العنوان بعد عام من حكم نتنياهو الشرق الأوسط حديد ساخن بانتظار المطرقة
الكاتب محمد صلاح
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1257
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-يوليو-1997
طوال السنوات الخمس التي تلت افتتاح مؤتمر التسوية في مدريد عام ١٩٩١م، ظل الأفق السياسي مفتوحا على ما ستفرزه تلك المحادثات، وفي أعقاب الكشف عن اتفاق أوسلو تصاعدت حرارة الترقب والتوقعات وظلت محاصرة بين أسئلة من قبيل: أي الأطراف العربية سيوقع على اتفاق جديد؟ وما هو الاتفاق القادم؟ وما تستدعيه تلك التساؤلات من منظومة سياسية وتداعيات ذات صلة بالصراع مع إسرائيل.
أما اليوم وبعد عام على وصول بنيامين نتنياهو زعيم اليمين الإسرائيلي إلى الحكم في تل أبيب فإن انقلابًا يبدو قد وقع في الأفق السياسي للصراع، المفاوضات المجمدة. حتى لا تقول الميتة، والتوتر المتصاعد إلى مستويات تقارب حد الغليان، فيما الإحباط بلف الجميع وخيبة الأمل عارمة في صفوف جماهير تم استدراجها بقسوة نحو مراقي الأمل في السلام الموعود قبل أن ترتطم بقوة أشد بصخور الواقع وزيف الأمل.
يعتقد كثيرون أن عملية التسوية قد ماتت تحت وطأة ممارسات الحكومة الإسرائيلية الجديدة غير أن الحقيقة قد لا تكون كذلك من وجهين: الأول أن أزمة التسوية الراهنة ليست نتاج ممارسات اليمين الإسرائيلي فممارسات حكومة يسار الوسط من العمالية السابقة خلال حقيبتي إسحاق رابين وشيمون بيريز لم تقدم سوى حلول مجتزأة قاصرة لعملية تسوية معقدة ولكمات أمنية زادت من صعوبة الأوضاع، أما الوجه الثاني وهو الأهم في هذا المقال فهو أن ما آلت إليه الأوضاع قد لا يكون نهاية المطاف.
هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وصاحب البصمات التي لم تمع عن السياسة الأمريكية حتى اليوم كان يؤمن أن أفضل وقت لمعالجة المشكلة عندما تبلغ حرارتها الدروة ولئن كانت حرارة المنطقة اليوم قد ارتفعت حتى شارفت ترونها، فإن انتظار قرع المطارق يبدو متوقعًا، أما السؤال الكبير الذي يشغل بال المراقبين الأوضاع الصراع فهو: أين ستهوي المطرقة؟ وعلى أي صورة سيكون الطرق ؟وما يتبع هذه المتوالية من تداعيات.
هل تقتحم القوات الإسرائيلية مناطق الحكم الذاتي؟
منذ أن أعلن بنيامين نتنياهو قراره بإقامة مستوطنة جديدة فوق منطقة جبل أبو غنيم جنوب شرق القدس القرار كان اتخذه رئيس الوزراء الله الأسبق إسحاق رابين ولم يوضع موضع التنفيذ لاعتبارات تتعلق بعملية التسوية، والأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م تشهد توترًا ظل يتصاعد حتى بلغت الأوضاع حافة الانفجار.
وتشير تقديرات إسرائيلية جرى الكشف عنها وإلا أن اجتماعاً ضم وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق مردخاي وكبار ضباط الأجهزة الأمنية والعسكرية أكد أن استمرار الجمود في عملية التسوية قد يؤدي إلى انفجار شامل للأوضاع في الضفة العربية وقطاع غزة، وأعرب جميع المشاركين في الاجتماع عن مخاوف حقيقية من إمكانية اندلاع موجة عنف عارمة وشاملة محتملة، مما استدعى اتخاذ قرارات بإرسال المزيد من التعزيزات العسكرية إلى الضفة والقطاع.
لم يكن قرار الاستيطان في أبو غنيم على خطورته حيث يفصل القدس نهائيًا عن امتدادها العربي سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، إذا يدرك قادة السلطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي أن نتنياهو يقود انقلابًا سياسيًا على اتفاقات أوسلو، ويعمل على فرض تصوراته السياسية للحل النهائي.
کيان منزوع السيادة:
ولا يخفي نتنياهو أن تصوره يستند إلى حكم ذاتي دائم أو كيان ما منزوع السيادة يمكن أن يسمى دولة دون امتلاك مقوماتها الحقيقية يقترب في هذه النقطة كثيرًا من أطروحات حزب العمل الذي أقر في مؤتمره العام أنه لا يعارض قيام دولة منقوصة السيادة في أجزاء من الضفة والقطاع، تندمج لاحقًا مع الأردن.
ويعارض نتنياهو أي تفاوض حول القدس أو حد للنشاط الاستيطاني أو عودة للاجئين الفلسطينيين... وهكذا فإن أطروحات نتنياهو السياسية وممارساته في الميادين أحالت حلم سلطة عرفات بتطوير الاتفاقات إلى كابوس مزعج وانتزع منها قدرًا كبيرًا من المصداقية الشعبية، وهي عوامل تضافرت مع تنامي البطالة والتضخم وارتفاع معدلات الفقر في مناطق الحكم الذاتي لتحاصر سلطة عرفات بين مطرقة نتنياهو وسندان التطلعات الوطنية للشعب واحتياجاته اليومية.
ولم يتوقف مسلسل التآكل في مصداقية السلطة وبرنامجها السياسي عند هذا الحد، إذ عمد الإسرائيليون إلى استغلال نقاط الضعف لدى السلطة من أجل ممارسة المزيد من الضغط عليها ودفعها بالتالي إلى إبداء المزيد من المرونة، تجاه أطروحاتهم حيث يؤمن الإسرائيليون أن سلطة ضعيفة تعني سلطة أكثر قابلية للتجاوب مع شروطهم للتسوية القائمة على عدم التنازل.
هذه النظرية هي التي دفعت الإسرائيليين للكشف عن حسابات مالية سرية لرئيس السلطة ياسر عرفات يستقبل عليها حوالات مالية إسرائيلية من إيرادات بيع النفط في مناطق الحكم الذاتي وأجزاء من الضريبة المقتطعة من الواردات الفلسطينية، ومن ثم تأجيج قضية الفساد التي كشف عنها رسميًا تقرير هيئة الرقابة الفلسطينية، وحاولت السلطة استثمار الملف الإعادة تطهير نفسها أمام الشعب وصرف الأنظار عن مأزق التسوية، إلا أن الدفع الإعلامي الذي قوبل به الملف أرغمها على التراجع نحو مربع الدفاع وأضر كثيرًا بصورتها ووضعها السياسي.
ويعتقد الكاتب الأمريكي جراهام فولر الباحث في مؤسسة رائد للدراسات في واشنطن أن الإسرائيليين يرتكبون خطأ تاريخيًا، حيث تسهم سياسة حكومتهم الحالية في القضاء على عرفات سياسيًا، وربما نجحوا في التوصل إلى اتفاقات إضافية مع عرفات وسلطته، ولكن من المرجح أن يكون عرفات قد فقد عندها كل ما تبقى له من فائدة أو أهمية.
ويشير فولر إلى أن صدامات عرفات مع معارضيه، والفساد المستشري في السلطة ويكاد يطاله إن لم يكن قد طاله أصلاً، وإجراءات قمع المثقفين والصحفيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان قد ألحقت أضرارًا سياسية كبيرة بالزعيم الفلسطيني المحاصر بين خيارات نتنياهو والمعارضة الفلسطينية.
إن القبول بمقترحات نتنياهو وسقفه للحل قد يولد تفاعلات داخلية في الضفة والقطاع لن يكون بمقدور عرفات السيطرة عليها، بل قد تؤدي إلى حرب فلسطينية – فلسطينية، تكون نتيجتها السقوط الذريع المشروع السلطة، وتحويلها إلى صيغة قريبة من مليشيات أنطوان لحد في جنوب لبنان، ولذا فإن قبول عرفات بمقترحات نتنياهو أمر مستبعد.
أما خيار استمرار الرفض والنضال السياسي لإرغام إسرائيل على وقف إجراءاتها الاستفزازية فهو يحتاج إلى قوة دفع عربية وإقليمية ودولية غير متوافرة.
وهذا يعني أن السلطة محاصرة بالانتظار مع تسخين خاضع للسيطرة في المرحلة الراهنة عبر حصره في نقاط التوتر التي لم تتمكن عمليات إعادة الانتشار من الوصول إليها كما في الخليل ومحيط النبي يوسف في نابلس.
سلام أردني بارد فاتر أحياناً:
الصورة على صعيد العلاقات الأردنية- الإسرائيلية تبدو مختلفة، إذ لم تعد المطارق الإسرائيلية تعلو رأس الأردن، غير أن التطورات والأزمات المتلاحقة على مدى العام الماضي ألحقت أضراراً لا يمكن تجاهلها بالتسوية الأردنية -الإسرائيلية، فالحكومة الأردنية التي كانت الطرف الوحيد الذي لم يعرب عن استيائه من هزيمة زعيم حزب العمل الإسرائيلي شيمون بيريز في الانتخابات العامة التي جاءت بنتنياهو واليمين إلى مقاعد الحكومة تستضيف إيهود باراك بعد انتخابه زعيمًا جديدًا لحزب العمل في إشارة ذات مغزى لحكومة نتنياهو.
ويقول سعدار بيري المعلق السياسي في صحيفة - يديعوت أحرونوت – العبرية إن «محاكمة الدقامسة - وهو الجندي الأردني الذي قتل سبع إسرائيليات في مارس الماضي – تبين عمق تأزم العلاقات بين إسرائيل والأردن» ويشير بيري إلى أن الدقامسة أضحي بطلًا قوميًا، فيما تطوع للدفاع عنه ٩٢ محاميًا، وهي خطوة رمزية تعكس حجم التعاطف الذي يلقاه على الرغم من أن جميع الذين لقوا مصرعهم في الهجوم الذي نفذه هم طالبات مدرسة ثانوية.
ويعتقد الإسرائيليون أن الدقامسة عارض التسوية مع إسرائيل وكشف عن جرح سياسي محشو بالمخاطر، وأن العلاقات «الصحيحة» بين الحكومة الأردنية والحكومة الإسرائيلية لا تضيف للتسوية شيئاً سوى إبداء برودتها التي تتحول إلى الفتور.
وفي لبنان آخر النقاط المرشحة للانفجار والأقل جدوى على الرغم من كل التحولات والتقلبات - أظهر الساسة اللبنانيون التزامًا عميقًا بترابط مسارهم التفاوضي مع المسار السوري، ومنذ مطلع السبعينيات ظلت ساحة لبنان الأكثر حرارة على صعيد المواجهة الميدانية للصراع العربي - الإسرائيلي، إلا أن زئيف شيف الخبير العسكري الإسرائيلي في صحيفة – هآرتس – العبرية يعتقد أن جنوب لبنان يصلح فقط العمليات تكتيكية، أما «عندما يتعلق الأمر بترتيبات ذات مدى استراتيجي، فلا بد من البحث عن منطقة أكث هولاً، وأيضًا عن منطق أكثر هولًا».
يبقى السيف مصلتًا على لبنان لتنفيس احتقانات داخلية وتوجيه رسائل خارجية لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية نقلها بالطرق الدبلوماسية والإعلامية الأطراف محددة، إلا أن السندان اللبناني بات مستهلكاً لدرجة لا يجدي معها استخدامه للطرق وإعادة التشكيل.
سورية.... بين الماء والنار:
التجاهل المقصود لصالح التركيز على أزمة المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية قد لا يعكس . بشكل حقيقي ما يبدو في أذهان قادة تل أبيب، فهناك تركيز إعلامي إسرائيلي وغربي حول قدرات سورية العسكرية، وتطوير دمشق لقدراتها التسليحية، وهذا يعكس جانبًا من صورة قد تكون تمهيدًا لضربة عسكرية لوح بها الإسرائيليون أكثر من مرة.
«سياسات نتنياهو تحرك المنطقة... والموقف العربي لا يملك قوة الدفع»
ويشير ديفيد عبري المدير العام السابق لوزارة الحرب الإسرائيلية والمستشار الأول لوزير الحرب - إسحاق مردخاي إلى أن الصواريخ السورية تشكل التهديد الإستراتيجي رقم واحد الإسرائيل ويقول: إن فشل إسرائيل في امتلاك قدرة ردع في - مواجهة الصواريخ الباليستية يشكل عنصر القوة الأساسي لهذه الصواريخ.
وكان عبري يعلق على تقرير نشرته صحيفة - يديعوت أحرونوت -العبرية أشارت فيه إلى أن سورية توظف الجهد الرئيسي في نطاق استعداداتها وتحضيراتها لمجابهة محتملة قريبة مع إسرائيل في مجال التطوير الحثيث لقدراتها الصاروخية.
ويقول الإسرائيليون إن دمشق تحاول القيام بعملية عسكرية محدودة ضد إسرائيل هدفها إعادة تحريك العملية السياسية، فيما تتحدث وسائلهم الإعلامية غير الرسمية عن مجابهة عسكرية قريبة محتملة، وأن الجيش الإسرائيلي ووزارة الحرب يكرسان جهدًا وموارد مالية لتطوير أساليب ووسائل المعالجة معضلة صواريخ أرض- أرض التي تشكل مظلة الضربة السورية المحتملة، ومن بين الآلية و«الوقائية» الإسرائيلية توجيه ضربات بعيدة عن الحدود في شمال سورية.
ويبدو الحديث عن الحرب مقدمة لضربة إسرائيلية قد تعمد إليها إسرائيل، ويعتقد إريك رولو الخبير الفرنسي في شؤون الشرق الأوسط أنه ولا بديل عن الحربة للخروج من المأزق الراهن.
إلا أن النار الإسرائيلية التي تقترب من دمشق والتي جرى تأجيلها بطلب أمريكي كما أعلن قبل بضعة أشهر لا تشكل الخطر الوحيد المحدق بسورية، فالتحالف العسكري بين الجيش التركي وإسرائيل جعل من الماء سدًا آخر في وجه التحركات السورية وعامل تهديد جدي لا لمستقبل النسوية فحسب، وإنما المستقبل سورية والعراق .
ويثار تساؤل ملح في هذه الفترة: ماذا لو توجه الجيش التركي الذي اقتحم شمال العراق نحو سورية التي يتحدث الأتراك عن أنها باتت الملجأ الرئيسي للأكراد الفارين من وجه قواتهم؟
المواجهة تبدو حتمية إذا قرر «حماة العلمانية» الأتراك مواصلة المطاردة داخل الأراضي السورية والمشاركة الإسرائيلية محتملة في مواجهة كهذه. خاصة أن مردخاي أكد أن جيشه سيساند تركيا إذا واجهت سورية، فيما يشكل وضع كهذا مدخلًا نموذجيًا لعودة الدبلوماسية الأمريكية حسب نظرية كيسنجر السالف الإشارة إليها.
مصر... دبلوماسية بديلة:
وعلى الجانب المصري فقد شكلت تحركات مستشار الرئيس المصري أسامة الباز مؤشرًا ذا عدة أوجه على الرغم من أنها لم تفلح في كسر الجليد المتراكم، إذ إنها كانت إعلانًا صريحًا بأن ملف العلاقة مع إسرائيل والتسوية قد انتقلت من وزارة الخارجية المصرية المعروفة بتشددها تجاه الدولة اليهودية، إلى مكتب الرئيس وتحديداً إلى مكتب مستشاره للشؤون السياسية «المعروف بقوة علاقاته مع الإدارة الأمريكية» ويمكن التكهن بأن نقل الملف من وزير الخارجية عمرو موسى إلى الباز جاء في أعقاب الانتقادات الإسرائيلية لدور موسى في تحريض العالم العربي على إسرائيل، ومحاولة مصرية جديدة لتبريد التوتر السياسي على الجبهة المصرية – الإسرائيلية.
كما شكلت تحركات الباز محاولة مصرية لملء الفراغ الذي خلفه انسحاب الإدارة الأمريكية من ميدان التحرك السياسي على جبهة عملية التسوية. وهو انسحاب يعني محاولة الإدارة الأمريكية ترك أطراف الصراع وجهًا لوجه واستشعار حجم الأزمة مما سيمهد لإقناعهم بإبداء قدر أكبر من المرونة، مثلما يعني أيضاً توجه الأولويات الأمريكية في هذه المرحلة، حيث المصالح الأمريكية في أوروبا وآسيا أكثر إلحاحاً من الشرق الأوسط في غياب أي تهديد منظور للمصالح الأمريكية في المنطقة.
وأخيراً:
فإن عملية التسوية التي جرت في معظم أجزائها في الظلام قامت على رؤى فردية، وحاول صناعها إيجاد واقع جديد يرسخ تحولات طارئة، فكانت محاولتهم أشبه بمحاولة وضع العربة أمام الحصان ولم تأخذ العملية في حسبانها الكثير من المتغيرات في المنطقة مثل القوى الناشئة والماضي الذي لا زال يشكل دافعًا أساسيًا لسلوك الجماهير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل