العنوان بعد حياة حافلة بالعطاء والجهاد: رحلت زوجة المرشد العام للإخوان
الكاتب هناء محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1997
مشاهدات 67
نشر في العدد 1271
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 14-أكتوبر-1997
*الشيخ مصطفى مشهور: كانت تبادلني المشاعر.... وتهون علي ما ألاقيه... وتشاركني قيام الليل حتى وفاتها
قلت لها عندما تقدمت للزواج منها ستكونين الزوجة الثانية حيث إن زوجتي الأولى هي الدعوة إلى الله، فقالت: رضيت وأنا خادمتها.
في يوم الجمعة قبل الماضي غرة جمادى الأولى، شارك الألوف من مختلف محافظات مصر في تشييع السيدة المجاهدة حرم الأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين.
شيعتها القلوب والعيون بعد حياة حافلة بمواقف الصبر والجهاد وتحمل الصعاب في سبيل الله، فقد كانت رحمها الله نموذج الزوجة الصابرة المحتسبة التي ضحت بكل ما تملك في سبيل دعوة الله، وعلى مدى تسعة عشر عامًا قضاها زوجها الأستاذ مصطفى مشهور خلف الأسوار لم تهن ولم تضعف ولم تشك، بل كانت تزوره في السجن هي وأولادها لتزيده اطمئنانًا وثباتًا، وإذا كانوا يقولون إن وراء كل عظيم امرأة فإلى جانب المرشد العام للإخوان المسلمين كانت تقف زوجة عظيمة تسانده وتعاونه وتشد من أزره وتقتسم همومه ومشاغله.
رحلت رحمها الله بعد خمسين عامًا عاشتها مع زوجها بحلوها ومرها، ولكنها كانت راضية بقدر الله مطمئنة إلى نصره، كانت نعم الزوجة لزوجها، ونعم الأم لأبنائها، رزقها الله بولد وثلاث بنات هم مشهور وسلوى، ووفاء، وسمية احتضنتهم في غياب الأب وربتهم فأحسنت تربيتهم وحفظت زوجها في غيبته حتى عاد إليها ليواصلا معا مسيرة الدعوة إلى الله، حتى لقيت ربها وزوجها عنها راض ومطمئن حيث يقول عنها كانت تبادلني المشاعر عند الضغوط، وتحاول أن تهون علي ما ألاقيه من عنت ومشقة في حقل الدعوة ... واذكر أنها كانت تشاركني قيام الليل يوميا منذ سنوات طوال وحتى يوم وفاتها ...... التقيت بناتها الثلاث وهن بفضل الله زوجات ناجحات وداعيات مخلصات لا تعرف منهن عن بعض صور كفاح الأم الراحلة وحياتها مع مرشد الإخوان الأستاذ مصطفى مشهور، فكان هذا الحوار مع الأخوات سلوى ووفاء وسمية.
الوالدة زبيدة عبد الحليم مشهور توفیت عنها أمها وعمرها عامان تربت في أحضان والدها حيث قام بدور الأب والأم فأحسن تربيتها، وعلمها كل شيء بنفسه حتى أمور المنزل، فأجادت منذ الصغر الطهي والحياكة والتطريز.
وتضيف الأخت وفاء أن والدتها تعلمت في المدرسة الابتدائية لكن أباها علمها الثقافة الدينية التي أعانتها على حسن تطبيق شرع الله والتي كانت نادرة في تلك الفترة.
ثم تزوجت في الرابعة والعشرين من عمرها من ابن عمها مصطفى مشهور، ويرجع تأخر زواج الوالدة – رحمها الله إلى أنها كانت تريد وتتمنى أن تتزوج من رجل ذي دين، وهذا جعلها مهيأة لأول سؤال طرحه عليها الأستاذ مصطفى مشهور عند خطبتها قائلًا: إن الدعوة هي زوجتي الأولى وأنت سوف تكونين الزوجة الثانية، وزوجتي الأولى لا أستطيع الاستغناء عنها، فما رأيك فأجابت من قلبها وأنا خادمة لها، نعم قالتها وهي لا تعلم أنها سوف تكون خادمة للدعوة طوال خمسين عامًا، قالتها رحمها الله بروح وفهم، فكانت العهد الوثيق بينها وبين الوالد طوال فترة السجن وما بعده.
وتتذكر البنات بعض المواقف التي عاشتها الأم الكل يعلم كيف كان الحال في فترة الخمسينيات والستينيات وما لاقاه الإخوان داخل سجون الطغاة، وكنا نحن كذلك تلاقي الكثير من المضايقات والتضييق والعنت ممن حولنا مثل المدرسين والجيران، إلا أن الوالدة كانت تحثنا على الصبر والاعتزاز بالإسلام والفخر بدور الأب وأيضًا عندما طلبوا من الإخوان التأييد مقابل الإفراج عنهم سعى بعض المعارف والأقارب ممن لم تتضح لهم الفكرة التي جاهد من أجلها الوالد لإقناعنا أن نذهب باكين للوالد أثناء الزيارة ليتألم من حالنا فيضطر للتأييد، إلا أنها كانت صامدة وتوضح لنا الهدف الجميل الذي سجن من أجله الوالد، وكانت تحذرنا من أن نظهر له أي قلق أو ضيق أثناء الزيارة ليسعد بزيارتنا ونسعد بزيارته وتكون الزاد والدافع على الصبر والصمود أثناء المحنة.
وعندما سجن الوالد في سجن الواحات لمدة عشر سنوات كنا في ذلك الوقت صغارًا لم نتذكر ملامحنا، ولم يتسن لنا زيارته، فحرصت الوالدة على إيجاد رابط قلبي بيننا وبين الوالد فكانت تأتي باللعب والحلوى وتقول لنا أرسلها لكم «بابا».
ويبدو أن ذلك كان باتفاق بينهما وكانت تمسك بأيدينا ونحن لا يمكننا الكتابة لصغر سننا لنسطر كلمات الحب والأشواق للوالد لترسلها له، ربتنا الوالدة على أن نمشي على أرض الوطن معتزين بالإسلام رافعين الرأس رغم الظلم والاضطهاد الذي كنا نلاقيه، حرصت في غياب الأب على أن تقوم بدور الأم والأب معًا، فوجهتنا وتابعتنا متابعة دقيقة في كل أمور الحياة وحرصت أيضا أن تحملنا المسؤولية من الصغر، فربتنا على إدارة المنزل منذ فترة الإعدادي من ميزانية وترتيب البيت والخياطة والطهي وشراء الحاجيات من الخارج بالتبادل بيننا.
وأتذكر أنها حببتنا في الحجاب منذ الصغر ولم تفرضه علينا، وكنا نتمسك به رغم الحرب التي كانت تواجهنا سواء في المدرسة أو في الشارع وتضيف الأخت وفاء أن الوالدة استطاعت أن تستوعب كثيرًا من المتاعب التي كانت تلاقيها، فتذهب لزيارة الوالد ولا تشعره بأي منها، بل كانت تهون عليه كل شيء وتطمئنه على أن أمورنا نسير على ما يرام، حتى بعد الإفراج عنه كانت رحمها الله لا تشغله بأي شيء كما كانت تقوم بالواجبات العائلية نحو زوجها وأهلها، حتى توفر له الوقت للدعوة ولا تشغل ذهنه لهذه الواجبات.
رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل