العنوان بعد معارك غرب بيروت: منظمة أمل في طريق التحجيم
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1987
مشاهدات 67
نشر في العدد 806
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 24-فبراير-1987
منظمة «أمل»
بقيادة نبيه بري ودعم اللواءين اللبنانيين السادس والثاني، وأطراف أخرى لم توقف حصارها
وقصفها ومحاولات اقتحامها المتكررة والفاشلة لمخيمات الفلسطينيين في أطراف بيروت «شاتيلا
وبرج البراجنة»، وفي أطراف صيدا «عين الحلوة والميه ميه» وفي أطراف صور «الرشيدية»
وغيرها من المخيمات المتناثرة في أرجاء لبنان والتي تضم حوالي نصف مليون لاجئ فلسطيني
نزحوا إلى لبنان بعد نكبة عام ١٩٤٨ واستيلاء اليهود على ديارهم.
لم تتوقف منظمة «أمل» ومن وراءها
عن الحصار والقصف ومحاولات الاقتحام الفاشلة أملًا في تسليم الفلسطينيين في نهاية المطاف
بسبب الجوع إن لم تفلح القوة العسكرية، ومن ثم تسليم أسلحتهم والخروج من لبنان إلى
الأردن أو أي جهة تقبلهم أرقامًا لا حيثية لهم، أو أعدادًا من الناس بلا هوية ولا انتماء
ولا مستقبل.
والثمن
الموعودة به «أمل» كانتون طائفي رديف للكيان الصهيوني وحارس على الحدود المؤقتة لهذا
الكيان، أما الأطراف الداعمة الأخرى فلها مآرب أخرى ربما التقت مع مآرب «أمل» أو تحديدًا
قيادة «أمل» من بعض النواحي.
ولما كانت
أرض لبنان أرضًا زلقة متحركة تتغير فيها التحالفات بين يوم وآخر نتيجة اتضاح الصور،
وتكشف الحقائق بين حين وآخر، ونتيجة تغير القناعات والمصالح الدولية والعربية، فقد
كانت المواجهة حاسمة وعنيفة في غرب بيروت بين حلفاء الأمس واليوم:
- «أمل»
ومعها اللواء السادس والثاني وقوى أخرى من جهة.
- والحزب
الاشتراكي اللبناني بقيادة وليد جنبلاط، والحزب الشيوعي اللبناني بقيادة جورج
حاوي، وقوات «المرابطون» التي سبق ضربها من قبل «أمل» والاشتراكي فيما مضى، والناصريون
الذين انطفأت جذوتهم من جهة أخرى.
والحقيقة
التي أشرنا إليها في مقالات سابقة إن منظمة «أمل» أصبحت معزولة جماهيريًا في لبنان
منذ عدة أشهر، وما التحالفات التي أقامتها مع قوى لبنانية وفلسطينية أخرى إلا تحالفات
مفروضة ضد ما أطلق عليهم في حينه اسم «العرفاتيين» ومع تطور الأحداث واتضاح الرؤية
لدى الكثير من اللبنانيين والفلسطينيين أصبحت «أمل» هي «الغول» الذي يجب انتزاع أنيابه
ومخالبه قبل أن يأتي على كل من في الساحة اللبنانية من فلسطينيين ولبنانيين.
ولقد سبق أن توقعنا، بل دعونا الفلسطينيين
في مخيماتهم إلى كسر الحصار المضروب حولهم والخروج من الحصار والتمدد في أرض لبنان
المعطاء، وبين أهلها المهيأين لذلك، بعد أن تجاوزت «أمل» كل منطق يمكن لفلسطيني أو
لبناني أن يقبله، توقعنا هذا التمدد، ودعونا إليه رغم كل المخاطر التي يمكن أن تنجم
عن ذلك.. ذلك أن ما يخبئه الصهاينة ومعهم الأميركان من تدخل مسلح ومباشر، يقتضي الخروج
من عنق الزجاجة قبل أن يموت الفلسطينيون ومعهم اللبنانيون خنقًا وجوعًا.
ولقد حصل
التمدد لتقليم أظافر «أمل» وتحجيمها، ولكنه لم يحصل من الفلسطينيين مباشرة بل من أطراف
بينها وبين «أمل» تحالف. ولقد قلت إن الأحلاف المكتوبة على الورق لم تعد بالضبط هي
الأحلاف الموجودة على أرض الواقع. ومثلما أن «أمل» تقوم بغرب المخيمات الفلسطينية وحصارها
وتجويعها بالأصالة عن نفسها والوكالة عن غيرها فإن القوى الاشتراكية والشيوعية والقومية
التي قامت بضرب «أمل» وإخراجها حتى الآن من ثلاثة أرباع بيروت الغربية، إنما قامت بهذا
العمل بالأصالة عن نفسها وبالوكالة عن غيرها.
إن ما يجري على أرض لبنان من صراع
سياسي وصراع مسلح ليس معزولًا عن محيطه العربي وامتداده الإسلامي وحتى العالمي. ولا
شك أن هناك متغيرات جرت على الساحات الثلاث نصب جميعها في صالح الفلسطينيين الذين أثبتوا
أنهم قوة لا يمكن القضاء عليها وبالتالي لا يمكن تجاهلها.
فعلى الساحة
العربية لم يستطع أولئك الذين استهانوا بالفلسطينيين أو تصوروا أن في إمكانهم أن يكونوا
بديلًا عنهم في التعامل مع قضيتهم، وبالتالي حاولوا تجريدهم من سلاحهم ومن قرارهم السياسي
على حدٍّ سواء. لم يستطع هؤلاء أن يحققوا أهدافهم رغم كل الضجة الإعلامية، ورغم كل
الأدوات التنفيذية المدججة بالسلاح، أو المتخمة البطون والجيوب، التي سبقت لهذا الغرض،
وبقي القرار الفلسطيني لجماهير الفلسطينيين في الأرض المحتلة، الذين انطلقوا من الجوامع،
ومن الجامعات ليتصدوا للاحتلال الصهيوني ومشاريعه الخبيثة بالحجارة والسكاكين، والزجاجات
الحارقة، والمتاريس، وهتاف: «خیبر، خیبر، یا یهود، جیش محمد سوف يعود».
وبقي القرار
الفلسطيني أيضًا في يد أولئك الفلسطينيين المحاصرين في شاتيلا وبرج البراجنة والرشيدية
وغيرها من المخيمات الفلسطينية في لبنان، الذين تحملوا القصف المتواصل، وصدوا الهجمات
المتلاحقة، وصبروا على الجوع والمرض، ولم يستسلموا للقتلة، وسماسرة السياسة، وأسرى
الطائفية.
وفي المقابل فإن أطرافًا عربية
ذات وزن سياسي ومالي كانت أقرب إلى «الحياد» إزاء ما يجري في لبنان تقدمت في اتجاه
الضغط لصالح الفلسطينيين ورفعت صوتها تقول للمعتدين: كفى! وبذلك اكتسب الفلسطينيون
هذه الأطراف الفاعلة في الساحة العربية، ووجدوا منها التفهم والعطف والدعم المعنوي
والسياسي والمادي.
ثم إن هناك أطرافًا عربية أخرى
كانت في حكم الخليفة للطرف المتصدي للفلسطينيين في لبنان، رفعت صوتها أيضًا لصالح الفلسطينيين
وتعاطفًا معهم.
ولقد كان
للنشاط الاقتصادي الفلسطيني في إفريقيا- ومعظم الإفريقيين المسلمين- أثره الواضح في
التخلي عن خدمات بني صهيون الاقتصادية الزائفة لتحل محلها خدمات الفلسطينيين العرب
المسلمين الحقيقية، وكذلك الحال بالنسبة لبعض الدول الأسيوية.
وهكذا كسب
الفلسطينيون الجولة في مؤتمر القمة الإسلامي الخامس الذي انعقد مؤخرًا في الكويت، وأصبح
القرار العربي والقرار الإسلامي إلى حدٍّ بعيد هو في خدمة القرار الفلسطيني، أو هو
ذاته القرار الفلسطيني، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وعلى المستوى
الدولي، فإن الولايات المتحدة التي حشدت أساطيلها مقابل الساحل اللبناني لم تخف الفلسطينيين
ولا اللبنانيين المتعاطفين معهم، وكل محاولات الولايات المتحدة تجاهل الفلسطينيين بإيعاز
من الصهاينة لم تجد نفعًا، مما اضطرها في الآونة الأخيرة إلى التعامل مع الفلسطينيين
كأمر واقع، إذا لم يكن في الإمكان التخلص منهم عسكريًا وسياسيًا في وقت محدد، ويبدو
أن هذا الوقت قد انتهى أو أزف على الانتهاء.
كما إن
الاتحاد السوفيتي الذي لم تكن علاقاته مع الفلسطينيين على ما يرام في الأشهر الماضية،
يبدو أنه الآن يريد أن يدفع بثقله في اتجاه المنطقة سواء عبر الفلسطينيين أو عبر الاشتراكيين
والشيوعيين. وذلك بعد حديثه المتكرر عن نيته الخروج من أفغانستان، بعد اشتداد عود المجاهدين
الأفغان وسيطرتهم على مناطق واسعة من أرض أفغانستان.
والأنباء التي تحدثت عن دعوة الروس
للرئيس حافظ أسد لزيارة الاتحاد السوفيتي كذلك تحفظ الفلسطينيين في مؤتمر القمة الإسلامي
إزاء مطالب وفد المجاهدين الأفغان وبروز الحزب الشيوعي اللبناني كقوة عسكرية فعالة
في لبنان. وقدرة الحزب الاشتراكي اللبناني الذي يتلقى الدعم مباشرة من موسكو، دون المرور
من دمشق... كل ذلك يشير إلى توجه الروس ليكون لهم دور فاعل في منطقة الشرق الأوسط ينافس
الدور الأميركي أو يتوازى معه.
ومع التوجه
الأميركي الأخير إلى قبول فكرة المؤتمر الدولي لحل «مشكلة الشرق الأوسط» تشارك فيه
الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ومن ضمنها الاتحاد السوفيتي، كما يشارك فيه الفلسطينيون
ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك.. مع هذا التوجه الذي يرفضه شامير ويقبله بيريز، فإن الأحداث
التي تجري على أرض لبنان لا شك أن لها علاقة بما يرسمه الكبار من تقاسم وظيفي إن جاز
التعبير.
ونحن مع
سررونا لتخفيف الضغط على الفلسطينيين، وتحجيم «أمل» التي فاقت كل حد في محاولاتها لأداء
الدور المرسوم لها، فإن الحذر هو المطلوب إزاء الدور الجديد للأطراف الجديدة على الساحة
اللبنانية. وإذا كنا مع قوة الفلسطينيين وبقاء بندقيتهم مشرعة في وجه عدوهم الصهيوني
حتى تحرير فلسطين، فإننا لسنا مع الجلوس على طاولة المفاوضات مع العدو الصهيوني، حتى
وإن طليت بلون المؤتمر الدولي. وسيان عندنا أن يكون الوفد الفلسطيني مستقلًا أو مشتركًا
مع الوفد الأردني، لأن أفضل ما يمكن أن يتمخض عنه المؤتمر الدولي هو دولة فلسطينية
منزوعة السلاح في الضفة والقطاع، بجانب كيان يهودي دخيل يطلب منا أن نعترف به وبحدوده
الآمنة التي يمكن الدفاع عنها.. وهذا يتنافى مع طموحات شعبنا الفلسطيني العربي المسلم
وحقه في تحرير كامل فلسطين من الاحتلال الصهيوني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل