العنوان بعد خطة شامير وبيريز- آفاق التسوية للقضية الفلسطينية
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989
مشاهدات 60
نشر في العدد 914
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 25-أبريل-1989
بعد خطة شامير وبيريز- آفاق التسوية
للقضية الفلسطينية
ياسر عرفات---أجواء إيجابية.
خطة شامير ---إجراء انتخابات في الضفة.
شيمون بيريز ---إنهاء الانتفاضة.
كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول ما
يسمى «بالأجواء الإيجابية» لتحقيق تسوية سلمية في المنطقة، اعتمادًا على ما يعتبره
البعض من أنه «مرونة» في الموقف الأمريكي تجاه حقوق الفلسطينيين ومنظمة التحرير..
وذهب هؤلاء إلى القول بإن الحل بات قريبًا، وإن القضية قضية وقت لا أكثر، وإن
أمريكا بدأت تغير سياستها الشرق أوسطية، وإنها بدأت تمارس ضغوطًا على «إسرائيل»
للقبول بالتسوية...
فما حقيقة هذه الأطروحات؟! وهل فعلًا
أننا على أبواب حل للقضية الفلسطينية؟!
•خروجًا من المأزق:
بعد إعلان المجلس الوطني الفلسطيني
قيام
«دولة فلسطين» في ١٥ نوفمبر ۱۹۸۸ وخطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة في
جنيف، والمؤتمر الصحفي الذي اعترف به یاسر عرفات بحق «إسرائيل» في الوجود كدولة
كاملة السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨ ، والموافقة على القرارين
٢٤٢ و ٣٣٨... وما تبع ذلك من موافقة أمريكا على فتح حوار «جوهري» مع م. ت. ف بعد
المؤتمر الصحفي المذكور بساعات قليلة... وبروز نوع من التغير في مواقف الدول
الأوروبية تجاه م. ت. ف والتعامل معها... بعد كل هذا أصبحت دولة العدو اليهودي تجد
نفسها مضطرة لعمل سريع من أجل الخروج من الأزمة... أزمة الانتفاضة أولًا باعتبارها
المحرك الذي غير الكثير من المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية، وأكسب
الفلسطينيين تعاطفًا وتأييدًا عالميًا وضعضع التأييد العالمي لليهود... وحتى
اليهود الأمريكيين انقسموا على أنفسهم تجاه سياسة «إسرائیل» في مواجهة الانتفاضة..
كما وجدت دولة العدو نفسها مطالبة دوليًا بالرد على الأطروحات الجديدة لمنظمة
التحرير والتقدم بمبادرة سياسية... ليس رغبة في السلام أو اقتناعًا به ،وإنما
خروجًا من المأزق والعزلة التي وجدت نفسها فيه من جراء الانتفاضة وللتصدي لما يسمى
«الهجوم الدبلوماسي الفلسطيني» وللإيحاء بأنها تتعامل بإيجابية مع أطروحات
السلام... وفي هذا السياق يمكن فهم مغزى المشاريع «الإسرائيلية» الثلاثة للسلام...
مشروع رابين ومشروع شامير، ومشروع بيريز
•خطة شامير:
ترتكز خطة شامير على إجراء انتخابات في
الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل إيجاد ممثلين للشعب الفلسطيني للتفاوض مع
«إسرائيل» على تسوية مؤقتة تتعلق بالحكم الذاتي في الضفة والقطاع، وتتراوح مدة هذه
المرحلة بين ثلاث إلى خمس سنوات، وبعدها تجري مفاوضات مع وفد أردني فلسطيني أو وفد
فلسطيني فقط. وفي هذه الحالة فإن المندوبين المنتخبين يمكن أن يكونوا من مؤيدي
المنظمة، لكن ليس أعضاء فيها بأي حال من الأحوال... وكل ذلك- وهذا هو الأهم وبيت
القصيد- بشرط أن يعود الهدوء إلى الأراضي المحتلة... أي تتوقف الانتفاضة... و يؤكد
شامير في مشروعه على اللاءات الثلاثة الثابتة: لا للدولة الفلسطينية، لا للتفاوض
مع المنظمة، لا للتنازل عن الأرض..
والحقيقة أن شامير أراد أثناء زيارته
إلى واشنطن أن يبدو أمام الإدارة الأمريكية كمن يقوم بخطوة في اتجاه
الفلسطينيين... وفي نفس الوقت كان عازمًا في قرارة نفسه على عدم التنازل والبقاء
على
مواقفه.
•... وبيريز أيضًا:
وعند استعراض الموقف «الإسرائيلي» بشكل
عام من موضوع التسوية نجد أن كلًا من شامير وبيريز يقدر أهمية التقدم بمبادرة
لإنهاء الانتفاضة وإعادة الهدوء للأراضي المحتلة والتخلص من العبء الثقيل الذي
تفرضه الانتفاضة على كاهل دولتهم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا... وأن أقصى ما
يمكن تقديمه من شامير أو بيريز هو «حكم ذاتي» مع اختلاف مسمياته بين هذا وذاك....
فعلى حين يرفض شامير التنازل عن الأرض، و يعرض إقامة حكم ذاتي للسكان وانسحاب
الجيش من المناطق ذات الكثافة السكانية مع الاحتفاظ بنقاط تمركز على المرتفعات
وعلى طول نهر الأردن... فإن بيريز يؤيد انسحابًا من الضفة والقطاع مع اشتراطه رفض
إقامة دولة فلسطينية مستقلة.... وتتضمن خطة بيريز حلًا على غرار «بنيلوكس»-
الاتفاق السياسي والاقتصادي بين بلجيكا وهولندا ولكسمبورغ... وهو اتفاق يضم ثلاث
دول لكل منها برلمانها ومؤسساتها الحكومية الخاصة بها.. وأن يكون هناك جيشان فقط
في المنطقة وهما الجيش الأردني والجيش «الإسرائيلي» في حين يتم تجريد كيان الدولة
الثالثة من السلاح، وعلى أن يعسكر الجيش «الإسرائيلي» في مناطق متفق عليها
مسبقًا... كما تستهل الخطة بنودها بالإشارة إلى اتفاقية هدنة شاملة بين المنظمة
و«إسرائيل» على جميع الجبهات ولمدة سنة، إضافة إلى:
•عقد اجتماع تحضيري مع الفلسطينيين تحت إشراف
غير رسمي للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
•انتخاب الوفد الفلسطيني تحت إشراف
مراقبين دوليين يكونون أعضاء في مجلس الشيوخ والبرلمان على غرار ما حدث في الفلبين.
•إجراء مفاوضات في جنيف على غرار ما حدث عام
١٩٧٣.
•إجراء مفاوضات مباشرة مع فلسطينيين في
حين يقف الأردن ومصر موقف المراقب.
ويبقي بيريز إمكانية للموافقة على فكرة
الأمريكيين للتفاوض مع المنظمة حول الحل الدائم شريطة موافقة المنظمة لشخصيات من
المناطق المحتلة بتمثيل الفلسطينيين خلال مرحلة الحوار الأولى....
•أمريكا... كسب الوقت.
لقد دعا الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد
محادثات مع الرئيس المصري إلى إنهاء الاحتلال «الإسرائيلي» للضفة والقطاع، وذهب
إلى المطالبة بمنح الفلسطينيين حقوقهم السياسية، ولم يكتف بوش بوصف الوجود اليهودي
على الأراضي الفلسطينية بالاحتلال، وهي كلمة كان ريغان
يتجنبها، بل إنه أعلن عن تأييده لعقد
مؤتمر دولي للسلام.
والحقيقة أن أمريكا أرادت أن تعطي رسالة
لعرفات بأن الأمريكيين إنما يردون إيجابيًا على جهوده السلمية.
كما هدفت هذه التصريحات لبوش إلى رفع
معنويات الزعماء الفلسطينيين الذين يتمسكون بالحلول السلمية في مقاومة ضغوط
التيارات الرافضة للتسوية والتنازلات.
ولكن لا بد من التأكيد على أن هذه
التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي لا يمكن اعتبارها تغيرًا في سياسة أمريكا
الشرق أوسطية أو أنها بدأت تتحول عن سياستها الداعمة «لإسرائيل».... فعندما وصل
شامير إلى واشنطن سارع بوش إلى التأكيد على المعارضة الأمريكية لإقامة دولة
فلسطينية مستقلة... كما أيد بوش خطة شامير، وبذلك تكون واشنطن هي وحدها التي أيدت
إجراء الانتخابات طبقًا لخطة شامير، في حين يرفض الآخرون هذه الخطة على أساس أنها
جاءت متأخرة ولا تقدم للفلسطينيين سوى النذر اليسير، فالخطة كما هو واضح لا تنص
على التفاوض مع المنظمة، ولا تتضمن أي التزام من جانب دولة العدو بإنهاء الاحتلال
والتخلي عن الأراضي....
كما يرفض شامير حتى مبدأ إجراء
انتخابات تحت إشراف دولي.
وهكذا فإن الإدارة الأمريكية بتأكيدها
على استبعاد الدولة الفلسطينية تشير بذلك إلى خيار الكونفدرالية مع الأردن في إطار
التسوية النهائية... وهذا الأمر لا تعارضه منظمة التحرير، بل إنها أبقت الباب
مفتوحًا أمامه.
كما طالبت الإدارة الأمريكية شامير عبر
تصريحات بوش ووزير خارجيته بيكر بالتفاوض مع منظمة التحرير... وأعطوه مهلة ستة
أشهر لتطبيق خطته وإيجاد مفاوضين فلسطينيين من خارج المنظمة.... وإلا فإنه يتعين
عليه «ابتلاع كبريائه والتفاوض مع المنظمة في يوم من الأيام» على حد قول بوش.
•ابتزاز التنازلات:
والحقيقة أنه لا يمكن فهم الدور
الأمريكي الحالي في القضية الفلسطينية بعيدًا عن تصريحات الزعماء الأمريكيين بعد
فتح الحوار مع منظمة
التحرير حيث أكدوا حينها أن هدفهم هو
ضمان أمن «إسرائيل» ومحاولة إنقاذها من الأزمة التي فرضتها عليها الانتفاضة.
وهكذا فإن التحركات والتطمينات
والاهتمامات والحوارات الأمريكية تأتي في سياق تخفيف الضغوط عن حليفتها
الإستراتيجية في المنطقة....
عن طريق كسب الوقت والإيهام باقتراب
الحل، ومحاولة ابتزاز أكبر قدر من التنازلات من أصحاب الحق... واستدراج الطرف
الفلسطيني للقبول و بالكلية بالاشتراطات «الإسرائيلية» للتسوية مهما كانت مجحفة.
ومن المهم هنا ملاحظة أن المنظمة لم
ترد بنفس القوة المعهودة على خطة شامير... فقد وصفها عرفات بأنها «غير ملائمة» لكن
مساعديه لم يتورعوا عن القول في مجالسهم الخاصة بإن المنظمة ستقبل بالانتخابات إذا
ما أقنع بوش «الإسرائيليين» ببعض الشروط... كما تجدر الإشارة هنا إلى ما لاحظه بعض
المراقبين من وجود ضغوط على المنظمة من قبل بعض الأطراف العربية من أجل التعاطي مع
مبادرة شامير.
وهكذا فإن المحدد النهائي للتسوية في
المنطقة أضحت هي دولة العدو اليهودي التي لم تتنازل عن مواقفها إلى الآن رغم شدة
الضغوط التي تواجهها جراء الانتفاضة... ثم الإدارة الأمريكية التي لا ترغب بممارسة
ضغوط على «سرائيل» تجبر هذه الأخيرة على ما تكرهه.
أما الأطراف الرسمية العربية
والفلسطينية فإنها رغم إزالة كل تحفظاتها السابقة ورغم محاولات إبداء «المرونة
والاعتدال» إلا أنها ليست من الأطراف التي تملي شروطها لتحديد طبيعة وشكل
التسوية... وهي تحاول التمني على الإدارة الأمريكية لممارسة دورها في تحقيق تسوية
مقبولة لدى هؤلاء.
•الجهاد لا الاستجداء:
وبعد هذا الاستعراض لآفاق التسوية في
المنطقة، يتأكد لنا صوابية الطريق الذي انتهجته الحركة الإسلامية التي تصر على
استمرار مواجهة الاحتلال اليهودي وآلته القمعية ضاربة عرض الحائط بكل أقاويل
السلام مع اليهود، وهي تثبت يومًا بعد يوم ومن خلال ممارسة الدور الجهادي الفعال
في الانتفاضة... تثبت عبثية السلام مع اليهود وعبثية التعويل على القوى الكبرى
والصغرى في إرجاع حقوقنا... مؤكدة أن الجهاد لا الاستجداء هو الذي يحرر الأرض
ويعيد الكرامة.