73

نشر في العدد 1111

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 09-أغسطس-1994

في حركة بدت وكأنها مشهد من مسرحية مرتبة خرج إسحاق رابين -رئيس وزراء الكيان الصهيوني- للصحفيين في واشنطن فور وقوع الانفجار أمام السفارة البريطانية في لندن في السادس والعشرين من يوليو الماضي ليعلن أن "إسرائيل تواجه موجة من الأعمال الإرهابية الأصولية".

وأضاف قائلاً: "ليس لدي أدنى شك في أننا نواجه موجة جارفة ومتطرفة من الأعمال الإرهابية وإن الحركات الأصولية تملك بنى تحتية في العالم أجمع.. في الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية".

هكذا قبل بداية أي تحقيق فإن المتهم جاهز دائمًا لدى رابين، وسرعان ما وقع وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر- الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز بالعاجز، وقالت عنه "التايم": "يبدو كريستوفر كناقل للمعلومات وليس كصانع قرار"- في الفخ "الإسرائيلي" وخرج للصحفيين يكرر ما قاله رابين باتهام الإسلاميين بأنهم وراء الانفجار، ليؤكد صحة وصف "التايم" له بأنه ناقل معلومات وليس صانع قرار.

بل إنه قال في تصريح نقلته الوكالات في 27/ 7/ 1994م: "إن حزب الله يجب أن يهزم" وهذا التصريح يعتبر بكل المقاييس سقطة كبيرة من وزير خارجية دولة كبرى؛ لأنه تحريض أمريكي سافر "لإسرائيل" لغزو جنوب لبنان والاعتداء على المدنيين اللبنانيين الذين هربوا إلى الشمال في أعقاب التحريض الأمريكي السافر للكيان الصهيوني.

ووقعت وزارة الخارجية البريطانية في الفخ نفسه الذي وقعت فيه وزارة الخارجية الأمريكية إذ أعلنت عن اتهامها لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" التي تؤرق مضجع الصهاينة في فلسطين المحتلة بأنها وراء الحادث مستندة- على حد زعم الناطق باسمها- إلى مكالمة هاتفية جاءتها من الشرق الأوسط- من السهل أن يكون الموساد وراءها- وقد ساعدت هذه السقطات الأمريكية والبريطانية العرض المسرحي الإسرائيلي على النجاح.


ومع تأكيد المحللين والمراقبين على أن حادث تفجير المركز اليهودي في الأرجنتين في 18 يوليو الماضي الذي راح ضحيته ما يزيد على مئة يهودي بينهم عشرة من ضباط الموساد "الإسرائيلي" هو من فعل عناصر مناوئة للصهيونية، إلا أنهم ذهبوا في حادث تفجير السفارة الإسرائيلية ومقر "النداء الإسرائيلي المشترك" في لندن بعدها بساعات وذلك في السادس والعشرين من يوليو الماضي على أنه عرض مسرحي دعائي مدروس للموساد الإسرائيلي.

واستدلوا على ذلك ببراهين كثيرة ذكرت جانبًا منها محطة "دي -أر- جي" الألمانية في تقرير بثته في التاسع والعشرين من يوليو الماضي، ولعل تصميم الانفجارين بطريقة لا تؤدي إلى قتل أحد يؤكد أنها لعبة مدروسة من الموساد الإسرائيلي لتحقيق مكاسب صهيونية عالمية عاجلة تواكب انضمام الأردن إلى مسيرة الاستسلام.

ومن أهم المكاسب التي يمكن أن تحققها "إسرائيل" من وراء العرض المسرحي المدروس الذي قدمته في لندن:

1.    تحريك الرأي العام العالمي للتعاطف مع اليهود وإبرازهم على أنهم ضحايا الإرهاب "الإسلامي" في الوقت الذي يعلن فيه رابين أنه يمد يده "للسلام" مع كل العرب -على حد زعمه-.

2.    تشويه صورة المسلمين وتصعيد الحملة الإعلامية الغربية ضدهم وإبرازهم على أنهم مجموعة من الإرهابيين والمتخلفين غير المتحضرين، وهذا ما حدث بالفعل من كبريات الصحف ووسائل الإعلام العالمية في أعقاب تصريحات رابين.

3.    تشديد الحراسة على كافة المنشآت اليهودية في جميع أنحاء العالم تحسبًا لضربات موجعة مثل ضربة "بوينس آيرس".

4.    إحراج بريطانيا والنظام الأمني فيها لإعطاء فرصة للموساد للاشتراك مع الأمن البريطاني في التحقيقات ومن ثم الحصول على معلومات عن العناصر الإسلامية التي تقيم في بريطانيا كلاجئين سياسيين ومن ثم العمل على تصفيتهم بالطرق الخاصة كما وعد أحد المسؤولين الصهاينة بذلك.

5.    استعداء الدول الغربية بشكل أكبر على الحركة الإسلامية والتأكيد عليها بأنها أصبحت هي الأخرى هدفًا للإسلاميين، وهذا ما أكد عليه رابين بعد زيارة قام بها إلى واشنطن في نوفمبر 1993م، حينما قال: "إننا نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية".

6.    التضييق على الوجود الإسلامي في الغرب ومحاصرة نشاط الحركات الإسلامية التي يتواجد بعض رموزها في الدول الغربية كلاجئين سياسيين أو مقيمين بصفة مؤقتة في هذه البلاد.

7.    تهيئة الرأي العام العالمي وكسب تعاطفه في توجيه ضربة إلى إيران وإلى حزب الله في جنوب لبنان على أنها ثأر "إسرائيلي" لا يدينه العالم ولا يشجبه.


هذه المكاسب وغيرها تمثل الأبعاد الحقيقية للعرض المسرحي "الإسرائيلي" الأخير في لندن الذي استطاع الموساد أن يخرجه بطريقة فنية مدروسة ووظفه الكيان الصهيوني توظيفًا سياسيًا وإعلاميًا عالميًا ويعد لتوظيفه الآن عسكريًا.

ومع المكاسب التي تحققها "إسرائيل" كل يوم من السقوط العربي المتوالي في مستنقع الاستسلام "لإسرائيل" إلا أن الحركة الإسلامية ستظل هي الرعب المخيف للصهاينة الذي تتمنى "إسرائيل" زواله أو القضاء عليه لكنهم يدركون جيدًا أن من الصعب عليهم القضاء على الإسلاميين أو اختراقهم أو حتى التقارب معهم ولذلك فقد نشرت "الحياة" في عددها الصادر بتاريخ 3 أغسطس الجاري على لسان أحد المسؤولين "الإسرائيليين" في رسالة غزل إلى "حماس" قوله: "لقد استطعنا عقد سلام مع منظمة التحرير، ولا تهمنا الفصائل المعارضة فيها، والعقدة الوحيدة أمامنا هي حماس ونحن نعتقد أننا لن نصل إلى سلام ما دامت حماس تمارس نشاطها".

أما إيمانويل سيفا- مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي- إسحاق رابين- لشؤون الحركات الإسلامية والعالم العربي فقد جاء في معرض محضر اجتماع سري نشره "الوسط" في عددها الصادر بتاريخ 29/3/1993م، قوله: "إنه لا يمكن القضاء على الحركات الإسلامية، ولكن علينا أن ننظر في وقت واحد إلى قدرة التحرك الذاتية لهذه الحركات وما تقوم به الحكومات المعنية تجاهها".

هذه هي حقيقة الموقف الصهيوني من الحركات الإسلامية، فهو موقف انهزامي ضعيف، ومسرحية لندن هي محاولة ضعيفة لتحقيق مكاسب عالمية ضده، ومهما لعبت "إسرائيل" من مسرحيات واستعدت من أنظمة وحكومات على الإسلاميين فستظل الانهزامية هي الروح المسيطر على اليهود وستعقب مسرحية لندن مسرحيات أخرى كثيرة، ولكن ما ذكره مستشار رابين سيظل هو المحور الذي يدور حوله اليهود حتى يغلبوا.

 

الرابط المختصر :