العنوان بعد ربع قرن على الانفصال: لماذا تفشل مشروعات الوحدة بين العرب؟!
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أكتوبر-1986
مشاهدات 69
نشر في العدد 786
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 07-أكتوبر-1986
قبل خمسة وعشرين عامًا من الآن وبالذات في الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر عام
1961، أعلنت إذاعة دمشق عبر بيان وجهه بعض الضباط السوريين نهاية عهد الوحدة بين القطرين
السوري والمصري، التي لم يكن قد مضى على قيامها سوى ثلاث سنوات ونصف السنة، وهو عُمر
لا يكاد يترك في حياة الأمم والشعوب أي أثر. إلا أن هذا العمر القصير للوحدة بين القطرين
السوري والمصري خلَّف وراءه تجربة فاشلة انعكس أثرها على إمكانية قيام أي وحدة عربية
في المستقبل، وهذا الأثر ما نزال نعيشه حتى وقتنا الراهن، حيث كل التجارب والمشروعات
الوحدوية التي أعلن عن قيامها بين بعض الأقطار انتهت إلى الفشل والسقوط كما انتهت إليه
التجربة السورية المصرية قبل ربع قرن.
وكما حدث في الاتحاد الثلاثي بين مصر وسوريا وليبيا في بداية السبعينيات، ومشروع
الوحدة بين مصر وليبيا، وبين سوريا وليبيا، وبين تونس وليبيا، ومشروع الوحدة بين اليمنين
الشمالي والجنوبي، وبين سوريا والعراق، وغير ذلك كثير كان آخرها تجربة الوحدة بين ليبيا
والمغرب، وفشل تلك المشاريع يمثل في حقيقته استمرارًا لفشل التجربة الأولى التي قامت
بين سوريا ومصر عام 1958.
إن التجارب اللاحقة لم تأخذ بعين الاعتبار الأسباب التي أدت إلى فشل الوحدة السورية
المصرية وسقوطها السريع.
لماذا حدث الانفصال؟!
إن الأسباب التي أدت إلى حدوث الانفصال في اليوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر
عام 1961 ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدوافع التي أدت إلى قيام الوحدة في شهر فبراير عام
1958. وإن الانفصال في معناه الحقيقي لا يرتبط في يوم حدوثه فقط، إنما ترتبط حقيقته
في الاتجاهات الخاطئة التي بدأت مع الأيام الأولى للوحدة.
* أما بالنسبة للدوافع، فمما لم يعد سرًّا أن الأوضاع السياسية السورية في
ذلك الوقت كان لها أكبر الأثر في دفع الزعامات السياسية نحو إقامة وحدة بين سوريا ومصر،
وهذه الأوضاع كانت نتيجة إفرازات الصراعات الدولية القائمة في المنطقة، وتعاظم التيار
اليساري داخل المؤسسة العسكرية ووصوله إلى المراكز القيادية العليا، ومع ذلك فإن تلك
الزعامات كانت تطالب بإجراء دراسات متأنية لكي تقوم الوحدة على أسس سليمة متينة تضمن
لها الاستمرارية، ولكن تلك الزعامات لم تكن تفطن إلى ما يدور داخل المؤسسة العسكرية
من صراعات بين المجموعات الحزبية المختلفة، الأمر الذي أدى إلى حدوث ما يشبه الانقلاب
العسكري؛ وذلك حين توجه نفر من الضباط السوريين إلى القاهرة -متخطين قيادتهم السياسية-
ليضعوا بين يدي عبدالناصر مشروعهم الوحدوي الفوري.
* وقد وجد عبدالناصر في اندفاعةِ هؤلاء الضباط فرصة ذهبية لتحقيق طموحاته
الشخصية، فأعلن استجابته لرغبتهم متخليًا عن المبادئ التي اتفق عليها مع القيادات السياسية
السورية والخاصة بإقامة الوحدة على أسس مدروسة.
* وهكذا كانت دوافع الطرفين أول عوامل الفشل في تجربة الوحدة السورية المصرية،
وقد تجلت عوامل الفشل الأخرى في طبيعة الممارسات التي مارسها عبد الناصر في حكمه لدول
الوحدة، والتي كانت في مجملها ممارسات خاطئة -مقصودة- تتفق مع طبيعة أسلوبه الفردي
في الحكم، الذي اقترن بإنشاء أجهزة وإدارات أمنية مختلفة سخرت كل إمكاناتها التجسسية
والمباحثية لحماية النظام، فعرفت سوريا في عهد الوحدة العديد من هذه الأجهزة التي لم
تكن تسمع بها قبل عهد الوحدة، فمن المخابرات العسكرية إلى الشعبة السياسية إلى المباحث
العامة... إلى...
* وكما فعل عبدالناصر في مصر بعد سيطرته على مقاليد الأمور فيها حيث عمد إلى
إضفاء الطابع العسكري على كافة المؤسسات في الدولة، فعل ذلك أيضًا في سوريا بعد إعلان
الوحدة، فالوزراء عسكريون والمحافظون كذلك، وما من مؤسسة حكومية إلا وتولى إدارتها
رجل عسكري.
* اعتمد الحكم الفردي الذي فرضه عبدالناصر على دولة الوحدة على مجموعات من
الدجالين والمنافقين والمرتزقة الذين كانوا يزينون لفرعون سوء عمله، ووصل هؤلاء إلى
أعلى المناصب التي لا يملكون لتوليها أية مؤهلات، واضطر الرجال الشرفاء إلى الانكفاء
بعيدًا عن أية ممارسات سياسة وحتى اجتماعية؛ لئلا يُتهموا بأنهم يعملون ضد الوحدة وضد
قائدها الملهم، وتعطل بذلك أي دور للقيادات الواعية، وكان لإلغاء الأحزاب السياسية
وربط العمل السياسي بالمفاهيم الخاصة لعبدالناصر أثره الكبير في تعطيل دور الجماهير
الواعية القادرة على حماية الوحدة.
* محاولة فرض هيمنة قُطر على آخر، كما تجلى ذلك في قيام عبد الناصر بتعميم
التشريعات التي طبقها في مصر بعد توليه حكمها مُلغيًا معظم التشريعات السورية التي
كان يعمل بها قبل عهد الوحدة. ولم يقتصر ذلك على جانب معين، بل شمل كافة الجوانب السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتربوية والتعليمية، بحيث تحولت كافة المؤسسات
السورية إلى مجرد نسخة طبق الأصل من المؤسسات المصرية. وكان الاتجاه الصحيح هو أن يتم
اختيار التشريعات الأفضل بغض النظر عن مصدرها السوري أو المصري، ونعتقد هنا أن النزعة
الفردية المتأصلة في عبد الناصر هي التي دفعته إلى فرض تشريعاته ورفض كل المصادر الأخرى.
* غياب عامل الثقة دفع عبد الناصر إلى الاعتماد على رجاله فقط، ومن ثم بدأت
قوافل من الضباط والمديرين يتوافدون على سوريا في محاولة لوضع كافة الأمور بين أيديهم،
وكان على رأس هؤلاء المشير عبدالحكيم عامر الذي بدأ ينظر إليه السوريون نظرتهم إلى
المندوب السامي أيام الاستعمار الفرنسي.
متى تنجح مشروعات الوحدة؟
إن ما ذكرناه من أسباب أدت إلى فشل تجربة الوحدة السورية المصرية يدفعنا إلى
التساؤل: متى وكيف تنجح إذن مشروعات الوحدة مستقبلًا؟ والجواب عن هذا التساؤل نجده
واضحًا في استعراضنا لأسباب الفشل، وأول عوامل نجاح أية تجربة وحدوية مستقبلًا يكمن
في تجنب الأسباب التي أدت إلى فشل الوحدة السورية المصرية؛ فالرغبة في الوحدة يجب أن
تنطلق من الشعوب صاحبة المصلحة الحقيقية في تلك الوحدة، وأن تقوم على أسس مدروسة متأنية
لا تقترن أبدًا بالعجلة والسرعة والاندفاعة العاطفية، فالقضايا المصيرية لا تتعلق برغبة
حاكم أو اتجاهات حزب، والنقطة الأهم في قضية الوحدة تتعلق باعتماد الأساس الفكري والوجداني
الذي يربط الجماهير العربية برباط وثيق لا ينفصم، وهذا لا يتحقق سوى باعتماد المنهج
الإسلامي أساسًا لقيام دولة الوحدة.