العنوان بعد عام على رحيله: الشيخ مصطفى مشهور.. مجدد قواعد الدعوة
الكاتب أحمد زهران
تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003
مشاهدات 87
نشر في العدد 1576
نشر في الصفحة 44
السبت 08-نوفمبر-2003
اهتم بالصف المسلم وبترسيخ مفاهيم العمل الجماعي والتحذير من الخروج على الجماعة أو محاولة إيجاد تكتلات داخلية حول أشخاص أو أفكار وآراء.
من أقواله: المحن ليست فترات ميتة ولا ضربات قاضية ولكنها فترات حية وقوة دافعة للسير على طريق الدعوة في قوة وثبات.
لا يجوز للمسؤول أن ينفرد بالرأي دون مشورة كذلك لا يصح أن توضع له القيود الكثيرة التي تكبله عند اتخاذ القرار أو تسلب صلاحياته بحيث يصير مجرد رمز فقط لا يستطيع أن يبرم أمرًا.
حارب كل صور الانحرافات في الغاية والفهم والعمل ووسائله.
ترك الشيخ مصطفى مشهور «۱٥ من سبتمبر ۱۹۲۱ - ۱۷ من نوفمبر ۲۰۰۲» المرشد الخامس لجماعة الإخوان المسلمين «۱۹۹٦م - ۲۰۰۲م» أثراً كبيرًا في الجماعة، ولا غرو؛ فقد كانت حياته عبارة عن مجموعة من المشاريع الدعوية المتصلة: وضع تصور مشروع الدعوة الفردية وقعد له، وهو صاحب مشروع صناعة الرموز الإخوانية في الأماكن كافة بحيث تجد في أي مكان رمزًا للحركة يمكن الاتصال به.
وهو صاحب مشروع الرديف القائد بحيث إذا غاب المسؤول لا يتأثر العمل الذي يقوم به، وهو - كذلك - صاحب مشروع الاهتمام بالأسرة كخلية أولى للدعوة، وتوجيه الاهتمام إلى النساء والفتيات وكان دائما يوصي بالأبناء وتربيتهم على قيم الإسلام وآدابه.
وكان له الفضل مع أخويه الدكتور أحمد الملط والأستاذ عمر التلمساني يرحمهم الله - بعد تبارك وتعالى - في إحياء ومتابعة العمل الدعوي وإعادة ضم الصفوف عقب الإفراج عن الإخوان في السبعينيات.
ارتبطت به جموع الإخوان، وتربوا على فكره وقلمه، ورؤاه الإصلاحية، ومشاريعه الفكرية، عبر من الكتابات ضمنتها مجلة الدعوة في سلسلة السبعينيات تحت عنوان من فقه الدعوة وافتتاحيات مجلة لواء الإسلام، ومجلة الدعوة المهاجرة، غير الكثير من المقالات الأخرى والأحاديث الصحفية في عشرات الصحف والمجلات. وقد جمعت مؤلفاته وكتاباته من سلسلة فقه الدعوة في ۱۵۰۰ صفحة تقريبًا.
مشهور.. والفرد المسلم:
احتلت قضية الفرد المسلم أولويات الإخوان المسلمين، فالإمام البنا نفسه يرى أن الرجل هو سر حياة الأمم، ومصدر نهضتها، وأن تاريخ الأمم إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء.
وحينما تعرض للفرد المسلم في ركن العمل حدد مقومات عشرة يلزم توافرها في الفرد المسلم وهي «قوة الجسم، متانة الخلق، ثقافة الفكر، القدرة على الكسب، سلامة العقيدة، صحة العبادة، النفع للغير، وأن يكون منظمًا في شؤونه، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته».
وقد سار الأستاذ مصطفى مشهور على الدرب نفسه، فخص الفرد المسلم بكثير من أحاديثه، موضحًا ما يجب أن يكون عليه من قوة الإرادة ومضاء العزم، يقول «إننا نحتاج إلى نوعية متميزة ذات خصائص معينة تتفق وما سيلقى على جندي الدعوة من مهام، وما سيتعرض له من عنت وابتلاء، فهو أحوج ما يكون إلى الإرادة الحازمة، والعزيمة الماضية، والخلق الإسلامي المتين، والزاد الروحي الدفاق المتجدد، والبدن السليم الذي يعينه على أداء الواجبات وأعباء الجهاد، مع الحيوية والحماس المنضبط» ([1]).
وقد تناول - رحمه الله - بالشرح والتحليل المقومات العشرة اللازم توافرها في الفرد المسلم في رسالة له بعنوان «مقومات رجل العقيدة على طريق الدعوة» فكان من أوائل من شرح كلام الإمام البنا في أسلوب سهل بسيط، يجمع بين المعاني الروحية، والصفات التربوية، والقيم الحركية.
والفرد المسلم لا يكون مؤثرًا ما لم يكن قدوة صالحة، يعطي الصورة الصادقة للإسلام، فينتزع التقدير والاحترام حتى من أعداء الإسلام يقول - رحمه الله - «نريد المسلم المتميز بآداب الإسلام وتقاليده، وتحيته ولغته وزيه وإتقانه لعمله وأمانته ووفائه، بل حتى في أفراحه وأتراحه، ولا نسمح للعادات الأعجمية أن تغزو مظاهر الحياة في مجتمعاتنا
نريد الأخ القدوة شجاعًا، عظيم الاحتمال، وقورًا يؤثر الجد، شديد الحياء، دقيق الشعور، عظيم التأثر بالحسن والقبح، يسر للأول، ويتألم للثاني، متواضعًا في غير ذلة ولا خضوع ولا تملق.
نريد الأخ المسلم متصفًا بالعدل في جميع الأحوال، صادق الكلمة فلا يكذب، رحيم القلب، حسن السلوك، كله حركة ونشاط وحيوية».([2])
ومن الصفات اللازمة للفرد المسلم أن يكون واثقًا في قيادته وجماعته، ويحدد الأستاذ الراحل مجموعة من الضوابط التي ينبغي للفرد أن يعيها جيدًا، حتى يحافظ على وحدة صف الجماعة، ومن ذلك:
1- أن يقوم بواجب الشورى.
2- أن يلتزم بموقف القيادة الذي تتبناه – وإن خالف رأيه.
3- ألا يتأثر بما يثيره البعض من النيل في موقف القيادة.
4- الاجتماع على الصواب خير من الافتراق على الأصوب. ([3]).
وإنك لترى - أخي - سعة فقه الرجل وكثرة تجاربه وخبراته بما يحافظ على قوة الصف.
وتماسكه، التي هي في الأساس تنبع من فهم الأخ لدينه وحركته ودعوته، وسترى بعد قليل كيف عني بهذه القضية.
والمسلم الداعية لا بد أن يكون واعيًا لطبيعة حقل الدعوة، فالأفراد الذين نعمل معهم في حقل الدعوة ليسوا كفارا ولا مشركين - كما كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم فهم يرون سيرهم صحيحًا، برغم ما فيه من شوائب وانحرافات، وهو ما يجعل الكثيرين منهم يرفضون النصح حينما ندعوهم إليه، وهو ما يحتم على الداعية أن يكون ... صاحب القدوة وأن يكون صاحب القلب الكبير والخلق الحسن والأسلوب السليم الذي يغزو القلوب، ويولد الثقة بينه وبين من يدعوهم، ويتقن كيف يأخذ بأيدي المخطئين لتصحيح أفهامهم وتصوراتهم وسلوكهم دون إحداث فرقة أو تنازع، ولكن بلين الجانب، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبالقدوة العملية الحسنة، التي تنتزع التقدير وتدفع إلى التأثر والاقتداء به والاستجابة إلى ما يدعوهم إليه.
وعندما ندعو مسلمين إلى تصحيح إسلامهم يجب أن يشعروا أنهم منا ونحن منهم، ولا تُعد أنفسنا مجتمعا مسلما منفصلًا عن باقي المسلمين؛ لأن ذلك يعزلنا عنهم فنتقوقع وننتهي. ([4])
ومشروع الدعوة الفردية الذي قعد له الأستاذ ملخصه أن يحاول كل من يعمل على طريق الدعوة الفردية أن يدخل في الدعوة صديقًا جديدًا في مدة يحددها، ويفكر في هذا المشروع، ويعزم عليه. ويبذل كل ما في طاقته من جهد، وهذا المشروع يعكس اهتمامه بقضية الفرد التي هي البنيان الأساسي والشريان الحيوي في جسد الجماعة المسلمة، فلا بد من تجديد الدماء وتوريث التعاليم، ونشر دعوة الله تعالى فوق ربوع العالمين «النية لله تعالى»، ويُقدر عظم المهمة التي يتصدى لها. وأن يكون لين الجانب، حسن الخلق ذا خبرة بالمجتمع الذي يدعو الناس فيه، كما ينبغي عليه أن يتفقه ويتعلم ويدرس السيرة العطرة والتاريخ الإسلامي، ويحفظ ما يستطيع من القرآن وأن يجمع في حديثه بين مخاطبة العقل والوجدان» ([5])
مشهور والمجتمع:
بعد انفتاح العمل الإسلامي في فترة السبعينيات، تجدد العزم على إيجاد المجتمع المسلم، واجتهدت الجماعة كلها في تكوين وتربية وإعداد الفرد المسلم، والأسرة المسلمة.
ولما كان من المستحيل أن يتحول كل أفراد المجتمع إلى هذه النوعية التي يسعى الإخوان إليها: الفرد المسلم أو الأخ العامل النموذجي، نجده - يرحمه الله - قد سارع ببيان أن المقصود بالمجتمع المسلم - بعد توافر العدد المناسب من الأفراد المسلمين القدوة - والبيوت المسلمة القدوة أن يكون باقي أفراد المجتمع مسلمين صالحين متجاوبين مع الحركة الإسلامية وأهدافها، متقبلين لتحكيم شرع الله وليس بالضرورة أن يكونوا مجندين في الحركة وهذا الهدف له وسائله الخاصة التي قد تختلف بعض الشيء عن وسائل التجنيد للصف يلزم الأخذ بها، ومن أمثلة ذلك مجال البر والخدمة الاجتماعية»([6])
ولعله أشفق على الشباب - وهم يرون ما عليه المجتمع من سوء الحال، وهبوط المستوى والبعد عن الإسلام وتعاليمه - أن تدفعهم هذه الحال إلى اليأس من الإصلاح، أو الانصراف عن القيام بواجب الدعوة إلى الله، أو الانعزال عن الناس خشية الفتنة، فوقف ناصحًا مشفقًا، كالطبيب الذي يشخص الداء ويصف الدواء يقول: «أما الانصراف عن العمل خشية الفتنة، فهذا موقف سلبي لا يصح، وهل يصح للطبيب أن يمتنع عن العلاج خشية العدوى!، ولو وقف كل طبيب هذا الموقف لاستشرى المرض وذهب هو أيضًا مع الذاهبين، كذلك لو امتنع الدعاة إلى الله عن دعوة غيرهم لاستشرت الفتنة، ولاقتحمت عليهم بيوتهم ولأكلت الأخضر واليابس، ولتعرضنا لفتنة أشد، وما علينا إلا أن نتحصن بحسن الصلة بالله، ويرتبط كل منا بإخوانه الذين يذكرونه إذا نسي، ويعينونه إذا ذكر، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وليؤمن كل منا أن الحق الذي معه سيزهق باطل الناس مهما انتفش». ([7])
وفي موطن آخر يبين - رحمه الله - أن من أهم واجباتنا أن نعمل وسط الصفوف المسلمة، وأن تختلط بها ويختلطوا بنا حتى يمكن توضيح الصورة الصحيحة للإسلام الذي ندعو إليه، وإن كانت الحكومات المتعاقبة تجاهد ما استطاعت لتعزلنا عن المجتمع وطوائفه فلا ينبغي أن يصرفنا ذلك عن العمل والسعي والحركة، «فالجمهور المسلم في مجتمعاتنا هو حقل الدعوة الذي تعمل فيه، ورصيدها الذي يدعم الصف بالعناصر المؤمنة المجاهدة، وهو القاعدة التي سيقوم عليها البناء، فالأصل أن تلتحم بهذا الجمهور وأن نتعامل مع كل فئاته وطوائفه والانحراف أن نتعزل أو تعزل عنه، أو أن نهتم ببعض فئاته ونهمل غيرها وإن كان أعداء الله يعملون جاهدين على تحقيق العزلة بين الشعب والدعاة إلى الله وتشويه صورة الدعاة وتلفيق القضايا لهم، ووصفهم بالرجعية والتطرف والإرهاب والتستر وراء الدين فالواجب أن تقابل كل ذلك بالحرص الكامل على الالتحام بالشعب بكل طوائفه، ومشاركته قضاياه وآماله والأمه وأفراحه وأتراحه وتصحيح الصورة وكشف التضليل وزيف التهم الباطلة بأن يلمس الناس عكسها عمليا بما نقدمه لهم من حب وعاطفة وعون وأعمال فيها خيرهم ونفعهم هم وأولادهم كما نقدم لهم الإسلام على أنه الملاذ الوحيد لإنقاذهم من الضياع الروحي والمادي. ([8])
مشهور ووحدة الصف:
الصف المسلم يبدأ بفرد، وصلاح الصف إنما يرجع إلى صلاح الفرد ذاته، ولقد عني - رحمه الله - بالفرد، كما عني به من قبل من سبقوه على طريق الدعوة وكان يرى أن أي تقصير في مجال التربية يعتبر ضعفا في الأساس ويعرض البناء إلى الانهيار إن عاجلًا أو أجلًا، فاهتم بأمراض القلوب وحذر من أن تستولي على قلوب أصحاب الدعوات فتنحرف بهم عن الغاية فتفسد النية وتحيط الأعمال وله - رحمه الله - الكثير من المؤلفات التي تعنى بالفرد وتنشئته الإيمانية مثل «زاد على الطريق الحياة في محراب الصلاة، الإيمان ومتطلباته، مناجاة على طريق الدعوة بين الربانية والمادية، مقومات رجل العقيدة، القدوة على طريق الدعوة»
وكان من اهتمام الشيخ مشهور بالصف المسلم أن رسخ مفاهيم العمل الجماعي، وحذر من الخروج عليه أو محاولة إيجاد تكتلات داخلية حول أشخاص أو أفكار وأراء، أو ممارسة الضغط على القيادة لإلزامها برأي معين أو استعلاء البعض على الخضوع للنظام والالتزام بتعاليم القيادة وكأنهم فوق القيادة فكل هذه الصور وما يشبهها انحراف عن مفهوم الجماعة وعن مفهوم الالتزام وما وضعت النظم واللوائح إلا لوقاية الصف من مثل هذه الانحرافات، وواجب القيادة في أي موقع أن تتخذ المواقف الحازمة إزاء مثل هذه التصرفات ومن خلال النظم واللوائح دون تراخ أو مجاملة.
معلوم أن الجماعة تحافظ على كل فرد فيها، ولا تفرط فيه لكن إذا أصر الفرد على إحداث بلبلة وتصديع في الصف، فالجماعة فوق الأفراد مهما كانت منزلتهم.
ولتعلم أن الجماعة ستسير بعون الله بنا أو بغيرنا، فنحن لا نشفق على الصف، ولكن نشفق على أنفسنا ومن المؤسف أن نُحرم بركة الجماعة وخيرها، وكان الإمام البنا يقول لنا: إن لم تكونوا بها - أي الدعوة - فلن تكونوا بغيرها، وهي إن لم تكن بكم فستكون بغيركم، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. ([9])
لقد حارب - رحمه الله - كل صور الانحرافات الغاية والفهم، والعمل ووسائله، والجماعة والالتزام بها، فكان يرفض «لأي سبب من الأسباب أو لأي ظرف من الظروف إقامة تحالفات مع الغير أثناء الحركة بالدعوة، إذا كانت هذه التحالفات يترتب عليها تنازلات أو انتقاص من مبادئ الإسلام الذي تعمل على التمكين له ﴿وَدُّوا َلوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 9)، وإلا فيكون ذلك انحرافًا وتحولًا عن المبادئ والأهداف، وتمكينا لغيرنا أن يتحكم في وجهتنا وخطة عملنا » ([10])
ومما حذر منه أن تستدرج الجماعة إلى معارك جانبية وقضايا فرعية تستنفد جهودها وأوقاتها.
وإنما ينبغي «أن نعطيها القدر المناسب فقط من الجهد والوقت، وذلك بتحديد الأهداف، ووضع الأولويات، وتنظيم الوقت، فأحيانا يترتب على إهمال الجزئيات مضاعفات ومشاكل تحتاج بعد ذلك إلى كثير من الوقت والجهد لحلها». ([11])
وحتى يحافظ الصف على سلامته وقوة بنيانه فلا بد أن تحوطه الثقة، وتكون هي الملاط الذي يربط بين لبنات هذا البنيان الشامخ، ولما كان أعداء الله يعمدون إلى تشويه صورة الصف المسلم بالنقد والتشكيك تارة، وبإلصاق التهم الباطلة تارة، وباستعمال أسلوب الضغط أو الترهيب كعامل رحمه مساعد على هز الثقة - تارة أخرى، فقد عُني الله - بوضع النقاط فوق الحروف، موضحا الفرق بين من ينتقد ليبني وبين من ينتقد ليشكك ويهدم، وذلك حتى لا تستهوينا سطحية الأقوال والأفعال فننساق وراءها، ونخدع بها، يقول: فالواجب أن نقبل النصح ونستفيد من النقد البناء، وأن نرفض التشكيك، والنقد الهدام، لا نسمع إليه ولا ننشغل به ولا تبادل أصحابه مهاترات أو مساجلات كلامية أو كتابية. فعلى كل أخ في الصف - فردًا أو مسؤولًا - أن يحافظ على من أي شيء ينال منها، وعلى المسؤول أن الصلة بإخوانه ليبين لهم الأمور أو المواقف ويوضح لهم ما يبهم عليهم منها، وخاصة ما يثيره المشككون ليكون الصف في حصانه.. وإذا حاك في صدر أحد الإخوان شيء فعليه أن يسارع بالتبيين وألا ينقل ما سمعه وسط الصفوف فيحقق بذلك غرض المشككين، وما أجمل الالتزام بما أرشدنا الله إليه في هذا المجال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 9) ([12])
مشهور والشورى:
ومن أهم المبادئ التي عني الشيخ مشهور بترسيخها مبدأ الشورى، فكان يرى أن الشورى «من الزم وانفع الأمور فيها يتوصل إلى الرأي الأنضج والأصلح، وتشعر القواعد بالمشاركة في المسؤولية، ويسود جو الثقة والتعاون المثمر بين الجميع»([13])
ولكي يطبق هذا المبدأ جيدا فهناك واجبات ومسؤوليات لا بد أن تراعى جيداً، ومن ذلك إيجابية الأفراد ومشاركتهم في المسؤولية «فالمطلوب من كل فرد في الصف أن يكون إيجابيا مشغولًا بدعوته، يفكر فيها، ويشير بما يراه يحقق نفعا أو يدرا ضرراً، معاونا لقيادته بالرأي والنصح بأدب الإسلام». وعلى المسؤول في أي موقع أن يستشير إخوانه ويستفيد من عقولهم وأفكارهم ولا يضيق بالنصح الذي يقدم منهم»([14])
بل إنه - يرحمه الله - عدد كثيرًا من جوانب القصور والانحرافات التي يمكن أن تصيب الشورى فيقول:
«والذي يعتبر انحرافًا عن الأصل هو تعطيل الشورى، وعدم ممارستها من قبل القيادة أو أي مسؤول في موقعه مهما كان قدره وعلمه وكفاءته، كذلك الموقف السلبي من الأفراد، وعدم إبداء الرأي والنصح للمسؤول، وعدم الشعور بمشاركته في المسؤولية».
ومن أخطر صور الانحراف عن مبدأ الشورى - كما يقول - أن يكون لها شكل ومظهر ولكنه مفرغ من مضمونه، بمعنى أن يكون مجلس شورى ولكن تدخلت في تكوينه عوامل مختلفة فرغته من جوهره وجعلته مظهرًا دون مخبر، يوافق القيادة على كل ما تراه مثل ما يحدث في كثير من بلادنا..
«وكما لا يجوز للمسؤول أن ينفرد بالرأي دون مشورة، كذلك لا يصح أن توضع له القيود الكثيرة التي تكبله عند اتخاذ القرار، أو تسلب صلاحياته بحيث يصير مجرد رمز فقط لا يستطيع أن يبرم أمرًا..
كما لا يصح للقواعد أن تعتقد أنه لا بد وأن تُستشار في كل صغيرة وكبيرة، أو تتصور أنها غير ملزمة بالطاعة للقيادة فيما لم تستشر فيه من أمور، فهذا كله بعد خطًأ وإخلالًا بمبدأ الشورى وعلى القيادة الحكيمة أن توائم بين كل ذلك وتسلك الطريق الوسط المفيد». ([15])
وفي موطن آخر يدفع التهم الملصقة بالإخوان من أنهم لا يعطون الشورى في تنظيماتهم المكانة اللائقة بها، ويلزمون من يسير معهم بالطاعة العمياء. فيوضح خطأ من ادعى ذلك ويقول:
«إن الواقع التنظيمي للإخوان يؤكد مبدأ الشورى، فالهيئة التأسيسية ومجالس الشورى وكل مؤسسات الجماعة قائمة على مبدأ الشورى واحترام الرأي والمناقشة، بعيداً عن الفرقة والخلاف، ولكن يلزم التنبيه إلى أمر وهو أنه بعد إعطاء حق الشورى والحوار فإنه يجب الالتزام بما ينتهي إليه الجمع من رأي أو قرار بما في ذلك أصحاب الآراء المخالفة، ولا يجوز التحدث بالرأي المخالف بعد ذلك في الصفوف منعًا للبليلة والفتنة، ولا يعتبر ذلك في هذه المرحلة كبنا للحرية أو منعًا للشورى ولكنه منع للفتنة وحماية للصف»([16])
وأنت - أخي المسلم - حينما تقرأ هذا الكلام تعلم أنه ما خرج إلا من مجرب وخبير في شؤون الدعوات وفقهها، رجل زادته السنون خبرة وحركة وحنكة ومعرفة بما يقتضيه الحال من المقال والعمل، فسلام الله عليك يا شيخ مصطفى ورحمك الله رحمة واسعة.
من أقواله:
المطلوب من كل فرد في الصف أن يكون إيجابيًا مشغولًا بدعوته يفكر فيها ويشير بما يراه يحقق نفعًا أو يدرأ ضررًا، معاونًا لقيادته بالرأي والنصح بأدب الإسلام.
قوانين الحل لا تحل الجماعة، ولن تتوقف عن العمل والحركة حتى تلغي هذه القوانين، وتعتبر الجماعة قائمة ما بقي أخ واحد يدعو باسمها ويجمع الناس عليها.
على الداعية أن يؤدي واجب الدعوة إلى الله دون أن تؤثر حصيلة إنتاجه على سيره.
المحن ليست فترات ميتة ولا ضربات قاضية، ولكنها فترات حية، وقوة دافعة للسير على طريق الدعوة في قوة وثبات.
افرح يا أخي واسعد عندما تجد وقتك مشغولًا بالعمل، وطاقتك مستنفدة في حقل الدعوة، فذلك من فضل الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.(يونس: 58).
نريد من يعطينا نفسه وماله في سبيل الله.. نريد من يصبرون ويضحون ويثبتون ويتحملون أعباء الدعوة والعمل، ويقدرون المسئولية وعظمها والأمانة وثقلها.
على المسؤولين أن يجنبوا الصف روح الجدال والنقاش والكلام الكثير الذي لا يؤدي إلى خير ولا إلى إنتاج.
الهوامش:
([1])من فقه الدعوة (ج٢، ص ٤٤٦).
([2])وقد ذكر الأستاذ الراحل خمساً وعشرين صفة للأخ الداعية المسلم القدوة وعشرين صفة للأخ المربي القدوة وفصل صفات المسلم القدوة في شتى مناحي الحياة، سواء كان مدرسًا أو إداريًا، طالبًا أو إعلاميًا، طبيبًا ومهندسًا، تاجرًا وعاملًا كاتبًا أو قانونيًا، وكل واحد من هؤلاء له صفاته التي ينبغي أن يتصف بها كل في مجاله، وإنما اكتفينا بذكر الصفات العامة التي تربط بين هذه الشرائح جميعها، وللاستزادة يرجع إلى رسالة «القدوة على طريق الدعوة» من سلسلة فقه الدعوة رقم (١٥)، «راجع من فقه الدعوة ج۲، ص. ٥٩٧ إلى ص.616».
([3]) السابق ص (٥١٧).
([4])السابق ص (٥٥٥).
([5]) من فقه الدعوة (ج١. ص ٣٢٥، ٣٤٣).
([6]) من فقه الدعوةج1ص325، 343.
([7]) السابق، ص127.
([8]) ص209.
([9]) من فقه الدعوةج1ص171-173بتصرف.
([10]) السابق ص201.
([11]) السابق ص207.
([12]) السابق ص215.
([13]) من فقه الدعوة ج1 ص202.
([14]) السابق 202-203 بتصرف.
([15]) السابق 202-203 بتصرف.
([16]) السابق ص292-293.