; بغداد.. بوهيميا ما بعد الحرب | مجلة المجتمع

العنوان بغداد.. بوهيميا ما بعد الحرب

الكاتب ماكس رودينبيك

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2003

مشاهدات 57

نشر في العدد 1572

نشر في الصفحة 30

السبت 11-أكتوبر-2003

لم يتبق من مكتبة بغداد إلا النوافذ المحطمة والممرات المتفحمة وكتب تباع على الأرصفة بأبخس الأسعار!

خرج المعتقلون السياسيون والمجرمون من القمقم وانفجروا غضبًا في وجه الكل.. وأكثر ما آلمني ما قصه علي أحد القضاة بمدينة كربلاء

تحولت البلاد إلى مسرح للفوضى وهي حالة ليست بغريبة على بلاد الرافدين.. مواقف عديدة شبيهة حدثت لها عبر التاريخ

دعمت قوات الاحتلال هذه الفوضى بغضها الطرف عن جميع السارقين والناهبين للبنوك والمؤسسات الثقافية والجامعات والوزارات عدا وزارة النفط!

بغداد.. تلك المدينة التي تعرضت لخمس عشرة غزوة منذ أن بناها الخليفة المنصور.. تبدو منهكة بعد أن سلبتها الاقتحامات تاريخها ومجدها وثراءها

 بعد ثلاثة عقود من الحكم المخابراتي ليس من الغريب أن نجد العراقيين مندهشين من ظهور نظام جديد.. شاعرين بكل أنواع التخبط والهذيان.. والأمريكيون لا يقلون عنهم تخطبًا

(*) The New York Review

ترجمة وتحرير: شيرين حامد فهمي

هل جلست يومًا... لتتخيل حصاد الخراب الذي أحاط بعاصمة بلاد الرافدين، فأكل الأخضر واليابس، وخلف من ورائه الضحايا والأموات؟ هل جلست يومًا لتتصور الحالة المزرية التي آلت إليها المكتبة الوطنية - إحدى تلك الضحايا والأموات - التي فتكت بها يد الخراب المجرمة، فحولتها من صرح ثقافي شامخ إلى مرتع وضيع للحمير والبغال؟ إذا عجز ذهنك عن التخيل، وإذا عجز إدراكك عن التصور، فتعال معي، حتى ترى بعينيك ما لا يصدقه عقل ولا يستوعبه منطق.

تعال معي لترى هذا المنظر المهيب، الذي تقشعر منه الأبدان والأجساد: فها هو تمثال صدام، لايزال واقفًا، ولكنه يقف الآن في شكل مختلف.. في شكل مضحك وساخر، منزوع عنه آثار الجبروت التي كانت؛ وها هي بطاقات الكتب تتطاير - بقوة دفع الرياح الموسمية الساخنة- عبر أدوار المكتبة؛ فتصاحبها أشرطة «المايكروفيش» المحروقة، والتي تبين بعد ذلك احتواؤها على صفحات من جريدة «النيويورك تايمز» بتاريخ نوفمبر ۱۹۷۹، وها هي الممرات المتفحمة السوداء، التي تستطيع أن تتطلع عليها من خلال ثنايا النوافذ المحطمة؛ وها هي كتب المكتبة، تباع على الأرصفة مع الساعات والأحذية، بأبخس الأسعار، لتصير من أربح أنواع التجارة لدى الباعة المتجولين. وأخيرًا.. ها هي اللافتة المعلقة في مدخل المكتبة - والتي مازالت واقفة بالرغم من كل ما حدث- لتقول لنا تلك الكلمات: «إن المكتبة لها حرمة المستشفى ولها قدسية بيت الله؛ فتعامل معها وكأنك هناك». ويبدو أن هذه اللافتة هي آخر ما تبقى من الحطام الأدبي الذي نال ملايين الكتب والمجلات.

ولنتأمل معًا «ميدان الحرية»، الذي احتضن في أحشائه تحفة فنية باهرة، سجلت وصورت كفاح الجنس الآدمي لنيل حريته. تلك التحفة المعمارية، التي نحتتها يد الفنان العراقي «جواد سليم»، احتفالًا بتحرر العراق من النظام الملكي في عام ١٩٥٨. وقد كان لهذا الفنان الفضل في إرساء وترسيخ النمط الحداثي في الرسم والنحت العراقي، ويكفي القول بأن جيل جواد سليم، مثل الجيل الواعد الطموح الذي منح العراق اسمًا متألقًا في سماء الثقافة والفن، وسط العالم العربي بأسره. فلا نخفي سرًا، أن قراءة الكتب كانت تتم في بغداد، بعد كتابتها في القاهرة وطباعتها في بيروت. ولكن هذا الأمر لم يستمر طويلًا فيموت «جواد سليم» في عام ١٩٦١، أسدل الستار على «العراق الحرية»، ليبدأ عهد جديد.. ليُرفع الستار على مشهد جديد، يظهر فيه الفنان العراقي.. إما مُلقى في غيابات الجب، أو محتوى من قبل بلاط السلطة.

وهكذا ماتت الطاقة المكنونة المتوهجة، التي وصفها يومًا جواد سليم؛ فقال: «بالرغم من كل شيء كان الفنان في بلاد الرافدين لديه القدرة الدائمة على التعبير عن ذاته؛ حتى في ظل الدولة الآشورية المتهجمة.. حيث كان الفنان الحقيقي لا يبالي بالكلام حتى ولو بين فكي الأسد». كان جواد سليم - الذي لم يعاصر عهد صدام حسين- يرى الآشوريين من أطغى البشر الذين حكموا العراق.

بعد سقوط نظام صدام، تحولت البلاد إلى مسرح من الفوضى واللاوعي؛ وهو وضع ليس بغريب على بلاد الرافدين. فمنذ القدم، كان الأكراد في الشمال - وكذلك المسيحيون الآشوريون - يقيمون

الاحتفالات والليالي الملاح، احتفالًا بسقوط الحكام. فأما الأكراد، فكانوا يشعلون الشموع في عيدهم المسمى «بالنيروز»، معلنين فرحتهم بسقوط الحكام الجبابرة، الذين يمتصون دماء شعوبهم، وأما المسيحيون الآشوريون، فكانوا يشربون حتى النخاع.. فعيدهم الذي يبدأ في الأول من أبريل، يبيح لهم فعل كل المحظورات.

 إن حالة الفوضى تكاد تكون هي الحالة الوحيدة التي تهيمن على الساحة العراقية، عند لحظة سقوط النظام. ولدينا أمثلة عديدة عبر التاريخ العراقي، فبعد سقوط بغداد في أيدي المغول في عام ١٢٥٨، وإلى أن استعادت بغداد نهضتها في القرن التاسع عشر، كان البدو يعيثون في الأرض فسادًا؛ حيث كانت عملياتهم من السرقة والنهب تعم مدن الحضر المطلة على النهر، الأمر الذي أدى إلى عرقلة النمو الحضاري في تلك المناطق. وفي وقت احتلال العراق للكويت، حدثت نفس الفوضى.. أو تم السماح بحدوث نفس الفوضى، من اقتحام متاحف الدولة الكويتية إلى حرق مكتباتها.

وفي أعقاب الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، والذي مثل إنهاء صلاحية رئاسة صدام إلى الأبد، ارتكبت نفس الفوضى.. لقد خرج المعتقلون السياسيون والمجرمون من القمقم، وانفجروا غضبًا في وجه الكل. وأكثر ما آلمني، ما قصه علي أحد القضاة بمدينة كربلاء؛ عن أحد العراقيين قام بقتل أربعة رجال داخل صيدلية؛ حيث تبين بعد ذلك أن الجاني كان قد خرج توًا من سجن «أبو غريب» - وهو متهم بجريمة قتل- فأفرغ طلقات النار في أجساد هؤلاء الأربعة، لامتناعهم عن إعطائهالمخدرات التي طلبها.

 وليت الأمر وقف عند هذا الحد؛ فقد دعمت قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية هذه الفوضى، من خلال غض طرفها عن جميع السارقين والناهبين، سواء في البنوك أو الوزارات أو المؤسسات الثقافية أو الجامعات،ولكنها لم تغض طرفها عن وزارة البترول ومحطات الطاقة؛ بل وقفت بالمرصاد لكل ناهب أو سارق، ولكل من تسول له نفسه اقتحامها فالأمر هنا يختلف.

وكانت نتيجة غض الطرف من جانب القوتين المحتلتين: انتهاك جميع المتاحف، من بغداد إلى الموصل إلى تكريت إلى بابل إلى الكوفة؛ ضياع أرشيفات الأفلام والمسرحيات الوطنية؛ فقدان مئات التسجيلات المحلية المتعلقة بالممتلكات والمواليد والشهادات الجامعية.

وطبعًا لم تخل الحرب من الإشاعات. فها هي محطة الأخبار الإيرانية - الناطقة بالعربية - تبث تلك المقولة التي تزعم «أن الجناح المسيحي اليميني الذي يسيطر على واشنطن يسعى بدأب نحو إزالة الحضارة الشرقية»، وأن هذه النوايا الشريرة «تستقي أصولها من أيديولوجية فرانسيس فوكوياما، التي ترى أن الثقافات العتيقة لا قيمة لها أمام الثقافة الأمريكية المهيمنة».

إن الخسائر التي تعرضت لها بغداد على إثر الاحتلال الأمريكي، امتدت عن عمد إلى الأحياء السكنية، وإلى التحف المعمارية الحديثة التي تخص الشعب العراقي، ولا تخص صدام «حتى قصور صدام» - كما يبين باحث سياسي بجامعة بغداد - «ملك للشعب العراقي، وليست ملكًا لصدام» وهذه الخسائر ليست جديدة على بغداد.. تلك المدينة التي كانت عرضة للحروب، أكثر من أي بقعة أخرى على هذه الأرض. فمنذ بنائها على يد الخليفة المنصور في عام ٧٦٢ من الميلاد، وهي تتعرض للجيوش الغازية وللقوات المحتلة.. ليس مرة أو مرتين، وإنما خمس عشر مرة، وقد أنهكت هذه الاقتحامات المتتالية عاصمة بلاد الرافدين وسلبت قوتها، كما سلبت تاريخها ومجدها وثراءها.

 فلا غرابة بعد ذلك، أن نعلم أن ما تبقى من تاريخ هذه المدينة صار أقل بكثير مما تبقى في القاهرة، أو دمشق، أو إسطنبول. وقد فطن صدام- المصاب بجنون العظمة- إلى هذه الحقيقة فصمم على سد هذا النقص من خلال الإنفاق ببذخ على مختلف أنواع الفنون في بغداد، فجعل من نفسه راعيًا للفن، وقد أسعفه الارتفاع المدوي لأسعار البترول في السبعينيات لتحقيق حلمه. وليس عليك إلا أن تتجه بنظرك إلى الضواحي الغربية في بغداد، لتجد هناك دليل ذلك ماثلًا أمام عينيك: محارات خراسانية لمسجدين عظيمين، تزيد مساحة كل منهما على مساحة الحرم المكي. ولكن جميع هذه الإنجازات المعمارية والفنية - للأسف - تكسرت وتحطمت على صخرة السياسة القمعية للحكم البعثي، تلك السياسة التي مورست بشراسة تجاه الدول المجاورة الضعيفة، كما مورست تجاه الشعب العراقي.

لقد تعرض العراق على مدى العشرين سنة الأخيرة - تحت ظل الحكم البعثي- إلى تدهور حاد وملحوظ تجلى في عدة مشاهد مأساوية: فقدان ثلاثة ملايين لاجئ عراقي، بينهم العديد من ذوي العقول الفذة؛ انتقال الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة، وهي إحدى آثار العقوبات الاقتصادية التي فرضت على العراق منذ عام ١٩٩٠: وأخيرًا، حرمان الشعب العراقي من اللحاق بأي بارقة تقدم تحدث في أنحاء العالم أو حتى من الحلم بها. ومن الجدير بالذكر، أن حدة التدهور ازدادت ضراوة في الآونة الأخيرة.. فبغداد التي رأيتها عام ١٩٩٠، كانت لا نقل جمالًا ورونقًا عن الكويت أما بغداد عام ٢٠٠٣ فكانت لا تختلف كثيرًا عن الخرطوم أو كينشاسا.

 ولست أنا الوحيد الذي لمس ذلك الفارق الكبير.. فها هو كريم فخري، الذي عاد توًا من منفاه في دمشق، ينطق متعجبًا ومندهشًا: «إن الأمر صار أسوأ بكثير مما كنت أتوقعه. لقد قام صدام بجر هذه البلاد خمسين عامًا إلى الوراء، والأمر ليس متعلقًا فقط بالفقر المدقع وإنما بالبشر والناس، الذين ظهرت عليهم علامات ذلك التراجع». وبالرغم من عودة كريم فخري إلى مسقط رأسه أخيرًا - بعد نفيه ثلاثة عقود نتيجة لانتماءاته الشيوعية- إلا أنه لا يرى نفسه متحفزًا للوضع الجديد الذي حل على العراق. فالحياة السياسية - كما يرى كريم - أضحت محصورة بين الأصوليين من جهة والبعثيين «الذين ما زالوا يصرون على بعث قوتهم من جديد» من جهة أخرى؛ وكذلك محصورة في حلبة التنافس بين ما يريده الداخل وبين ما يريده الخارج ، ومن ثم فهي لن تسمح بإفساح المكان لأولئك الليبيرالبين العالمين- أمثال كريم فخري - الذين ينتمون إلى المدرسة القديمة.

والشيء العجيب، أنه بالرغم من السرقات التي تمت في معهد الفنون، إلا أن «رواق الحوار» ظل مزدهرًا، كما لم يكن من قبل ذلك الرواق - الموجود في «فيلا» أنيقة بشمال بغداد، والمحاطة بحديقة غناء كواحة لشباب بغداد المتمرد - صار مزدهراً ليس فقط باللوحات التي صارت تباع على قدم وساق، ولكن باللقاءات والنقاشات بين الفنيين والمعماريين، وهنا يقول الدكتور فاضل حميد: صحيح أن مؤسساتنا قد دمرت ولكن العقول المبدعة ما زالت موجودة.

وكان من ضمن الرواق الممثل العراقي المعروف هيثم عبد الرازق، الذي أخبرنا عن أصدقائه في الخارج الذين طالما ألحوا عليه لترك العراق؛ وكيف أنه كان يرفض في كل مرة لاقتناعه وإيمانه بأن الظلم موجود في مختلف الدول العربية؛ وإنما يتفاوت الظلم من دولة إلى دولة. ونتيجة لهذا الظلم، كان عبد الرازق وأقرانه من الممثلين، يعبرون عن أنفسهم من خلال لغة «المجاز» تارة، ومن خلال لغة «الرموز» تارة أخرى؛ وهم الآن فرحون بما لديهم من قصص وروايات، «خزنوها» طيلة فترة العقوبات فأخيرًا، سيتمكنون من إظهار هذه الأعمال إلىالنور.

 إن المناخ في الرواق يبدو شبابيًا، بوهيميًا منتشيًا وسعيدًا بما آل إليه النظام القديم، الذي وصفه لنا أحد كتاب القصص القصيرة - أُغلقت دور نشره من قبل حزب البعث - بأنه كان يمثل نفق الظلمات والمخاوف وقد مضى في حديثه إلينا قائلًا، بأن الأعمال القيمة - التي كانت تستحق القراءة طيلة العقد الماضي - كانت تصل إلى أيديهم عبر وسيلتين لا ثالث لهما: إما أن يتم تهريبها من الخارج؛ وإما أن يتم تصويرها في الخفاء بين المقربين الموثوق فيهم. أما الأدباء الكبار، فكان مصيرهم جميعًا النفي؛ إلا اثنين: رعاد عبد القادر الذي توفي فجأة في يناير الماضي، ومحمود البريكان الذي قتل في العام الماضي. لقد كان «الصداميون الصغار» -الذين كانوا يسيطرون على مؤسسات الدولة الثقافية والفنية - يخمدون أي مبادرة وليدة، أو موهبة فريدة «تخيل مثلًا أن المسؤول عن السينما والمسرح كان يمشي حاملًا المسدس في جيبه».

 وعلى المنضدة المجاورة، جلس بعض ممثلي المسرح، الذين ينتمون إلى مجموعة غير رسمية، تسمى الناجون، هؤلاء الممثلون كانوا محظورين - من قبل الحكم البعثي - من تقديم مسرحية «هاملت» «ربما لأنها كانت مليئة بالحكام القتلى» وما إن وضعت الحرب أوزارها، حتى سارع هؤلاء الممثلون ليقدموا ما كانوا محرومين منه.. على مسرح الرشيد، الذي نال قسطًا من الخراب مثل ما نالته المكتبات والمتاحف، وفي مسرح الرشيد، أخذ المتفرجون يلتمسون طريقهم إلى المقاعد بين ركام الزجاج المكسور والروائح النتنة. وعندما جلسنا ننظر إلى المسرحية بدت لنا مفككة من أول وهلة، ولكنها بدت أيضاً مفعمة بالمشاعر والأحاسيس... لاحظنا وجود مولد كهرباء تمت استعارته، ليضيء خشبة المسرح... الشخصيات الموجودة على المسرح، ضمت كلًا من: سارق، لاعب جيتار، راقصين، رسام، أديب، شهرزاد وأم ثكلى. أما الشخصيات المحورية، فكانت تتألف من جندي، قد أعيته الحرب فخلع زيه الرسمي ومن مستبد متغطرس. كان الجندي يصرخ دائمًا في وجه المستبد قائلًا: «أنت لا تمثل الشعب». «أنا الشعب، وأنت الدكتاتور المتغطرس». وهنا يصفق الجمهور بشدة. وعندما يموت الجندي، ينهض الدكتاتور على خشبة المسرح، ليوجه كلامه إلى الجمهور قائلًا: «أنتم جميعًا مذنبون ومخطئون». ثم ينظر إلى جثة الجندي الهامدة ويقول: «ربما تكون أنت أقل خطأ» وبهذه الجملة يحمل الدكتاتور جثة الجندي على «ونش»، ويجرها خارج خشبة المسرح.

وتنتهي المسرحية؛ وينفجر الممثلون في البكاء، ويجيء «المستبد» ليشرح للجمهور، أن مغزى المسرحية كلها يدور حول الآتي: «نحن أحرار، ونحن كنا دائمًا أحرارًا، وسنبقي أحرارًا على الدوام». «وأما بالنسبة للأمريكيين، فنقول لهم... شكرًا وعودوا إلى بلادكم».

إن العراقيين لديهم مشاعر متناقضة ومتضاربة حيال القوات الأمريكية. فهم يدركون جيدًا أن واشنطن التي «خلصتهم» من صدام هي نفسها واشنطن التي كانت تؤيد صدام بشدة؛ وهي التي عاقبت شعبه بالحصار والعقوبات؛ وهي أيضًا التي فجرت العراق لكي تتخلص من صدام، وهم يدركون أيضًا أن وجود الأمريكيين على أرضهم، يمثل إهانة واضحة للكرامة الوطنية ، وإهانة أكبر للكرامة الدينية، ولكنهم يدركون في الوقت نفسه، أن هذه القوات - بالرغم من كل ما قد سلف - تمثل الضمان الوحيد لاستقرار الأمن في البلاد، ولو حتى في الوقت الراهن؛ وأنها تمثل أيضًا الضمان لعودة العراقيين إلى الحياة الطبيعية التي تكفل لهم الانفتاح على العالم الأوسع، واللحاق به. «المترجم، الكاتب يعكس هنا منظور فوكوياما الذي يؤكد أن اللحاق «بجنة الغرب» هو الطريق الأمثل للدول «المتخلفة»»

ونظرًا للانقسامات الإثنية المعروفة في بلاد الرافدين، فقد جاءت استجابات العراقيين حيال الحرب مختلفة ومتباينة. فالأكراد، مثلًا، ينظرون إلى بوش - سواء الأب أو الابن- نظرة تبجيل وتقدير، بل يصفونهما بكونهما بطلين قوميين، ولكنهم في الوقت نفسه، يخشون الخيانة، التي جربوها مرارًا وتكرارًا.. مع الولايات المتحدة. وأما المسيحيون، فهم يحنون ويتوقون إلى الحماية الغربية؛ ولكنهم في الوقت نفسه، يتوجسون ويرتابون من تحول البلاد إلى «الإسلام السياسي» بعد زوال نجم البعثيين العلمانيين. وأخيرًايأتي رجال الدين الشيعة- بالرغم من انقساماتهم حول دورهم المطلوب على الساحة السياسية - ليوصلوا إلينا رسالة موحدة؛ وهي: أن الولايات المتحدة تخلصت من صدام لخدمة مصالحها الخاصة؛ وأن جيشها سيلقى منا - نحن الشيعة- أشد المعاناة والمكابدة وسنجعلهم يغادرون بلادنا، أجلًا أو عاجلًا.

«حيدر».. سائقي الخاض من الشيعة أيضًا، ولكنه ليس متدينًا بهذه الدرجة، التي عليها رجال الدين قبل الحرب، كان حيدر متكتمًا شديد التكتم على السياسة، وعلى كل ما يدور في فلكها. ومثل جميع أقرانه، يتهم حيدر صدام وأقاربه بالسرقة؛ ولكنها سرقة من نوع آخر ليست كسرقة المكتبات والمتاحف.. وإنما هي سرقة الحياة. لقد سرقوا نصف حياته أثني عشر عامًا قضاها كمجند بالإجبار في حروب قذرة لا طائل منها؛ ثم عشر سنوات في وحل من الفقر والضنك. ولذا، كانت أول إطلالة له على الدبابات الأمريكية، وهي تدخل بغداد، هي أسعد لحظات حياته. ولكن ما إن وضعت الحرب أوزارها، حتى بدأ حيدر في التذمر والتبرم، قائلًا: «إذا كان الأمريكيون قادرين على الإتيان بعشرة آلاف دبابة فلم لا يقدرون على الإتيان بمولد كهرباء واحد؟ اتركوهم ليستخرجوا بترولنا ونفطنا. أتركونا نحيا الحياة التي تعيشها الشعوب الطبيعية في الدول الأخرى».

ولننتقل الآن إلى ميدان الفردوس، الذي شهد السقوط المروع لتمثال صدام، والذي تحول- بعد الاحتلال - إلى ميدان للخطباء والمحتجين وموزعي الكتيبات والنشرات. لقد أضحى ميدان الفردوس برلمانًا مفتوحًا للعراقيين. إذا مررت اليوم بميدان الفردوس، فسوف تجد نفسك أمام أكبر حشد من المعارضين العراقيين، الذين يصبون جام غضبهم على الاحتلال الأمريكي لبلادهم. فها هو رجل ملتح يصرخ بأعلى صوته: «الأمريكيون كفار.. إنهم يسرقون نفطنا، بينما يتركون العراقيين المسلمين يعانون الأمرين للحصول على الجازولين.. يتركونهم يمشون أميالًا للحصول عليه»، وها هو رجل آخر- يبدأ في غناء أنشودته التي تقول: «السنة والشيعة إخوة؛ هذه البلاد ليست للبيع!» ولا غرابة، أن نجد هذا الميدان قد صار سببًا لإثارة غضب الجنود الأمريكيين خاصة أنه بات يشكل معوقًا لحركة المرور.

العراقيون لم يعتادوا رؤية الأجانب أو الأغيار بصفة عامة؛ فقد انقطعوا عن العالم، وفقدوا صلتهم به لفترة طويلة من الزمن. وهم يعتقدون أنني كأجنبي، أستطيع أن أوفر لهم ما يحتاجونه من علاج، أو عمل، أو حتى بعض العدل الذي يتوقون إليه، أو أخبرهم عما ستفعله الولايات المتحدة معهم. 

بعد ثلاثة عقود من الحكم المخابراتي، ليس من الغريب أن نجد العراقيين مندهشين من ظهور نظام جدید؛ شاعرين بكل أنواع التخبط والهذيان. والأمريكيون لا يقلون عنهم تخبطًا. فهم ملومون ومذمومون في جميع الأحوال. فإذا ما تدخلوا كثيرًا، اتهموا بالإمبريالية؛ وإذا ما قللوا من حدة التدخل، اتهموا بالفوضى. هذا بالإضافة إلى موقف واشنطن الغريب تجاه الأمم المتحدة، والمنظمات العالمية غير الحكومية؛ ذلك الموقف الذي آخر وصول خدمات تلك المنظمات الأسابيع ممتدة؛ الأمر الذي زاد من ضغط العمل على الموظفين الأمريكيين.

أما الوضع في بغداد، فهو يجعل الجنود الأمريكيين أكثر تخبطًا وارتباكًا. فالأوامر كثيرًا ما تبدو غير منطقية مثل تلك التي منعت العراقيين من حمل أي سلاح. فالذي لا يدركه الأمريكيون أن الملايين منهم يطوفون ويهيمون في أنحاء بغداد.. كأشباه ادميين مما يجعلهم أكثر إثارة للرعب والهلع من مجرد حملهم للسلاح؛ خاصة أنه ليس لديهم أي مؤسسة تؤويهم.

 وأما المكتب الأمريكي المتخصص في المساعدات الإنسانية وإعادة البناء «ORHA»، فحدث ولا حرج. فهو مكتب دعائي أكثر مما هو مكتب خدمي، وكل إنجاز بسيط- مثل صرف «زوادة» علاوة للأطباء قدرها عشرون دولارًا- يتحول إلى إنجاز عظيم ضخم، ويعلن عنه أنه خطوة تاريخية تجاه الديمقراطية أما إذا نظرت إلى أرض الواقع، فستجد الأمر مغايرًا تمامًا: فالهواتف مازالت معطلة؛ والأسعار مازالت مرتفعة؛ والمنتجات مازالت شحيحة؛ والأمن لا يزال غائبًا؛ والرواتب الحكومية ما زالت منقطعة «ومن اللافت للنظر، أن الرواتب الحكومية لم يتم قطعها في حرب الخليج الثانية في عام ۱۹۹۱، بالرغم من أن آثار التفجير كانت أكثر اتساعًا».

وختامًا.. فإن الحيرة ما زالت مهيمنة على الشارع العراقي فحتى هذه اللحظة، لا يفهم مجموع العراقيين السبب الحقيقي وراء قدوم الأمريكيين، وقطعهم لكل هذه المسافات؟ أحقًا كان هدفهم هو إنقاذهم؟! الأقاويل حول الأسلحة الكيميائية لم تكن أبدًا مقنعة لهم ، الكثيرون منهم شاركوا الأمريكيين في كره صدام، ولكنهم في نفس الوقت يعون جيدًا أن الإدارة الأمريكية كانت في يوم من الأيام سندًا قويًا لحزب البعث.

 وربما يفسر هذا إحدى أهم الظواهر التي تلونت بها الساحة العراقية، بعد «حرب التحرير»، وهي الإحساس العام بعدم السعادة؛ وفقدان البهجة في وسط العراقيين، الذين اجتمعت لديهم جميع أحاسيس الخوف والهلع الهلع.. بسبب الماضي، والهلع بسبب المستقبل. فحتى الآن لا يصدق العراقيون أن الكابوس الطويل قد انتهى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 99

101

الثلاثاء 09-مايو-1972

الشباب (99)

نشر في العدد 228

109

الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

العالم الإسلامي (العدد 228)

نشر في العدد 1800

102

السبت 03-مايو-2008

مدن إسلامية