; بعد ربع قرن ماذا بقي من انتصار أكتوبر؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد ربع قرن ماذا بقي من انتصار أكتوبر؟

الكاتب هشام جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1320

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 06-أكتوبر-1998

على الرغم من مرور ربع قرن على حرب رمضان ۱۳۹۳هـ أكتوبر ۱۹۷۳م، إلا أن الكثير من دروسها وعبرها بل وآثارها، مازال فاعلًا لدى أطراف الصراع، فنتائج الحرب لا تقاس بحجم المكاسب أو الخسائر العسكرية، ولكن بمجمل آثارها السياسية والاستراتيجية والمعنوية، فمازالت حرب رمضان قادرة على إثارة العواطف، وشحن المعنويات لدى شعوب المنطقة العربية والإسلامية، وقادرة على إثارة التفكير في استراتيجيات الصراع العسكري والسياسي المختلفة، ولا شك في أن إعادة قراءة نتائج الحرب، ودراسة آثارها المستمرة على قدر كبير من الأهمية، من أجل وصل الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل.

وتطرح نتائج الحرب دروسًا وعبرًا متعددة، يمكن للأمة أن توظف إيجابياتها الكثيرة، وتقلص من السلبيات التي أعاقت اكتمال عناصر النجاح، هذه النتائج منها ما يتعلق بقدرة الأمة على خوض صراعاتها ومعاركها على الرغم من اختلال موازين القوى العسكرية القائم بينها وبين أعدائها، ومنها ضرورة العمل العربي والإسلامي المشترك، لمواجهة التحدي الصهيوني، المستند إلى دعم الولايات المتحدة، علاوة على ذلك، فقد أبرزت الحرب الدور الجهادي للشعب الفلسطيني، والذي مازال مستمرًا حتى الآن. 

ولعل الدرس الجدير بالتسجيل أيضًا، يتعلق بان مصدر الضعف والهزيمة، ليس في تفوق العدو وامتلاكه ناصية القوة العسكرية وإنما واقع الانقسام الذي يتحول إلى صراع سياسي بين قوى الأمة وفئاتها، فالدول العربية لم تستطع أن تصوغ استراتيجية موحدة تجاه صراع الأمة مع الاحتلال الإسرائيلي إلا في لحظات محدودة جسدتها حرب رمضان، وكان الانقسام السياسي، الذي افرز في النهاية كامب ديفيد، واتفاقية أوسلو.

 وتجسيدًا لهذه الدروس، تفتح المجتمع هذا الملف، لترصد فيه ما جرى خلال ربع قرن مضى على هذا الانتصار، وذلك من خلال استطلاع آراء عدد من أبرز القيادات العسكرية التي شاركت في هذه الحرب، والذين أجمعوا على أن حرب أكتوبر لن تكون بأي حال آخر الحروب، لأن الحرب عند الصهاينة عقيدة، يؤكدها الفشل الذريع الذي تلقاه مسيرة الصلح كل يوم!

 ونحاول في هذا الملف، وعلى ألسنة الذين خاضوا الحرب استرجاع روح الجهاد والاستشهاد، والتي عمت الجيش المصري، وكانت العامل الحاسم في هذا الانتصار.

 ونرصد أيضًا نذر المستقبل.. مستقبل الصراع.. ورؤية الصهاينة للأمن القومي واستراتيجيتهم العسكرية في إدارة هذا الصراع مع العرب في المرحلة القادمة.

وإلى صفحات الملف ودروس هذه الحرب.

أعد الملف: هشام جعفر- قطب العربي- أحمد تهامي- وسام فؤاد

النتائج السياسية والاستراتيجية لحرب رمضان ١٣٩٣هـ أكتوبر ۱۹۷۳م.

القدرة على إدارة الصراع والقتال في ظل موازين قوي مختلفة. 

انتصار رمضان: أعاد للأمة روح العزة التي سلبت منها.. وكشف عن طاقاتها الكامنة والتي يمكن توظيفها في ساحات الصراع. 

فتح الطريق أمام الكفاح الفلسطيني صنع حقائق سياسية ومعنوية مهمة.. وقدم هامشًا للفعل الفلسطيني. 

حاجة الأمة لإعادة روح أكتوبر إلى جسدها المنهك أشد ما تكون لمواجهة الصلف الصهيوني وغطرسة القوة الأمريكية.    

تطرح حرب رمضان درسًا بالغ الأهمية لمستقبل الأمة في صراعاتها ومعاركها المختلفة، يتمثل في قدرتها على إدارة الصراع والقتال، في ظل موازين قوى مختلة، والقدرة على تحقيق إنجازات وانتصارات. 

فقد شكلت الحرب منعطفًا مهمًا بالنسبة إلى الاستراتيجية العربية والإسرائيلية، فعلى الرغم من تمكن القوات الإسرائيلية عبر المساندة الأمريكية «وبخاصة الجسر الجوي لإمداد القوات الإسرائيلية بالدبابات والمدافع والطائرات» من وقف الهجوم العربي، إلا أن إسرائيل لم تخرج منتصرة عسكريًا. وهي التي اعتادت الانتصارات الساحقة الخاطفة. 

وبدت إسرائيل، في نهاية الحرب، معزولة سياسيًا على الصعيد الدولي، الذي اعتبر أن الحرب العربية مبررة لتحرير الأراضي.

وبالطبع لا يمكن قياس النتائج العسكرية المحضة للحرب بعناصر كمية فقط، مثل حجم الأراضي التي حررت، وحجم الخسائر التي ألحقت بالعدو، وإنما يجب أن يؤخذ في الحسبان أيضًا قدرة الجيوش المتحاربة على الاستمرار أو عدم الاستمرار في الحرب وقت قبول وقف إطلاق النار، كما أن النتائج العسكرية لحرب ۱۹۷۳م تصبح بلا مغزى حقيقي، إذا لم تقارن بالنتائج التي تحققت في الحروب السابقة.

 وينبغي أن ينظر إلى ما تحقق في حرب رمضان من نتائج بقدر انعكاساته على الجولات القادمة، إذا ما توافرت الإرادة السياسية، والإصرار على خوضها إلى أن تحقق أهدافها المبتغاة، فإذا نظرنا إلى الحرب هذه النظرة الشاملة فسوف نصل إلى نتيجة جوهرها أن الإنجاز العربي في الحرب كان إنجازًا كبيرًا وعظيمًا.

وفي هذا الصدد، يشير عيزرا وايزمان «رئيس إسرائيل الحالي» في مذكراته: «لقد أدت حرب ١٩٧٣م إلى زيادة الثقة بالنفس لدى العرب، وإلى زعزعة قدرة إسرائيل على الردع، وإذا كنا نعتقد قبل حرب ۱۹۷۳م، أن العرب سيفكرون مرتين قبل الإقدام على الضغط على الزناد، فإن هذا الاعتقاد قد تهاوى بعد الحرب، لقد أدرك العرب أنهم قادرون في ظروف معينة على تحقيق إنجازات في ميدان المعركة، واستغلالها في تغيير الوضع القائم، وإرغام إسرائيل على الانسحاب، والتخلي عن مصالحها الحيوية.. فمنذ حرب عام ١٩٧٣م، ازدادت ثقة العرب بقوتهم وسلاحهم، وتزعزعت الأسطورة اليهودية في نظرهم، ولم تعد إسرائيل تبدو في نظرهم كقلعة يصعب اختراقها، ودولة تتمتع بتفوق تكنولوجي وبشري، بل كدولة تسير نحو الانهيار، ومال العرب إلى مقارنة إسرائيل بالدولة الصليبية التي قامت في قلب المنطقة العربية وانهارت من الداخل قبل أن يهزمها جيش صلاح الدين الأيوبي «لاحظ أنه يحسد صلاح الدين لكونه سببًا في انهيار مملكة الصليبيين»، وبدت إسرائيل بعد حرب ۱۹۷۳م في نظر العرب كدولة تسير نحو الانهيار، وتنوء بالأعباء الاقتصادية وتعيش في حالة توتر «أمني» دائمة، وهي ممزقة طائفيًا وطبيعيًا، ويعيش زعماؤها في حالة نزاع دائم.. لقد أراد العرب طيلة سنوات عديدة، أن يؤمنوا أن الزمن يعمل لصالحهم في المجابهة الشاملة مع إسرائيل، وتبين لهم منذ عام ۱۹۷۳م، ولأول مرة أن هناك أساسًا لهذا الإيمان.

  • العمل العربي المشترك وتغيير موازين القوى:

على الرغم من أن الحرب جاءت -في توقيتها على الأقل- مفاجأة للدول العربية الأخرى فقد سارعت هذه الدول «شعوبًا وحكومات» كل حسب إمكاناته، إلى المساهمة في المعركة، فقد برز التضامن العربي في المعركة وبعدها بأجلي معانيه في صورة لم تشهد لها المنطقة مثيلًا، فكثير من الأقطار زج بجزء من قواته المسلحة إلى المعركة، واستعملت الدول المصدرة للنفط ثروتها كسلاح مؤثر في السياسات الدولية، وأدركت إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، أنها لأول مرة منذ اندلاع صراع الأمة مع الاحتلال الصهيوني تواجه امه واحدة ذات قضية مشتركة، وانتقلت حرب رمضان من إطار حرب عسكرية صرف إلى عتبة الحرب الشاملة، وكان هذا الانتقال الجزئي جديدًا على الجانب العربي، في حين أن الجانب المعادي عرف الحرب الشاملة بكل معانيها وأبعادها منذ بداية الصراع.

  • الأثر المعنوي للحرب:

ليس بعيدًا عن الحقيقة أن نقول إن حرب ۱۹۷۳م، كشفت الغُمة التي احتلت نفوس أبناء الأمة، إثر تراكم الهزائم وانسداد أفق الأمل، وبخاصة بعد حرب ١٩٦٧م، واستمر ذلك حتى أطلت حرب رمضان فإذا بالقوات المسلحة تنتقل من ردة الفعل إلى الفعل ومن الهزيمة إلى النصر.

 إن عجز العسكرية الإسرائيلية عن تطبيق استراتيجية الحرب الخاطفة التي تلائم معطياتها، واستمرار القتال بشكل يدل على أن الحرب ستطول بما يتناسب والمعطيات العربية، وبدء تحول التضامن العربي من شعار يتردد، إلى قوة تتحرك، وتهدد بتبديل ميزان القوي على مسارح العمليات، كل ذلك أوجب إحساسًا بأن الحرب تدار بشكل مقبول وإرادة عازمة، وأن كل يوم يمضي سيحمل معه تبديلًا في ميزان القوى لمصلحة العرب فالعسكرية الإسرائيلية عبأت كل طاقاتها وزجتها في المعركة، ولم يعد بوسعها تعبئة قوى جديدة، في حين أن قوة دول المواجهة مؤهلة للازدياد بفضل الوحدات العسكرية التي كانت تصل متتابعة إلى جبهتي القتال.

 إن انتصار رمضان أعاد للأمة روح العزة والكرامة التي سلبت منها، وكشف عن طاقاتها وقدراتها الكامنة التي يمكن توظيفها في ساحات الصراع بعد ذلك، وظهرت هذه الروح العالية في مقاومة أطفال الحجارة لجحافل الجيش الإسرائيلي التي عجزت عن التصدي للمدنيين العزل أثناء الانتفاضة المباركة، التي انطلقت في ٨ من ديسمبر ۱۹۸۷م.

  • بروز دور المقاومة الفلسطينية:

شهدت حرب رمضان نمو دور المقاومة الفلسطينية على الصعيدين السياسي والعسكري، وأدى الكفاح المسلح إلى إحياء الهوية الوطنية الفلسطينية، وخلق مشاعر مشتركة بين قطاعات الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وفي الشتات، كما خلق الكفاح المسلح حقائق سياسية، ومعنوية شديدة الأهمية، وقدم هامشًا للفعل الفلسطيني وسط الموازين الإقليمية.

لقد اشتركت القوات الفلسطينية مع القوات العربية، وقامت بعمليات «كوماندوز»، ضمن إطار خطة العمليات العامة وتحركت خلايا الداخل بضرب العدو المنشغل على الجبهتين بشكل دفع المؤرخ العسكري الإسرائيلي حاييم هيرتزوج -رئيس إسرائيل فيما بعد- إلى التحدث عن الجبهة الثالثة، ويقصد بها جبهة المقاومة الفلسطينية، وقد ارتفع عدد العمليات التي شنتها المقاومة الفلسطينية في فترة الحرب إلى أكثر من ٢٠٠ عملية.

ومع استمرار عمليات المقاومة، ارتفع مستوى معنويات مواطني الأراضي المحتلة، وازداد أملهم في التحرير، واستعدادهم لمتابعة النضال، بشكليه المدني والعسكري وبخاصة أن حرب ١٩٧٣م أسقطت كثيرًا من المفاهيم المتعلقة بالعدو «وقوته التي لا تقهره».

  • المفارقة بين النتائج السياسية والعسكرية:

ثمة ظاهرة تميزت بها حرب ۱۹۷۳م، من حيث النتائج التي انتهت إليها، وبخاصة في المجال السياسي، حيث ظهرت مفارقة واضحة بين النتائج العسكرية والنتائج السياسية، ويعزى بعد أساسي من هذه المفارقة إلى التوجهات الاستراتيجية والممارسات السياسية، التي تميزت بها سياسة الرئيس المصري السابق أنور السادات.

ذلك ينقلنا إلى تحديد هدف الحرب، كما صاغته القيادة المصرية، فقد كان الهدف الاستراتيجي العام للحرب، يتمثل في قيام الجيش المصري بعبور قناة السويس، واختراق خط بارليف واحتلال شريط من الأرض على الضفة الشرقية للقناة، يكون كافيًا لصد الهجمات المعاكسة الإسرائيلية، وتكبيدها أكبر قدر ممكن من الخسائر ولأطول مدة زمنية ممكنة، ومن ثم إجبار إسرائيل والولايات المتحدة، على البدء في تنفيذ تسوية سلمية مستندة إلى القرار ٢٤٢، بعد إثبات فشل نظرية الأمن الإسرائيلية عسكريًا واستحالة تثبيت «الأمر الواقع» المستند إلى استمرار حالة «اللاسلم واللاحرب»، أما الجيش السوري، فيقوم بخرق الدفاعات الإسرائيلية في هضبة الجولان.

من الواضح الآن، أن الهدف من قرار حرب أكتوبر، لم يكن تحرير الأراضي العربية المحتلة كافة بالقوة المسلحة، وإنما خلق وضع جديد، يسمح بتحقيق هذا الهدف بالوسائل الدبلوماسية اعتمادًا على عوامل القوة العربية والدولية، التي يمكن لقرار الحرب أن ينقلها من وضع السكون إلى وضع الحركة الفاعل والمؤثر، بمعنى آخر، لم يكن الرئيس السادات يتصور ربما نتيجة لتقدير واقعي الموازين القوى العسكرية، أن يحقق العمل العسكري وحده الحد الأدنى للمطالب العربية، متمثلة في تحرير جميع الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، وإنما كان العمل العسكري كما هو الحال دائمًا في الحال دائمًا في الصراع الدولي، وسيلة من وسائل الصراع السياسي الشامل، أو فصلًا من فصوله، لتحقيق الأهداف المعلنة عن طريق إضافة القوى السياسية، والكفاءة الدبلوماسية لعنصر القوة المسلحة.

وعلى العموم، فقد بدأت الملامح الأولى لتلك المفارقة، حينما اختل توازن العلاقات بين مصر من جهة، وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من جهة أخرى، وبدأت الخلافات المصرية السوفييتية قبل الحرب، حين قرر السادات طرد الخبراء السوفييت في عام ۱۹۷۲م، وذلك احتجاجًا على عدم تلبية السوفييت لاحتياجات الجيش المصري، كما أن الجسر العسكري السوفييتي لإمداد مصر بالسلاح أثناء الحرب -على الرغم من أهميته- لا يقارن بالجسر الأمريكي لإسرائيل، ولذلك قبل السادات دورًا أمريكيًا بارزًا في العلاقات المصرية- الإسرائيلية، وعبر جهود كثيرة بدأها هنري كيسنجر تم في النهاية توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام ۱۹۷۸م، ومعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية عام ١٩٧٩م.

 ويلاحظ أن ثمة رؤية لدى بعض الخبراء والساسة المصريين، ترى نتائج الحرب من منظور مختلف، فهي تعتقد أن سلوك السادات جاء نتيجة تصور معين للأوضاع في المنطقة، فهناك خلل في موازين القوى لصالح إسرائيل، والولايات المتحدة هي الأكثر تحكمًا في أوضاع المنطقة وليس الاتحاد السوفييتي، والاقتصاد المصري اشتد ضعفه بسبب الحروب المستمرة مع إسرائيل، وتقلص الدعم العربي إلى مصر، رغم فورة أسعار النفط، وظهور حركة احتجاجية فيما بعد في مظاهرات الخبز في يناير ۱۹۷۷م، علاوة على ذلك، فإن الاتفاقية المصرية- الإسرائيلية دشنت عودة الأراضي المصرية المحتلة.

 وقد مثلث اتفاقية سيناء الثانية «فض الاشتباك الثاني» في عام ١٩٧٥م، قوة دفع بارزة على طريق التسوية المصرية- الإسرائيلية، فالأحكام التي تضمنتها الاتفاقية نقلت الصراع من حالة إمكان استعمال الخيارات المتاحة عسكريًا وسياسيًا، إلى حالة خيار وحيد هو الوسيلة السياسية دون غيرها، وبذلك وضعت الاتفاقية إسرائيل في مأمن من أي عمل عسكري مصري، وفقد العرب بذلك إمكان القتال على خطوط خارجية في وقت واحد، وأصبحت إسرائيل تواجه جبهة واحدة بعد أن كانت تواجه جبهتين.

كانت اتفاقية سيناء الثانية، هي الأساس الذي بنى عليه ذلك الفصل والمفارقة والاختلاف والنتائج العسكرية والنتائج السياسية لحرب ۱۹۷۳م، حتى لا تكون الثانية وليدة الأولى، فمن المعروف أن قدرة أي طرف على تحقيق الأغراض التي حددها لنفسه تتوقف على مهارته وكفاحه في استخدام عناصر القوة الموظفة من أجل تحقيق هذه الأغراض، ولا تشكل القوة المسلحة سوى أحد عناصر القوة الشاملة للأطراف المتصارعة وقد تم استخدام الطرف العربي لهذا العنصر بأقصى قدر من الكفاءة في حرب ١٩٧٣م، وبخاصة في المرحلة الأولى من القتال، غير أن دور القوات المسلحة لا يتوقف عند حد المشاركة الفعلية في القتال، وإنما يمتد إلى مراحل ما بعد القتال، ففي مراحل الصراع السياسي بجميع أشكاله، ومنه التفاوض، لا بد من أن يكون واضحًا لدى الخصم، أن الطرف الآخر لديه القدرة المادية والإرادة السياسية الاستئناف القتال في حالة تعذر الوصول إلى تسوية يقبلها، وعندما يشعر أحد الخصمين أن البدائل العسكرية لم تعد متاحة لدى الخصم الآخر، يميل إلى فرض إرادته الكاملة وشروطه للتسوية، وكان من الواضح في حرب ۱۹۷۳م أن البديل العسكري لدى الطرف العربي لم يكن متاحًا بدون استمرار تدفق السلاح السوفييتي على مصر وسورية، ولذلك كان في مقدمة أهداف الدبلوماسية الأمريكية- الإسرائيلية في بداية مرحلة التفاوض أن تحاول استبعاد الاتحاد السوفييتي عنها، لتخلق مزيدًا من المتاعب أمام العلاقات المصرية – السوفييتية، وتغلق باب السلاح السوفييتي أمام مصر، وهو ما نجحت فيه الدبلوماسية الأمريكية.

 وردًا على سياسة السادات التي عقدت سلامًا مصريًا- إسرائيليًا، قامت الدول العربية بتجميد عضوية مصر في الجامعة، وفقد العمل العربي المشترك ركنًا أساسيًا من بنائه وفشلت قوة الصمود والتصدي في تقوية جبهة المواجهة مع إسرائيل فلم تلبث دول عربية أن لحقت بالسياسة المصرية الداعية إلى التسوية في مؤتمر فاس بالمغرب سنة ۱۹۸۲م، وكان مؤتمر مدريد ۱۹۹۱م ثم اتفاقية أوسلو في ۱۹۹۳م، النهاية المرة للمفارقة بين النتائج السياسية، والنتائج العسكرية لحرب رمضان وأدت للسير في مسار تسوية عربية- إسرائيلية، قائمة على عزل المسارات العربية، وانفراد إسرائيل بكل طرف على حدة، مما عمق اختلال موازين القوى الذي نجحت حرب١٣٩٣هـ ١٩٧٣م في تعديله. 

وتبدو الأمة العربية في هذه اللحظة في أشد ما تكون إلى إعادة روح أكتوبر إلى جسدها المنهك، من أجل مواجهة الصلف الإسرائيلي وغطرسة القوة الأمريكية، ولعل دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ووقف التطبيع مع العدو الإسرائيلي بمثابة الشروط الضرورية لاستعادة روح أكتوبر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق