العنوان بعد ربع قرن من الضياع: مجرد اعتراف لا يكفي!
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1973
مشاهدات 14
نشر في العدد 151
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 22-مايو-1973
تُلخص إحدى المجلات التي تضع نفسها في الطليعة
التقدمية رأيها في الوضع العربي بعد ربع قرن (1948 – 1973) فتقول بالحرف الواحد:
«باختصار.. إننا لا نبالغ إذا قلنا إننا عمليًا،
ومن الناحية الواقعية أكثر رجعية وبدائية وتخلفًا مما كنا عليه سنة 1948، رغم
الثورات التي اجتاحت العالم العربي، ورغم كل الزعامات التي التهبت أكف الجماهير
بالتصفيق، وبحت حناجرها بالهتاف..
فالواقع الاقتصادي منهار رغم الثورات الهائلة التي
يحتوي عليها الوطن العربي.. والواقع الاجتماعي متأخر ومنحل رغم الدعوات السطحية
المتكررة للوحدة الوطنية.. والواقع السياسي بدائي ومتخلف رغم ادعاء الديمقراطية».
ولنا تعليق على هذا الكلام: إن الربع قرن الذي بعثر
قوى العرب على هذا النحو.. والذي تخلف فيه العرب على هذا النحو.. والذي انتكس فيه
العرب على هذا النحو.. كان كله تقريبًا.. ربع قرن يساري.. فيه حكم التقدميون
(الرجعيون في الحقيقة) الثوريون (المنحلون في الحقيقة) وفيه راجت بضائع المذاهب
المستوردة.. والشعارات إياها.. المعروفة..
إن الزعامات التي التهبت الجماهير أكفها تصفيقًا
لها.. كانت زعامات تحكم باسم التقدمية والاشتراكية والثورية.. وكان لهذه الزعامات
هي الزعامات التي افتخرت بأنها حققت أكبر نهضة في التاريخ.. في أسرع معركة في
التاريخ.. هذا إذا كان هناك معركة..
وهذه الزعامات.. التي التهبت أكف الجماهير تصفيقًا
لها.. وبحت حناجرها بالهتاف لها.. هذه الزعامات كانت «تقدمية».. كما تصف نفسها..
وكانت تحظى من الشيوعيين وأدعياء الثورية والتقدمية بكل دعاية وتمجيد، وكان
الشيوعيون وأتباعهم من الاشتراكيين والطليعيين يمنون العالم العربي المخدوع بما
سوف تحققه هذه الزعامات بالنسبة للعالم العربي، وما سوف تحققه هذه الزعامات
(الثورية) من عجائب الزمان.. وانتصارات السندباد..
فلما سقطت هذه الزعامات انقلب الشيوعيون عليها،
وكأنها ليست زعاماتهم، وكأنهم ليسوا صناعها ومخترعي أمجادها المزيفة..
لقد كانت هذه الزعامات تقتل الجماهير بدون محاكمات..
باسم الثورية، وكان الشيوعيون والقوميون والاشتراكيون.. يصفقون لقتلها، ويبررون
إجهاضها لحقوق الإنسان.. وقد بحت حناجرهم هتافًا لسلوكها غير الإنساني وغير
الكريم..
ولقد حرمت هذه الزعامات الإنسان العربي من أبسط
حقوقه.. من حق التعبير.. وحق الانتخاب الصحيح.. وحق الاعتراض.. وحق الدفاع عن
النفس عند الاتهام.. ولقد صنف الماركسيون الحرية، وجعلوها من حق قوم دون قوم..
تبريرًا لهذا الظلم الذي ارتكبته الزعامات في حق الحرية، ولقد وقف الذين يتبرأون
اليوم من هذه الزعامات موقف المبرر والمحلل والمفلسف لهذه الجرائم.. ووقفوا ضد
حرية الإنسان وحقوقه.. ثم راحوا يتباكون اليوم على هذه الحرية وهذه الحقوق..
وكان جهد هذه الزعامات التي التهبت لها الأكف تصفيقًا
وبحت لها الحناجر هتافًا.. جهدًا مكرسًا في ناحية واحدة.. كان مكرسًا للقضاء على
الإسلام والعاملين للإسلام.
وقد استوردوا من أجل ذلك أدوات التعذيب، وفتحوا من
أجل ذلك السجون الرهيبة، ولم يسألوا واحدًا من المتهمين.. ما جريمتك؟ وكانوا يحذون
في ذلك حذو موسكو والصين و«ستالين».. ولقد نجحوا -وهذا للأسف- في جعل شعوب عربية
بأكملها تتوارى وهي تصلي، وتهمس وهي تذكر الله، وتصمت على الأسى، لأن النقد النزيه
يساوي السجن إلى أجل غير مسمى.. فلما أعلن هؤلاء دخولهم في معركة مع إسرائيل..
كانوا قد ضللوا بشأنها الجماهير تضليلًا بعيدًا عن كل ما يتصل بالحقيقة بأبعاد
بعيدة.. انكشفوا على حقيقتهم كأقلية غربية متسلطة.. لم تكن تفكر في الوطن يومًا،
ولا في الأمة ساعة، وإنما كان هدفها هو القضاء على الإسلام، وعلى المسلمين.. ليس
غير..
إننا فقط.. نريد شيئًا من الشجاعة، وشيئًا من
احترام الذات، لكي لا يتنكر أحد لماضيه، ولكي لا يمسح أحد يده في ثياب الآخرين،
ولكي يعود كل إنسان إلى نفسه.. فيضعها في مكانها الصحيح من الصواب أو الخطأ..
ومن حق كل إنسان أن يندم.. وأن يتوب.. وأن يبحث جادًا
عن الطريق الحقيقي للتقدم والنصر..
وهذا الباب -باب التوبة- بيد الله وحده، وليس بيد أحد من البشر كائنًا من كان.. لكنه يحتاج فقط إلى شجاعة في هجر الماضي ووضوح في التوبة.. وعودة صحيحة لا مواربة فيها.. ولا تسويف في الكلمات.