; بعد سحب الثقة من الحكومة الانتقالية.. أبعاد وتوقعات | مجلة المجتمع

العنوان بعد سحب الثقة من الحكومة الانتقالية.. أبعاد وتوقعات

الكاتب مصطفى عبدالله

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2001

مشاهدات 60

نشر في العدد 1475

نشر في الصفحة 42

السبت 03-نوفمبر-2001

في خطوة لم يشهد مثلها الصومال المعاصر سحب مجلس الشعب الثقة عن الحكومة الانتقالية يوم ٢٨ أكتوبر المنتهي، فقد صوت (١٤١) نائبًا ضد الحكومة بينما صوت ٢٩ لصالحها، وأمتنع أربعة عن التصويت، وحضر الجلسة (١٧٤) نائبًا من مجموع (٢٤٥) نائبًا وجرت هذه التطورات في وقت يغيب فيه رئيس الوزراء المعزول الدكتور على خليف عن البلاد التي غادرها قبل ثلاثة أيام من تقديم اقتراح سحب الثقة عنه، ورحب نائب رئيس الوزراء عثمان جامع بقرار سحب الثقة عن الحكومة، وقال «لا يمكن رفض قرار جاء بتشاور وديمقراطية».

 وأضاف: «إن البرلمان هو وكيل الشعب، ومن صلاحياته محاسبة الحكومة، وهو الذي أخذ هذا القرار». ومن المفارقة أن غالبية أعضاء الحكومة أبدوا سحب الثقة عن حكومتهم، وقدم بعضهم استقالات متتالية خلال الأشهر السنة الماضية بسبب توتر العلاقة بين رئيس الحكومة وفريق حكومته. وجاء قرار سحب الثقة عن الحكومة بعد يوم فقط من إعلان رئيس الجمهورية عبد القاسم صلاد حسن وجود مبادرة تصالحية بين الحكومة ومعارضيها تحت رعاية حكومة صديقة لم يذكر أسمها، وأكدت مصادر مطلعة لـ المجتمع أن البلد المضيف هو كينيا.

مجلس الوزراء كان يضم خمسة وعشرين وزيرًا وعددًا من وزراء الدولة وضعف العدد من نواب الوزراء طاقم أكثر من ثمانين شخصًا، روعي في تشكيله التوازن العشائري فالحكومة حكومة وحدة وطنية تتألف من العشائر، ولا شك أن هذا العامل كان على حساب الكفاءة والخبرة والممارسة.

تركز برنامج الحكومة على محاور أساسية أبرزها استتباب الأمن وإعادة النظام وسلطة القانون وتحقيق مصالحة شاملة، والإعداد لما بعد المرحلة الانتقالية وذلك بتكوين الأجهزة الإدارية المختلفة للدولة.

حاولت الحكومة تنفيذ برنامجها وتحقيقه على أرض الواقع: فبدأت جمع أسلحة المليشيات وإعادة تأهيلها وتكوين الشرطة... إلخ.

ولكن في الشهور الأولى من عمرها وجهت انتقادات للأداء الحكومي وتزايدت الانتقادات حتى أصبحت موضوع الساعة في المنتديات والمجالس المختلفة، وتناولها الإعلام المحلي بإسهاب.. كانت الانتقادات تأتي من أنصار الحكومة قبل معارضيها ومن أعضائها قبل أعدائها كما بدأ الشارع يظهر تنمرًا من ضعف أداء الحكومة وسوء الإدارة، وازداد التنمر حتى تحول إلى مسيرات احتجاجية.

خلافات داخل الطاقم الانتقالي:

ظهرت الخلافات داخل الطاقم الانتقالي وتفاقمت حتى وصلت إلى حد أزمة... ظهرت خلافات بين بعض الوزراء ورئيس الوزراء حتى قاطع بعض الوزراء اجتماعات مجلس الوزراء... وظهرت خلافات بين بعض الوزراء أنفسهم وخاصة الوزارات التي ترتبط فيما بينها بحكم طبيعة مهامها.. ولا عجب من ظهور الخلافات لأن إخفاقات الحكومة وعدم تحقيقها تقدمًا ملموسًا أدى بالطبع إلى التلاوم المتبادل والخروج عن الصف. وبعد مئة يوم من عمر الحكومة حاول البرلمان محاسبتها على برنامجها وتقييم أدائها.. ولكن تحولت القضية إلى أحتكاكات متتالية بين الجهازين التنفيذي والبرلماني.. ثم بدأت فكرة التصويت على الثقة بالحكومة منتصف العام الجاري واكتسبت الفكرة أنصارًا لها. وذكر مسؤولون من البرلمان لـ المجتمع أن بعض النواب تقدم بمشروع لسحب الثقة عن الحكومة عدة مرات، ولكن نوابًا آخرين أقنعوهم بسحب مشروعهم.

وهكذا تزايدت الخلافات وأستفحل أمرها، وتكونت تكتلات داخل الطاقم الانتقالي كتلة تؤيد رئيس الوزراء، وكتلة تعارضه من أبرزها رئيس البرلمان، وكذلك رئيس الجمهورية!

ولا تقوم هذه التكتلات على أساس عشائري، بل على تفاهم ما بين أعضاء كل كتلة وأعتبر بعض المراقبين هذا التكتل غير العشائري، بغض النظر عن أجندته، بحد ذاته تطورًا نوعيًا يستحق الإشادة! 

الفريق المعارض الرئيس الحكومة رأى أنه فشل في إدارة طاقمها، كما أن تعامله مع الآخرين أتسم بالحدة؛ ويتهمونه بأنه لا يملك الخبرة المطلوبة لمعالجة المشكلات المعقدة في بلد مثل الصومال رغم تخصصه الأكاديمي المرموق. أضف إلى ذلك أنه كان غائبًا عن البلد نحو ١٥ عامًا.

وقد حاول بعض الوسطاء رأب الصدع وحل الخلافات بين الأطراف داخل الطاقم الانتقالي، وخاصة الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة، ولكن لم تكلل تلك الجهود بنجاح. قد تهدأ الأمور بعض الوقت لكنها تعود مرة أخرى أشد مما كانت عليه.

وبدون سابق إنذار تفجر الوضع عقب مسيرات احتجاجية بسبب الأوضاع المعيشية الخانقة التي شهدتها العاصمة يوم التاسع من أكتوبر. وفي اليوم التالي أدلى رئيس البرلمان عبد الله ديرو بتصريح شديد اللهجة طالب فيه الحكومة بأن تستقيل وإلا فعلى البرلمان أن يقبلها... ورد رئيس الوزراء في اليوم الذي يليه بتصريح أشد أنهم فيه رئيس البرلمان والجمهورية معًا بتدبير مؤامرة ضده للإطاحة به.

وفي اليوم نفسه قدم ١٤ نائبًا في البرلمان اقتراحًا لسحب الثقة عن الحكومة؛ وشرع البرلمان في مناقشة الاقتراح في ٢٢ من أكتوبر الماضي.

وقضية تشكيل حكومة أو عزلها ليست سهلة في الصومال، على الأقل في الظرف الراهن بل لا بد من احترام القواعد الرسمية والأعراف العشائرية على حد سواء، على الأقل في هذا الظرف ولا بد من إجماع- أو شبه إجماع- على أي خطوة من هذا النوع.

الحاجة لإجماع رسمي وعشائري:

فرغم استفحال الخلافات، إلا أن كل طرف لا يملك أن يتخلص من الطرف الآخر بسهولة، بل يحتاج إلى إجماع أو شبه إجماع على الأقل من السلطات والأعضاء في الدولة ذلك أن الميثاق الوطني المؤقت الذي أعتمد في مؤتمر المصالحة بجيبوتي يضع قيودًا وضوابط عديدة أمام المسؤولين الكبار للحيلولة دون الاستبداد بالرأي أو اتخاذ قرار أنفرادي قد يدمر مؤسسات الدولة التصالحية. فالبرلمان ينتخب رئيس الجمهورية الذي ليست له صلاحيات تنفيذية، ولكنه يعين رئيس السلطة التنفيذية «رئيس الوزراء» وفي الوقت نفسه ليست له صلاحية عزله، بل البرلمان وحده له حق عزل رئيس الوزراء ويشكل رئيس الوزراء حکومته ويصادق عليها البرلمان، ولكن ليس لرئيس الوزراء حق عزل وزير إلا بعد موافقة من رئيس الجمهورية.. وهكذا تم توزيع المقاليد خوفًا من ديكتاتورية جديدة هذا عن الجانب الرسمي.

وفي الجانب غير الرسمي، جاءت مؤسسات الدولة بوفاق تصالحي بين العشائر: ومن ثم لا يمكن إجراء أي تعديل جذري أو حتى طفيف إلا بعد الحصول على رضا الجميع!

لقد ثبت أن سحب الثقة، أو بالأحرى عزل رئيس الوزراء يحظى بأغلبية واسعة داخل البرلمان والحكومة معًا! كما يحظى برضا غالبية العشائر، أو غالبية أعضاء العشائر!، وأن تأخر مناقشة الاقتراح في البرلمان عن موعده قرابة أسبوع كان لإقناع الأطراف الرافضة في البرلمان أو الحكومة وإعداد المناخ على الصعيدين الرسمي والعشائري.

ماذا بعد سحب الثقة؟

ذكرت مصادر مطلعة لـ المجتمع أن أسماء عدة مرشحة لتولي منصب رئيس الوزراء يتصدرها حسن أبشر فارج الذي يتولى حقيبة المياه والمعادن كما يتوقع أن تحتفظ غالبية الوزراء بعضوية الحكومة الجديدة، وإن حدث تبادل للحقائب الوزارية فيما بينها، وعلى كل حال فإن التغيير سيكون طفيفًا جدًا.

ومعنى ذلك أن الحكومة الحالية تعود مرة أخرى، ولكن برئيس وزراء جديد فقط.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل