العنوان بعد قمة شرم الشيخ: هل تنخرط كندا في معاداة الإسلاميين؟!
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996
مشاهدات 91
نشر في العدد 1193
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 26-مارس-1996
أثارت التصريحات والمواقف الأخيرة لرئيس حكومة كندا «جون كريتيان» حول الإرهاب والأحداث في الأراضي المحتلة قلقًا عميقا لدى قطاعات واسعة من المسلمين في كندا، فقد وصف «كريتيان» التفجيرات الأخيرة بالقدس بأنها عمليات إرهابية، وقال أنه: لا يجب التسامح مع القائمين عليها والذين يقفون وراءها، كما أنه أبدى استجابة فورية عندما دعي للحضور في المؤتمر الدولي لمواجهة الصحوة الإسلامية الذي عقد في مصر أخيرًا معتبرًا أن حضوره دليل على رغبة حكومة بلاده في دعم مسار السلام الإسرائيلي- العربي، والشد على أيدي القائمين عليه من جهة، وفي التنسيق مع بقية الدول الحاضرة في مواجهة جماعية ضد الإسلاميين، فهل ستمثل هذه التصريحات والمواقف الجديدة بداية لتحول نوعي في الخطاب السياسي الكندي بشكل عام و في خطاب حزب الأحرار الحاكم منذ سنة ١٩٩٣م بشكل خاص في اتجاه الانخراط الموضوعي والعضوي في معاداة الإسلاميين؟
المعلوم في السياسة الكندية فيما يتعلق بالملف الإسلامي هو الاعتدال في التعامل مع قضاياه وأطرافه، فعلى مستوى السياسة الداخلية، وبحكم أن كندا بلد يقوم في ثقافته وفي اجتماعه على تعدد الأجناس والثقافات واللغات، يمثل المسلمون أحد مكوناته، فإن التشريع الكندي قد أكد من خلال روحه ومبادئه ونصوصه الكبرى على مبادئ المساواة في حقوق المواطنة وعلى حرمة الحقوق الأساسية للمواطن ومنها حق التدين وحق التعبير وحق التجمع، وقد جاءت هذه النصوص، وهي لا تزال كذلك، عامة لا تستثنى أحدًا ولا تفاضل أحدًا عن أحد، أما على المستوى الخارجي، فإن المعلوم من السياسة الكندية وخاصة مع حزب الأحرار هو اعتدالها الكبير في معالجة الملفات المستشكلة وإعراضها عن الدخول في صراعات مع أي أحد كان فضلًا عن الانخراط المجاني في أي صراع، كما أن المعلوم منها هو تميزها عن السياسة الأمريكية حيث أقامت كندا علاقات متطورة جدًا مع نظام فيدال كاسترو لا تزال تحافظ عليها وتعمل على تنميتها رغم الخصومة الأمريكية القديمة والمتواصلة مع كوبا، كما أقامت كندا علاقات مع الصين في وقت كانت فيه السياسة الأمريكية تعادي الصين، إلى جانب هذا نجد أن كندا قد ساندت العديد من حركات التحرر الوطنية في العالم وهذا طبعًا زيادة على حضورها المتميز في مجال التعاون الدولي بين دول الشمال ودول الجنوب حيث تعتبر الوكالة الكندية للتعاون الدولي، ذات الميزانية الضخمة أهم سفير كندي في الدول الفقيرة التي يوجد من بينها العديد من الدول الإسلامية في إفريقيا، إلى جانب هذا يضاف ثبات السياسة الخارجية الكندية إلى غاية السنوات الأخيرة في الربط بين علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم بعد احترام حكومات هذه الدول لحقوق الإنسان والحريات العامة وكذلك انفتاح سياسة الهجرة الكندية في مادة الهجرة وقبول اللاجئين لتستوعب العديد من اللاجئين السياسيين المسلمين.
ولئن حافظت الإدارة الكندية على العديد من هذه الثوابت، فإن مؤشرات ووقائع عديدة سجلت خلال السنوات الأخيرة، وخاصة خلال حرب الخليج الأخيرة وعلى إثرها يمكن أن يؤدي تراكمها إلى قيام تحول نوعي في السياسة الكندية فيما يتعلق بالملف الإسلامي في داخل كندا وفي خارجها، ومن هذه الوقائع والمؤشرات يمكن أن نذكر:
1 – التشدد في قبول اللاجئين السياسيين المسلمين وخاصة منهم الذين تدل ملفاتهم على أنهم عناصر نشيطة في العمل الإسلامي أو في حركات إسلامية حتى وإن كانت هذه الحركات مشهودًا لها بالاعتدال أو مستهدفة ومقموعة من طرف حكومات تعتبرها كندا ذاتها أنظمة غير ديمقراطية، وفي إطار هذه السياسة الجديدة تتزايد حالات الطرد والترحيل العديدة قرابة ۱۲۰۰ حالة التي يتعرض لها يوميًا المرفوضين من طالبي اللجوء السياسي الجزائريين بحجة أنهم عناصر في الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو لهم علاقات مشبوهة بالمجموعات المسلحة.
ويتعرض بعض اللاجئين الذين منحتهم المحاكم المختصة في وزارة الهجرة الكندية حق اللجوء السياسي إلى مماطلة طويلة في قبول طلبهم في الحصول على أوراق الإقامة الدائمة في كندا، وصلت في بعض الحالات إلى سبع سنوات وتجاوزت ذلك بكثير في حالات أخرى، كما أن من بين الحاصلين على الإقامة الدائمة من تماطله المصالح المختصة في الحصول على الجنسية الكندية.
2– التضييق على المؤسسات الإسلامية وإعاقة نشاطها بأساليب عديدة أهمها رفض منح تأشيرات دخول للعديد من ضيوفها من العلماء والمفكرين والدعاة الشيء الذي أضعف كثيرا في بعض الحالات إشعاع هذه المؤسسات، هذا وقد ذكر جون كريتيان في تصريح خاطف له قبيل مغادرته العاصمة الكندية في اتجاه مصر الحضور مؤتمر صانعي السلام، عزم حكومته على فتح ملف المؤسسات التي تتحرك في كندا والتي قد يكون لها دور في تمويل الإرهاب الموجود في الشرق الأوسط، وعلى خلاف هذه السياسة مع المسلمين تبدو مصالح الإدارة الكندية متساهلة جدًا في معاملاتها مع المؤسسات التي يقوم عليها ديمقراطيون» و«علمانيون عرب بعضهم جاء مهاجرًا وبعضهم الآخر جاء لاجئًا إلى كندا خلال السنوات الأخيرة يحملون معهم عداء مستحكمًا ضد الإسلام والمسلمين ولا يجعلون لأنفسهم من مهمة أو أولوية سوى ملاحقة المسلمين اللاجئين لكندا من ظلم حكامهم ونقل المعركة الدائرة معهم في البلدان الأصلية إلى المجتمع الجديد وتقديمها على أنها معركة بين تيار رجعي ظلامي متطرف عنيف هو التيار الإسلامي وبين تيار علماني عقلاني مدني وسلمي هو التيار الديمقراطي.. كما تبدو الإدارة الكندية متساهلة إلى أقصى حدود التساهل مع المنظمات اليهودية والصهيونية التي تعمل حثيثًا لجمع ملايين الدولارات سنويًا وتقديمها نقدًا أو في شكل خدمات للمستوطنين اليهود وغيرهم من رؤوس الحرب على المسلمين في فلسطين.
3 – الحملة الإعلامية المعادية للإسلام والمسلمين والتي تقودها أساسًا بعض وسائل الإعلام الفرنكوفونية المكتوبة والمسموعة والمرئية، ومع أن هذه الوسائل والمنابر قد لا تعكس بالضرورة وجهة النظر والسياسات الرسمية فإنها تمثل عاملًا رئيسيًا مساعدًا على إذكاء مشاعر معاداة الإسلام والمسلمين وقضاياهم، وتمثل الحملة على الحجاب الإسلامي محورًا رئيسيًا في هذه الإستراتيجية التي تعمل على صياغة صورة قائمة حول الإسلام والمسلمين من خلال إثارة موضوعات المرأة والجنس والعنف إن جملة هذه الوقائع والمؤشرات وإن كانت ذات دلالة هامة لدى بعض المسلمين الكنديين، فإنها من وجهة نظر البعض الآخر لا تمثل دليلًا قطعيًا على تحول نوعي وفعلي في السياسة الكندية نحو الانخراط ضوعي والعضوي في جبهة معاداة الإسلاميين، وبالتالي التموقع الفاعل ضمن الاستراتيجية الدولية الراهنة التي تعمل على فرض الإسلام والمسلمين كعدو استراتيجي وبديل عن عدو الأمس القطب الشيوعي وعلى خدمة وحماية مصالح الكيان الصهيوني وثقافته، وينطلق أصحاب هذا الرأي الأخير من أن المصلحة الاستراتيجية لكندا على المستويين الداخلي والخارجي تتطلب منها الثبات على نوعية سياساتها القديمة المعتدلة تجاه الإسلام والمسلمين، خاصة وأن كندا ليس لديها ما يضطرها إلى تغيير سياستها بحكم أنها لا تمثل قوة دولية معتبرة مثل الولايات المتحدة التي لها مصالحها الثقافية والسياسية والأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط، كما أنها ليست من البلدان التي تتهددها من الداخل مخاطر الإرهاب والتطرف بالحجم والشكل اللذين يهددان بلدًا كالولايات المتحدة.
فهل ستمثل هذه المؤشرات والوقائع نشازًا في السياسية والخطاب الكنديين أملته الظروف الداخلية لكندا الكساد الاقتصادي، المشكلة الدستورية ومشروع انفصال كيباك عن الفيديرالية، ودفعت إليه الظروف الدولية الصعبة المستنفرة ضد الإسلاميين وخاصة فيما يتعلق بالسلام في الشرق الأوسط ورغبة كندا في هذه المرحلة في عدم التميز كثيرًا عن السياسة الدولية العامة، أم أنها حقيقة مقدمة فعلية لتغير نوعي في السياسة الكندية تجاه معاداة الإسلام والإسلاميين في داخلها، وفي الخارج مطلوب من المسلمين الكنديين ضبط إستراتيجيتهم وتعديل برامجهم وخطابهم على مقتضاه؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل