العنوان بعد حريق العاصمة وثورة الخبز.. التونسيون بانتظار الفصل الثالث
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1984
مشاهدات 69
نشر في العدد 668
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 24-أبريل-1984
▪ أحزاب المعارضة التونسية تطالب بالإفراج عن جميع المسجونين.
▪ كانت نتيجة الفصل الأول 120 قتيلًا و500 جريح وألف معتقل.
▪ الفصل الثاني وقصة التناقضات التي شملت صراع مراكز القوى في الحزب الحاكم على خلافة العهد الحالي.
يتساءل كثير من المراقبين... هل تمكنت حكومة الوزير الأول من احتواء الأحداث التي شهدتها تونس قبل أربعة شهور؟ معظم المراقبين لا يمتلكون جوابًا على هذا التساؤل... وكثير منهم لا يعرف إن كانت حكومة السيد مزالي تحدد الآن مواطن الخلل في جسم الحزب والدولة... فهل يقرر الوزير الأول- بعد فصلين هامين من المعركة السياسية- طرح قانون الأحزاب مع التعددية الكاملة ليتجاوز الفصل الثالث؟... الفصل الثالث ربما يكون هو فصل الانفراج... هذا ما نأمله... وإليك أخي القارئ قصة الفصول الثلاثة:
الأحداث التي عاشتها تونس في آخر ديسمبر الماضي وأوائل يناير لم تنته بعد، وقد تتواصل حتى بداية الصيف المقبل، أما الذي انتهى فقط فهو وجهها الخارجي أو لنقل فصلها الأول الذي قام بتمثيله عامة الناس وبصفة خاصة الشباب، وما زالت مراحل الفصل الثاني تجري بسرعة وتشد إليها الأنظار في حين تتعدد وجهات النظر والاحتمالات وتتباين أحيانًا في رسم ملامح الفصل الثالث والأخير والمتعلق بالصورة الأخيرة المستقبل تونس السياسي ومدى إسهام كل طرف في رسمه وتوجيه مختلف القوى إليه.
▪ البداية:
كان الفصل الأول قويًا هز البلاد بكل ما فيها من فئات اجتماعية وحركات سياسية، ذلك أنه لم يكن وليد حدث طارئ ولا نتيجة قرار «جائر» وإنما كان حصيلة مرحلة كاملة وواقع مليء بالتناقضات، وعلى إثر قرار الحكومة برفع الدعم عن الحبوب ومشتقاتها وبالتالي ارتفاع أسعار الخبز والعجين بدرجة كبيرة، خرج التونسيون إلى الشوارع ليعبروا عن رفضهم لهذا القرار وليطلبوا حقوقًا كثيرًا ما أعلنوا تمسكهم بها، فكانت المظاهرات الصاخبة في كل مدينة، ورفعت الشعارات الرافضة لهذا القرار ليطالبوا «بحق العيش الكريم» و«ضرورة احترام العمال وسكان الأرياف في ضمان قوتهم اليومي» و«ضرورة احترام الحريات الديمقراطية في البلاد» وحطمت واجهات العديد من المغازات والبنوك والمؤسسات العمومية وأشعلت النيران أجزاء كبيرة منها، كما وقع إحراق عدد كبير من حافلات النقل والسيارات الخاصة وخاصة منها الأنواع الرفيعة، وتعطلت حركة المرور بين المدن، بل بين أحياء المدينة الواحدة وعزلت بعض المدن وخرج أبناء المدارس والمعاهد وطلبة الكليات ليلتحقوا بالمتظاهرين وغطى الدخان سماء العاصمة، ودوى الرصاص في كثير من الشوارع والأحياء.
وفي مساء يوم الثلاثاء 3 يناير، صدر قرار رئاسي بإعلان حالة الطوارئ ومنع التجول ليلًا في كل أنحاء البلاد، ثم خرج الجيش ليحتل أهم الشوارع والأحياء وخرج أعوان الأمن مسلحين يجوبون الشوارع ويراقبون المارة، وصدرت القرارات الوزارية لتأمر بغلق دور التعليم والثقافة وتعطيل مختلف الأنشطة الرياضية...
وتداول الناس أخبار الموت والجرح والاعتقال وأخبار المباني المحروقة والواجهات المحطمة والمغازات المنهوبة والسيارات المقلوبة المحروقة، وانتهى هذا الفصل يوم الجمعة 6 يناير، عندما أعلن رئيس الدولة إلغاء قرار منع الدعم عن أسعار الحبوب والرجوع إلى الأسعار القديمة، وكانت النتيجة 120 قتيلًا و500 جريح وألف معتقل.
▪ ماذا وراء الأحداث؟
إن هذه الأحداث كانت نتيجة واقع مليء بالتناقضات، جاء قرار إلغاء الدعم عن أسعار الحبوب ومشتقاتها ليفجرها في وقت كانت فيه كل الأطراف مهيأة للانفجار.
فعلى الصعيد السياسي كانت بعض الأطراف المعارضة وخاصة منها حركة الاتجاه الإسلامي محرومة من حقها في التنظيم والعمل فيما كانت الأحزاب المعترف بها قانونيًا تلاقي بعض المصاعب في أنشطتها نتيجة مضايقات السلطة الحاكمة، وكانت بعض الاختلافات داخل الحزب الحاكم نفسه تتبلور وتنمو وتتسع، ذكاها الصراع على الخلافة الذي رشح له مزالي منذ توليه رئاسة الوزراء.
أما الواقع الاقتصادي، فإن البلاد تمر بأزمة حادة ترجمها عجز الميزان التجاري وارتفاع الديون والنقص المسجل في المداخيل.
وعلى الصعيد الاجتماعي ظلت نسبة العاطلين عن العمل مرتفعة في صفوف الشباب وأصبح مطلب الترفيع في الأجور يردد في كل المناسبات نتيجة الارتفاع الجنوني في الأسعار الذي لم يقابله ترفيع مناسب في الأجور وبقيت عدة مؤسسات بلا قوانين أساسية وتأخر تنقيح قوانين مؤسسات أخرى.
وظل شبح الفقر على هيأته الأولى في العديد من المناطق فيما تنعم مناطق أخرى بمختلف المشاريع الاقتصادية والخدمات العمومية مما جعل أهالي المناطق المحرومة والفقيرة تضيق ذرعًا بواقعها وتطالب بشدة بمساواتها مع غيرها من المناطق المحظوظة.
هذه هي أهم سمات الواقع التي جعلت منه مسرحًا لما جرى ويجري فيه من أحداث.
▪ الفصل الثاني:
بعد الفصل الأول والذي كانت ساحته الشوارع والساحات العامة، يأتي الفصل الثاني لتقوم بدور البطولة فيه الأطراف السياسية وبصفة خاصة الحزب الحاكم والمعارضة.
فقد انكبت هذه الأطراف على صياغة البديل السياسي لتونس بأكثر سرعة ودهاء من ذي قبل، وراحت تصدر التعاليل وتلمع الحلول أو تقدمها بوضوح وتفصيل أحيانًا.
أصدرت الحركات المعارضة بيانات وتحاليل مطولة تلقي فيها بالمسؤولية على الحزب الحاكم «الذي تجاهل طموحات الجماهير ومطالبها» و«كرس التفاوت بين فئات الشعب» و«منع المؤسسات الممثلة من الوجود» و«أقصى المعارضة من الساحة» و«امتنع عن ممارسة الديمقراطية» وطالبت هذه الحركات بضرورة مراجعة الاختيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية، وإعلان العفو التشريعي العام وإقرار التعددية السياسية بلا استثناء وتنقيح قانوني الصحافة والجمعيات.
▪ موقف الحكومة:
خرجت حكومة محمد مزالي من الأحداث منهكة، فهي لم تكن تتصور أن الشارع التونسي يمكن أن يغلي ويرج البلاد مثلما حدث، فسارعت إلى أخذ تدابير من شأنها أن تهدئ الوضع ويرجع إليها هيبتها وسيطرتها على البلاد.
التجأت أولًا إلى اعتقال عدد كبير من «المشتبه فيهم» من مختلف أطراف المعارضة وغيرهم وكان العدد الأكبر من الإسلاميين، ثم أطلقت سراحهم فيما بعد تدريجيًا باستثناء شباب حركة الاتجاه الإسلامي والمتعاطفين معها، فقد اتسعت الحملة في صفوف هؤلاء ووصلت نيفا وستين شخصًا من بينهم امرأتان وخضع هؤلاء- حسب بيان وزعته الحركة- إلى أشكال من التعذيب رهيبة من قبل مؤسسات الأمن الداخلي بقصد انتزاع المعلومات كما عاش أهلهم وذووهم- حسب نفس المصدر- عمليات تمشيط للمنازل واقتحام لها في ساعات متأخرة من الليل وترويع من فيها، وقد أطلق سراح عشرة طلبة وبقي الآخرون رهن الاعتقال إلى الآن دون أن تذكر جهات الأمن سبب اعتقالهم أو مصيرهم.
ومورست تضييقات على مختلف الشرائح المعارضة والمستقلة ولكن بأقل حدة، فأجبرت صحيفة «المغرب العربي» المستقلة على الاختفاء وحوكم مديرها غيابيًا وصدر ضده حكم بأربعة أشهر سجنا ووقع حجز عدد كل من صحيفة «ديالتي» المستقلة و«الوحدة» لسان حزب الوحدة الشعبية وأوقفت صحيفة «المستقبل» لسان حركة الديمقراطيين الاشتراكيين لمدة ثلاثة أشهر، وعلى مستوى الحكومة أبعد السيد إدريس قيقة وزير الداخلية عن منصبه وشكلت لجنة تحقيق في أحداث 3 يناير بالعاصمة للبحث عن أسباب اهتزاز الأمن بالعاصمة وانتهت اللجنة بإدانة قيقة وناصر من كبار موظفي وزارته وأمسك مزالي بنفسه حقيبة وزارة الداخلية ليتولى إدارة شؤونها وعين عسكريًا على رأس إدارة الأمن، وتذكر بعض المصادر أن أهم مصلحتين بوزارة الداخلية ستربطان مباشرة بالوزير الأول.
وعلى مستوى الحزب الحاكم، تم حل لجنة التنسيق الحزبي بتونس العاصمة لأن عناصرها «ساهموا مع قيقة في ترويج شعارات ضد مزالي أثناء موجة المظاهرات» وتم تعيين مدير جديد للحزب.
وستقع قريبًا محاكمة إدريس قيقة في المحكمة العليا بتهمة الخيانة العظمى وتروج إشاعة تفيد أن أحد مساعديه في الوزارة سيحاكم في قضية مخدرات.
وبهذه الإجراءات يكون محمد مزالي قد هدأ الجو السياسي ولو لفترة.
لكن إلى أي حد يمكن أن يتواصل هذا الهدوء رغم محدوديته؟ وإلى متى ستتواصل هذه الضغوط؟
ولئن تمكن مزالي من إبعاد قيقة عن البلاد بمحاكمته، وإبعاد أنصاره عن المواقع المهمة في الحزب والدولة فماذا عساه يفعل مع المعارضين وخاصة حركة الاتجاه الإسلامي؟
لا أحد يرى أن سياسة التصلب مجدية في تونس، ولا أحد يراها مجدية مع التونسيين، إلا أن بعض الملاحظين يرون أن ما أقدم مزالي على فعله إنما أقدم عليه من موقع الاضطرار ويلاحظ هؤلاء في نفس الوقت أن هذه المرحلة لن تطول وإنما التجأ إليها مزالي «ريثما يهدأ الجو أو تخف حدة التوتر على الأقل» ويحدد مواطن الخلل في جسم الحزب والدولة ثم يعود إلى الانفراج ويطرح قانون الأحزاب الذي ينظم الحياة السياسية ويجري بعض الإصلاحات!!!
وإذا صح هذا فإن أمل التونسيين لا بد وأن يتحقق بالانفراج واكتمال التعددية التي فيها مصلحة تونس شعبًا وحكومة.
ويؤكد كثيرون من المطلعين على الساحة السياسية في تونس أنه لا انفراج إلا بإطلاق سراح كل المساجين السياسيين وتمكين المغتربين من العودة إلى وطنهم والاعتراف بكل الحركات السياسية وتمكينها من حق العمل والتنظيم والتعبير ومشاركة كل الأطراف بالإسهام في بناء تونس وحل مشاكلها، أو لنقل بلغة أوضح أن الحل يقتضي إقرار الحريات وتمكين حركة الاتجاه الإسلامي من العمل والنشاط وإطلاق سراح كل مساجينها وتنقيح قانوني الجمعيات والصحافة.
وليست حركة الاتجاه الإسلامي «بالضبع» المخيف حتى يظل قادتها وأفرادها محصورين وراء القضبان.... إن الإنسانية على الأقل تقتضي الإفراج من هؤلاء وأن مصداقية التعددية لا تصح إلا بإطلاق سراح المعتقلين أولًا.
فهل تتسع ساحة الحكم لهذه المطالب؟ هذا ما لا يمكن لأحد أن يجيب عنه إلا الحكومة نفسها.
وهذا هو الفصل الثالث من الأحداث.