; بعض فتاوي التحريم عائق أمام طريق الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان بعض فتاوي التحريم عائق أمام طريق الدعوة

الكاتب نجدت كاظم لاطه

تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002

مشاهدات 84

نشر في العدد 1515

نشر في الصفحة 43

السبت 24-أغسطس-2002

خلص بعض الإسلاميين -لا سيما في العقد الأخير- إلى ضرورة العودة إلى الذات للتقييم والتوجيه وتصحيح المسار، وتجديد الوسائل، ومعرفة العوائق التي تقف في طريق الدعوة. لشعور هؤلاء بضعف النتائج إذا ما قيست بحجم الجهود المبذولة في العمل الإسلامي، وهكذا دأب الدعاة إلى الله في مراجعة الذات، فالله عز وجل يقبل من العمل أخلصه وأصوبه، وقد كتب في هذا المجال العديد من الكتب والدراسات المقالات وكان معظمها تحت عنوان عريض وهو: مراجعات في العمل الإسلامي، وسأقوم هنا بمراجعة إحدى الظواهر التي شكلت عائقًا أمام طريق الدعوة.

كما هو معلوم أن البلاد الإسلامية فشا فيها كثير من الأمراض والعلل التي أدت إلى فقدان السمات الإسلامية التي يجب أن يتحلى بها المجتمع كي يوصف بالمجتمع الإسلامي.

لقد ابتعد المسلمون في عموم حياتهم عن تعاليم الإسلام، ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن جزءًا كبيرًا من المسلمين اليوم لا يصلون ولا يزكون، ولم تعد أكثر الحكومات تحكم بشرع الله، وانتشر للربا، وفتحت الخمارات، وبيوت الدعارة بشكل رسمي في بعض البلدان، ولم تعد الحدود تطبق وانتشر السفور بين النساء المسلمات، ودخل التلفاز إلى البيوت، وأصبح المسلمون يشاهدون أفلامًا عاطفية فيها عُري جنسي دون خجل أو حياء على مرأى من الأبناء والبنات والبعض الآخر في بعض القنوات الأجنبية ما هو أسوأ.

أولويات الخطاب

إن حال مجتمعنا يحتاج إلى خطاب دعوي ملائم لما وصل إليه المسلمون، وهنا تبرز مسألة الأولويات في الخطاب الدعوي وأولى الأولويات دعوة الناس إلى التمسك بالثوابت والأصول والفرائض والابتعاد عن المحرمات القطعية، مما لا يختلف أحد على حرمتها، ونكون قد قفزنا تجاوزنا أولويات كثيرة إن دعونا الناس إلى لتمسك بالفروع والابتعاد عن المكروهات وعما هو يختلف فيه.

وقد يقول قائل إن هذه الأولوية معلومة عند الدعاة، فأقول إن هذه الأولوية معلومة نظريًا، ولكن غير مطبقة في واقع الحياة، وكم من دعاة يركزون في المساجد على تطبيق بعض السنن المختلف فيها، في حين يخطط أعداؤنا لاجتثاث أصول ديننا القرآن والسنة

وتبرز ظاهرة فتاوى التحريم التي يصدرها بعض العلماء بين الحين والآخر، كإحدى العوائق التي تحد من إقبال الناس على الدعوة وعلى التدين، ولا أعني الفتاوى التي تخص ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما لا يختلف اثنان على تحريمه بسبب الأدلة القاطعة التي وردت فيه، وهو في الوقت نفسه، لا يثير إشكالًا بين المسلمين، وإنما أعني الفتاوى التي تحرم ما هو مختلف فيه العلماء، أو هو مما لا يمس الأصول، فهذه الفتاوى المحرمة تجاوزت الخطاب الدعوي الملائم لواقعنا المعاصر، وحملت الناس ما لا يطيقون فأوصدت بذلك باب الدعوة من جهة، وأثارت إشكالات لا حصر لها بين المسلمين من جهة بين أخرى.

وسأتحدث عن ظاهرة فتاوى التحريم من خلال نموذج كان قد كثر الحديث فيه، وتناوله العديد من العلماء هذا النموذج هو الدخان والتدخين، ومن خلاله يمكن للقارئ أن يقيس عليه بقية فتاوى التحريم.

تحريم الدخان

أصدر عدد لا بأس به من العلماء فتوى بتحريم الدخان، وأضاف أحدهم أن حج تاجر الدخان باطل، لأن ماله من تجارة بضاعة محرمة وأنا لا يحق لي أن أصوب أو أخطئ هذه الفتوى من الناحية الشرعية، لأني لست فقيهًا، ولكن سأناقش الفتوى من حيث مدى ملاءمتها لواقع المسلمين اليوم.

أليس من الحكمة عند إصدار فتوى التحريم أن يكون هناك جو ملائم للفتوى، وأن تسبقها إرهاصات ومقدمات لها بحيث يتقبل المسلمون الفتوى بصدر رحب، ويكونون في حالة نفسية وإيمانية تساعدهم على الالتزام بها، والمثل يقول إذا أردت أن تطاع فاؤمر بالمستطاع، وقد علمنا الرسول أن نخاطب الناس على قدر عقولهم وعلى حجم إمكاناتهم، وعلى قدر ما يطيقون... وبمعنى أخر تنزل من أوامر الإسلام ونواهيه على مجتمعاتنا بالقدر الذي تتحمله، وبمعنى ثالث أن نعيد الإسلام إلى مجتمعاتنا جرعة، أما أن نعيده في جرعة واحدة، فإن هذا سيسبب لمجتمعاتنا اختناقًا حتمًا، وسينفر الناس من الإقبال على الدعوة. 

ولنا أسوة عظيمة في القرآن الكريم الذي جاءت آياته متدرجة في تحريم الأشياء، وقد كان هذا التدرج لحكمتين، الأولى: صعوبة تقبل المسلمين الأوائل لنزول التحريم مرة واحدة، وتقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في هذا الشأن فيما يخص تحريم الزني «إن الإسلام لو حرم الزنى في مقدمة الأمر ما تركه الناس».

الثانية: عدم إشغال المسلمين إلا بما هو أهم كأمور العقيدة وغيرها من الأصول والثوابت والفرائض.

وحال المسلمين اليوم لا يختلف كثيرًا عن حال المسلمين الأوائل في بداية الدعوة، ويصعب عليهم اليوم تقبل فتاوى تحريم الأمور المستجدة مرة واحدة، لأن طبائع النفس البشرية واحدة سواء أكانت في العصر القديم أم في العصر الحديث.

وحين يعود المسلمون إلى دينهم ويطبقون الفرائض ويبتعدون عن المحرمات القطعية عندها يمكن أن نصدر فتاوى التحريم بالأمور المستجدة في حياتنا المعاصرة.

وينبغي أن يرافق فتوى التحريم وقوف الدولة مع هذا التحريم فتعمل الدولة على حث الناس على الابتعاد عن هذا المحرم، وتضع قانونًا تعاقب بموجبه المرتكب له، مثلما حدث مع قضية المخدرات فالإنسان يحتاج - بطبعه- إلى رادع عقابي يمنعه من ارتكاب المحرمات. 

لذا وجدنا في مجتمعاتنا نسبة عالية ممن يدخنون غير آبهين بفتوى التحريم، بل إن بعض المتدينين يدخن أيضًا، وإذا سئل عن سبب التدخين بعد صدور فتوى التحريم أجاب بأن بعض العلماء قال إنه مباح، والبعض الآخر قال إنه مكروه، وهذا يعني أن الدخان يدخل ضمن القاعدة الشرعية التي تقول: «لا إنكار في المسائل الخلافية».

فتحاول الابتعاد عن فتوى التحريم فلا تفصمها في الخطاب الدعوي والأمر نفسه نفعله في تعاملنا مع باقي فتاوى التحريم التي تخص الأمور المستحدثة، مما لا يمس الأصول والمحرمات القطعية.

وبهذا نكون قد أنشأنا جوًّا دعويًّا ملائمًا لواقع الناس ليسهل عليهم الإقبال على حياة التدين

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟