; بعد عام من التدخل في كوسوفا خرج الصرب.. وبقي الأطالسة | مجلة المجتمع

العنوان بعد عام من التدخل في كوسوفا خرج الصرب.. وبقي الأطالسة

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000

مشاهدات 89

نشر في العدد 1400

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 16-مايو-2000

■ وزير الدفاع الأمريكي: إقليم كوسوفا ليس للألبان وحدهم!

■ استغل حلف الأطلسي الحملة في كوسوفا لتعديل إستراتيجيته العسكرية من الدفاع إلى الهجوم وجرب العديد من أسلحته الجديدة.

في عملية أشبه بالجراحة السريعة دخلت القوات الدولية إلى تيمور الشرقية بعد أن خرجت القوات الإندونيسية، وبنفس السرعة والمهارة عاد قادة تيمور الشرقية المتمردون «سابقًا»؛ ليحكموا أنفسهم بأنفسهم.

عملية سريعة مضمونة... وغير مكلفة.

أما في كوسوفا فالوضع يبدو متعسرًا تمامًا كالحمل خارج الرحم، الآلام مستمرة، والأوضاع تزداد سوءًا، ولكن للأسف برغم كل هذا، فالجنين الذي في رحم كوسوفا ليس إلا جنينًا مشوهًا، وميتًا أيضًا.

قوات جوية وبحرية من ٣٨ دولة نصفها ينتمي للأطلسي والنصف الآخر متطلع لنيل رضا الأطلسي، هجمت على القوات الصربية، التي قوامها في كوسوفا ٦٠ ألفًا من الجنود النظاميين وحرس الحدود والبوليس والقوات الخاصة، وارتفع العدد إلى مائة ألف قبل التدخل الأطلسي.

المقارنة صعبة خصوصًا إذا كانت الأرقام هي الناطق الرسمي، الصرب يملكون ثلاثمائة ألف جندي بين منتظم واحتياط، بينما الناتو لا يملك سوى ۱۲ ألف جندي متمركزين في مقدونيا في ذلك الوقت، وقواعد عسكرية في إيطاليا وألمانيا، وتسهيلات أرضية في ألبانيا، وجوية في بلغاريا ورومانيا.

لكنه يملك ٣٤٠ طائرة؛ لذا كان الخيار هو الضربات الجوية التي استمرت ٧٨ يومًا بلا انقطاع قامت خلالها الطائرات بـ ۳۸ ألف طلعة جوية من بينها ۱۰٤٨٤ طلعة مصحوبة بقصف مكثف على مواقع عسكرية ومدنية «اعتبر الأطلسيون مصافي البترول والمخازن والوقود مواقع عسكرية» نجحت في إخراج الصرب؛ لكي يدخل الناتو، ويبقى الألبان في الهواء الطلق.

ونعود إلى السؤال القديم الجديد: لماذا تدخل الناتو في كوسوفا؟ أو بمعنى آخر هل تدخل الناتو من أجل عيون الألبان؟ بطبيعة الحال، فقد طرح هذا التساؤل من قبل، ولكننا سنحاول الإجابة عنه في ضوء التقرير الذي قدمه الأمين العام لحلف الأطلسي جورج روبرتسون بمناسبة مرور عام على عملية التدخل في كوسوفا، والذي حاول من خلال تقريره تفنيد التساؤلات المتراكمة التي لم تجد لها أجوبة مثل دوافع التدخل والأهداف التي وضعت والنتائج التي حصلت، ولماذا طال أمد الضربات الجوية، ولماذا لم يتدخل الناتو بقوات أرضية، وماذا حققت قوات «كفور»؟

هل تدخل الناتو لصالح الألبان؟

قبل الشروع في الإجابة وبرغم المبررات الإنسانية التي ساقها روبرتسون في تقريره والتي تدفع المرء إلى الظن بأن دول الأطلسي رقيقة القلب إلى درجة لا تحتمل معها دموع الألبان ولا مآسيهم، إلا أن السياسة الغربية في مجملها لا تعرف البعد الأخلاقي ولا تعترف بالأخلاق في التعامل السياسي، بل إنها تقوم على مصالح مجردة قد تكون «اللا أخلاق» أحد مكوناتها، وأحد أسباب نجاحها من وجهة نظرهم، ولو كان البعد الأخلاقي هو المحرك للقضية لوجدنا من الكتاب والمحللين الغربيين من يشيد بهذه الأخلاقيات الجديدة لأوروبا والناتو.

وربما تكون مصالح الناتو تقاطعت مع مصلحة الكوسوفيين في محطة ما، لكنها سوف تنفصل بالقطع في محطات مقبلة، وإن كان ذلك قد بدأ بالفعل بعدما صرح وليام كوهين - وزير الدفاع الأمريكي - أثناء زيارته لكوسوفا مؤخرًا بأن الإقليم ليس للألبان وحدهم.

هناك مجموعة من الأسباب التي تؤكد أن الناتو لم يتدخل لصالح الألبان حتى وإن زعم الأمين العام عكس ذلك:

١ - يقر روبرتسون بأن الصراع في الإقليم قديم، والمعاناة كبيرة ومستمرة، ورغم اعترافه بأن المقاومة السلمية الألبانية تواجه آلة عسكرية متعنتة، إلا أنه لا يفسر لنا لماذا صحا الضمير العالمي فجأة؛ ليكتشف أن ألبان كوسوفا بلا تعليم ولا ثقافة ولا حريات ولا هوية، ناهيك عن التعنت والاعتداءات الصربية المتكررة على سكان الإقليم، فهل كان على الناتو أن يصمت قرابة عقد من الزمان؛ لكي يتدخل؟

ولو كان ضمير الناتو حيًّا إلى هذه الدرجة، فلماذا لم يتدخل مبكرًا وقبل أن تقوى شوكة ميلوسوفيتش، وينجح في تكوين عصابات ومليشيات وصل عددها إلى ١٦,٥٠٠ فرد؟.

وهل كان على الناتو أن ينتظر مذابح في راتشاك وروجوفا وعمليات تهجير حتى يتدخل؟

٢ - «انتهاكات حقوق الإنسان في البوسنة الواقعة في البلقان كانت أشد قسوة وأكثر وحشية، فلماذا لم يتحرك الناتو خصوصًا أن العدو في الحالتين واحد «ميلوسوفيتش» والضحية واحدة «المسلمون في البوسنة وكوسوفا» والحلفاء الأطلسيون كما هم لم يتغيروا؟

٣ - إن تقرير الأمين العام للناتو أنه لم يكن لدى الحلف القدرة على التدخل البري، وذلك لأنه صعب، ويحتاج إلى وقت ومكلف على الجانبين المالي والبشري، فهل يعقل أن يكون الدافع الإنساني وراء ضربات جوية قد تنجح أو تفشل، ولو فشلت فهل كان الناتو سيرفع يده ويقول ما باليد حيلة؟.

٤ - إذا نظرنا إلى البعد العسكري للتدخل، ورغم عدم جاهزية الناتو للتدخل البري، إلا أن طبيعة الحرب وهي الأولى من نوعها والأطول كذلك - وكما قال روبرتسون كانت حلمًا لكنه تحقق - تبين لنا أن الأهداف العسكرية هي المحرك؛ للتدخل فترسانة الأسلحة الجوية المستخدمة كلها من طرز حديثة جدًّا ومتطورة للغاية ولم تجرب بعد، وبالتالي فإن هذا التدخل كان فرصة لتجريب هذه الأسلحة من أجل تعديل إستراتيجية الحلف العسكرية القائمة على ما يعرف بمبادرة القدرات الدفاعية DEFENCE CAPABILIES INITIAوتحويلها إلى مبادرة هجومية تقوم على الضربات الجوية لحين تفعيل الشق البري من خلال الجيش الأوروبي المتوقع تشكيله.

وقد نجحت تجربة العديد من الطائرات المقاتلة والقاذفة للقنابل والصواريخ مثل: التورنادو و إف ١٦ وهاريير، كما جربت فرنسا وألمانيا وبريطانيا طائراتها الهجومية مثل: ميراج ۲۰۰۰ بنوعيها C&D، وجاكوار وسي ١٣٥، وإي ٣ سنتري،  والطائرة قاذفة القنابل مثل: إف ۱۱۷ وب ۲ وب ٥٢. بالإضافة إلى حاملات الصواريخ توماهوك وكروز والقنابل الموجهة بالليزر والساتلايت مثلJSOW & JDAM & AGMBO

إلا أنه لوحظ أن صائدات الدبابات أباتشي لم تعمل كما ينبغي خشية وقوعها في مرمى المدفعية الصربية؛ لأن هذا النوع من الطائرات يطير على ارتفاع منخفض، وهذا يؤكد أن الناتو كان يعمل وفق إستراتيجية عسكرية معدة سلفًا للقيام بمهام جديدة «تغيير العقيدة العسكرية للناتو من دفاعية إلى هجومية»، ولم يكن الألبان سوى أحد الأسباب الدافعة والمبررة للتدخل.

٥ - ظهور جيش تحرير كوسوفا على الساحة واتساع نطاق شعبيته، والدعم الذي تلقاه من الداخل والخارج وضع الحلف أمام خيارين كلاهما صعب، إما أن يدعم الجيش في حربه ضد الصرب حتى يتمكن الجيش من تحرير كوسوفا، أو ينجح في دفع الصرب للتفاوض وفق ما يستجد من تقدم على الأرض، وهذا الخيار يعني بؤرة صراع ممتدة، قد تنتهي باعتماد جيش تحرير كوسوفا كممثل للألبان، وهذا يعني أن تعود كوسوفا فعليًّا للألبان، ويقتصر دور الحلف على الدعم أي أن الحلف يساعد والألبان يحكمون، وهذا ما لا يريده الناتو ولا دول الجوار، والخيار الثاني الذي كان أمام الناتو هو أن يقوم بمنع الجيش من التحرك ضد الصرب، وهذا يعني مزيدًا من التشكيك في نوايا الغرب تجاه المسلمين في البلقان؛ لذا كانت المبادرة بتأميم نضال الكوسوفيين واحتواء ميلوسوفيتش، وحتى تكون النتيجة كالتالي:

يخرج الصرب، يدخل الأطالسة، ولينتظر الألبان ماذا سيقرر لهم.

ويلاحظ أن قرار مجلس الأمن الصادر في أعقاب استسلام ميلوسوفيتش نص على تحويل جيش تحرير كوسوفا إلى قوة مدنية، أي نزع سلاحه، ومن ثم تحويله إلى قوة سياسية لها دور في إدارة الإقليم، ولكن الشق الثاني لم يتحقق فقد نزع السلاح وبقي دور جيش تحرير كوسوفا باهتًا في الساحة.

وهذا يؤكد أن الألبان لم يكونوا في بؤرة التفكير عند اتخاذ الناتو لقراره بالتدخل، ويكفي ما قاله اللورد روبرتسون في تبريره لضعف المردود العسكري للحملة بقوله: «لم نكن نقصد إلحاق هزيمة بالجيش الصربي بقدر ما نجبره على الخروج»، وهذا يعني أن وجود جيش صربي ضعيف لا يعتدي على الألبان مستقبلًا ليس في أجندة الحلف، وإلا اشترط عليه كما اشترط الحلفاء على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية أو العراق بعد إخراجه من الكويت. 

٦ - وانطلاقًا من النقطة السابقة، ألم يكن أولى بالناتو في خلال عام أن يقوم بتأهيل كوادر البانية وعرقية أخرى من أجل استلام مهمة الحكم بدلًا من إشعال فتيل الأزمة في ميتروفيتسا مدينة المناجم، وغيرها من المدن على الحدود بين صربيا وكوسوفا؟!

٧ - لو كان الناتو يسعى من أجل الألبان، فماذا كان يضير الحلفاء لو خرج قرار مجلس الأمن رقم ١٢٤٤ لينص على حق الألبان في تقرير المصير، بدلًا من استخدام نص عام أجوف، مثل: الوصول إلى تسوية سلمية دائمة في الإقليم، وهو النص الذي يشكو منه مسؤول الأمم المتحدة في الإقليم روبرت كوشنر الذي يرى وجوب تغييره حتى يتم الوصول إلى حل.

٨ - وأخيرًا فإن اختيار التدخل في كوسوفا في هذا التوقيت كان محكومًا بإستراتيجية توسعة الحلف الجديدة، هل شرقًا لتضم بلاد البلطيق «أستونيا -ليتوانيا -لاتفيا»، أم جنوبًا لتضم ما تبقى من دول البلقان، والحقيقة أن التوسع شرقًان وكما جاء في تقرير المركز دراسات ستراتفور الأمريكي - لن يكون ذا جدوى؛ إذ إن روسيا لا تشكل أي خطر على الحلف، وأن التوسع شرقًا ممكن مستقبلًا، لكنه يثير حساسية روسيا التي يسعى الغرب لاحتوائها، وخصوصًا أن يلتسين في ذلك الوقت كان يعد العدة للرحيل، ومن ثم كان الخيار بالتوجه إلى البلقان؛ ليكون قاعدة ارتكاز وانطلاق، ارتكاز للتوسع في البلقان، وانطلاق لدعم الشراكة الأطلسية مع دول البحر المتوسط، وليس أفضل من تأديب صربيا من أجل تأكيد تمركز الناتو في البلقان والتوجه جنوبًا.

هذا في إطار الحديث عن أسباب التدخل، والتي حاول روبرتسون حصرها في الدوافع الإنسانية من أجل الألبان.

لقد نجح الحلف قبل عام في إخراج الصرب، كما نجح في إعادة الألبان؛ ليمارسوا حياتهم بشكل طبيعي، وليدرسوا باللغة الألبانية للمرة الأولى منذ قرار إلغاء وضعية الإقليم الخاصة في عام ۱۹۸۹م، كما قامت قوة كفور بنزع الألغام الصربية من البيوت والطرقات والمدارس، ولولا أن الألبان شعب عنيد صعب المراس، لما عاد قرابة مليون مواطن في فترة زمنية بسيطة رغم كل العقبات، ولكن يبقى أن الإقليم لا تزال به قوات أجنبية وخروجها الآن ليس محتملًا فخطط الناتو الإستراتيجية لم تكتمل بعد، وربما تكون الانتخابات المقبلة إحدى هذه الخطط التي يسعى الناتو لتنفيذها كما فعل مؤخرًا في البوسنة.

فالناتو كما لم يتدخل لصالح الألبان، فلن يترك كوسوفا للألبان.

عام مضى تنفس الألبان فيه بعض نسيم الحرية، لكن شبح مآسي الماضي ما زال يخيم على المنطقة، والناتو سيظل قابعًا، وقد يطول البقاء.

الرابط المختصر :