العنوان بعد انهيار جدار برلين فرحة في ألمانيا.. وتخوف في أوروبا
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
مشاهدات 63
نشر في العدد 944
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
- هدم جدار برلين متفق عليه بين الدولتين العملاقتين.
- ضربة الفأس الأولى في جدار برلين جاءت من غورباتشوف بالاتفاق مع
الأمريكيين.
- تلاحقت الأحداث متسارعة ليس في ألمانيا الشرقية وحدها بل في كل
بلدان الكتلة الشيوعية.
كانت برلين محط أنظار العالم منذ
التاسع من نوفمبر الماضي تاريخ إعلان حرية العبور من شطرها الشرقي إلى شطرها
الغربي ومجرد أن أعلن تلفزيون ألمانيا الشرقية عن هذا النبأ حتى زحفت الموجات
البشرية على سور برلين وفتحت به الفتحات لتلتقي لقاء مدويًا بالإخوة في برلين
الغربية. لقد سقط سور برلين الذي مضى على إقامته ۲۸ عامًا فجأة أمام عيون
البرلينيين والألمانيين والعالم أجمع الذي أخذته الدهشة مما يرى حتى إن البعض قال
لا بد أن نحتفظ بأجزاء من هذا السور الذي أخذت البلدوزرات والرافعات في تقويضه
لنضعها في المتاحف، لقد تلاحقت الأحداث متسارعة ليس في ألمانيا الشرقية وحدها بل
في كل بلدان الكتلة الشيوعية ولكن ما حدث في ألمانيا الشرقية في الأسابيع الأخيرة
فاق كل تصوير وبسرعة ظهرت على السطح فكرة الوحدة الألمانية لكن الألمان الشرقيين
الذين احتفلوا بسقوط سور برلين كانوا يعربون عن فرحتهم بنهاية آلام طال أمدها أكثر
مما كانوا يعبرون عن حماسهم وتطلعهم لبدء مرحلة جديدة.
ذاكرة ألمانية حية
إن الهزة العنيفة التي أطاحت بسور
برلين انفعل لها الألمان انفعالًا هو الأول من نوعه منذ انتهاء الحرب العالمية
الثانية ويدل بجلاء على أن الذاكرة الألمانية لا تزال حية، لقد أحيت بسرعة في
نفوسهم جلوة الأمل في الوحدة الألمانية ولكن الطوفان البشري الذي غمر جدار برلين
لم تصحبه أية موجة وطنية فحتى عندما حاول بعض الأفراد إنشاد النشيد الرسمي صرخت في
وجوههم الجماهير وأسكتتهم، لقد مشت الجماهير الألمانية الشرقية نحو الجماهير
الألمانية الغربية فيما يشبه الصمت ولكن العقول تضيق بالأفكار والرؤى والنفوس
والصدور والقلوب تجيش بالمشاعر والأحاسيس لأن الألمان جميعهم طلاب وحدة وهم حتى
بعد مسح سور برلين لا يعرفون إن كانت هذه الوحدة ستتحقق أم لا. كلهم يقولون لك
«بالطبع نعم للوحدة» وهذا ما نطمح إليه جميعنا ولكن الله وحده يعلم متى ستتحقق
وكيف في هامبورغ حرر «كلوس فان دوهناني» في مجلة «شبيغل» افتتاحية مطولة ليحذر
حزبه الاشتراكي على الملأ من تجاهل تطلع الشعب الألماني إلى الوحدة وترك هذا
الموضوع ليستغله اليمينيون.
وفي الـ«بند ستاغ» (البرلمان) بكى
النواب يوم سقط جدار برلين وفي مقدمتهم ويلي برندت وصاحت زعيمة الخضر «انتجي
فولمر» «أن الفرحة ملكت على عقلي»، ولكن كما يقال بعد السكرة تأتي الفكرة والألمان
الغربيون اليوم يفكرون في تطورات الوضع، كما هو الحال بالنسبة للألمان الشرقيين
بعدما تبين للجميع مدى الهوة الاقتصادية التي فصلت بينهما منذ ثلث قرن من
الزمن. لقد عاين الألمان الغربيون مدى فقر إخوانهم الشرقيين من مظهرهم المزري
وأحذيتهم المتعبة من كثرة المشي ورائحتهم التي تنبئ باستعمال محدود للصابون هؤلاء
الألمان الشرقيون الذين يعتبرون زهرة الكتلة الشرقية والذين كانوا ينظرون بتعال
إلى البولنديين والتشيكيين الذين يأتون إليهم للتبضع، ها هم يجدون أنفسهم في شوارع
برلين الغربية والمدن الألمانية الغربية الأخرى في نفس وضع البولنديين والتشيكيين
عندما يأتونهم.
ولكنهم يقولون لك «نعم للحرية مهما
كانت التكاليف ولكن لا للوحدة بأي ثمن فنحن لا نريد أن نكون صقلية ألمانيا
الغربية»، وهذا الكلام يعني أن توحد شطري ألمانيا لابد أن يأتي على أساس الندية أي
لابد لألمانيا الشرقية أن تصل إلى مستوى ألمانيا الغربية أو تقاربه وبعبارة أخرى
يجب أن يتضاعف عدد السيارات في ألمانيا الشرقية وأن يتضاعف عدد التلفزيونات
الملونة ثلاث مرات وأن يتضاعف عدد التلفونات عشر مرات وأن يتضاعف الدخل الفردي
حوالي عشر مرات ويقول الألمان الغربيون الذين وزعوا أكثر من ٨٠ مليون مارك على
أربعة ملايين ألمان شرقيين الذين عبروا آثار جدار برلين في الأسبوعين الماضيين
«وهو لكل فراد زائر مائة مارك»: إن هذه ليست مشكلة مادية حتى لو أن الخبراء قدروا
حاجيات ألمانيا الشرقية من الاستثمارات بـ٥٠٠ مليار مارك.. فالمؤسسات المالية
والاقتصادية الألمانية الغربية المتعاظمة قادرة على الوفاء بكل الأعباء ولكن
المشكلة تبقى بيد الكبار «الحلفاء» الذين وقعوا على وثيقة إنهاء الحرب أي أمريكا
والاتحاد السوفياتي وإنجلترا وفرنسا.
ضربة الفأس الأولى جاءت من
غورباتشوف
ضربة الفأس الأولى في جدار برلين
جاءت من غورباتشوف بالاتفاق مع الأمريكيين ولكي يثبت لهم وللأوروبيين أن عملية
إعادة البناء «البروسترويكا» عملية لا رجعة فيها وغورباتشوف الذي لا يدعي أنه صاحب
القرار الذي اتخذه إيفون كرنز خليفة اريش هونيكر في ألمانيا الشرقية لا يمكنه أن
ينفي على الأقل أنه هو المشجع على فتح الحدود بين شطري ألمانيا فبمجرد أن تسلم
كرنز السلطة في ألمانيا الشرقية طار لموسكو لملاقاة غورباتشوف الذي قدم له ثلاث
نصائح ليهتدي بها ويتمثلها في سياسته.
الأولى هي العمل على تجديد الحزب في
بلاده تجديدًا جذريًا لملائمة مبادئه لمتطلبات العصر الحاضر.
والثانية أن التعددية الحزبية يجب ألا
يخشى منها بل يمكن أن يستفاد منها لتعزيز الوحدة الاجتماعية القائمة.
والثالثة أنه إذا حدث خلال المواجهات
الحزبية أن فقد الحزب الشيوعي ديناميكيته بحيث نقلت منه بعض المواقع في السلطة فإن
ذلك لا يعني أن السماء ستسقط على الرؤوس، وبعد أن سمع كرنز ما سمعه من غورباتشوف
لم يضيع الوقت وفاجأ الجميع وهو يحمل فأسًا طبع عليها شعار المنجل والمطرقة ويتجه
صوب جدار برلین لهدمه.
ويبدو أن كلا من الألمان والروس
والأمريكان بغيته هذه العملية فعندما يقول مساعد وزير الخارجية الأمريكي لورنس
اينبرغر في مقابلة مع مجلة «دير شبيغل» وأنا شخصيًا ليس لدي أي شك في أن ألمانيا
ستتحد مجددًا ولكن لا يكن تحديد الوقت التي سيستغرق ذلك، ويضيف قائلًا: فإنه يعبر
عن وجهة النظر الأمريكية. «وعلينا ألا نخشى شيئًا من ألمانيا موحدة ديمقراطيًا في
كنف السلام والحرية»، ولكن الأوروبيين شركاء ألمانيا في السوق الأوروبية المشتركة
والذين يتهيأون لوحدة أوروبية عام ١٩٩٢ ينظرون إلى هذه العملية بانتباه وحذر
شديدين ويتابعون تطوراتها أولًا بأول بل إن بعضهم يتوجس منها خيفة وهم يقومون
بعمليات حسابية بسيطة على الورق. فألمانيا الموحدة ستكون بلا شك عملاق أوروبا بلا
منازع بسكانها البالغ عددهم ۷۸ مليون نسمة وبدخل قومي يقدر بـ٣٥٠٠٠ مليار دولار.
بعض الفرنسيين يقولون إن فكرة
ألمانيا موحدة تجعلنا نتصبب عرقًا باردًا ولا يختلف اثنان في أوروبا على أن الوحدة
الألمانية تطرح أسئلة كثيرة بالنسبة لمستقبل أوروبا. فإما أن تبقى ألمانيا عندئذ
في المعسكر الغربي وإما أن تنفصل عنه وإذا انفصلت عنه لا يمكن لها أن تنضم للمعسكر
الشرقي، وبالتالي لابد أن تصبح دولة محايدة معزولة والألمان يقولون لا سبيل إلى
عزل ألمانيا عن محيطها الأوروبي وأن غاية ما تطمحون إليه أن تكون ألمانيا جسرًا
بين أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية وسارعت حكومة هلموت كول إلى طمأنة المجموعة
الأوروبية وكررت إعلانات الضمانات. فقد صرح وزير خارجيتها غينشر أن ألمانيا
الغربية لن يجذبها سعر الوحدة الألمانية على حساب حلفائها وأنها لن تتخذ أي قرار
إلا باستشارتهم وألح على تمسك بلاده بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية وبحلف الأطلسي
وكذلك عمل الاتحاد السوفياتي على عمالة الأوروبيين وذهب شيفرنادزة وزير الخارجية
السوفياتية إلى القول «لا داعي لإعلان الطواري، وأضاف أن ما حدث طبيعي وإذا زال
جدار برلين فإن الحدود بين الألمانيتين لا تزال قائمة».
سيناريو مخيف
يذهب المتشائمون في أوروبا إلى القول
إن الاتحاد السوفياتي بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية ضرب الوحدة
الأوروبية بالوحدة الألمانية الآتية عما قريب وكأن أوروبا الغربية الموحدة عام
١٩٩٣ أخافت القوتين العظميين فاستبقتا الأحداث بسيناريو يعتمد على تحييد ألمانيا
من أجل مواصلة هيمنتهما وتحكمهما في المصير الأوروبي وقد ألمح ميشال جوبار وزير
خارجية فرنسا السابق إلى ذلك عندما قال مؤخرًا «الوقت قد فات على أوروبا لأنه اتضح
أن الاتحاد السوفياتي وأمريكا يتحكمان فعلًا في مصير القارة» وتحدث جوبار عن وحدة
ألمانية حقيقية بل وعن حل وشيك لحلفي فارسوفيا والأطلنطي.
رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر
هي الأخرى أعربت عن هذه النظرة التشاؤمية عندما قالت: «إن انقلاب الأوضاع
الألمانية بسرعة وفي ظرف ثلاثة أيام فقط هو الخطر بعينه». ودعت حلفاءها إلى دراسة
«المستقبل» بكل حذر ومن جانبه حمل لوران فابيوس أحد أعمدة الحزب الاشتراكي الفرنسي
على السوفيات والأمريكان عندما تحدث عن دورهم في أوروبا وقال أن مصير أوروبا
للأوروبيين فقط.
إذن هدم جدار برلين هو خلط جديد
لأوراق اللعبة بين الكبار يدفع معظم الاستراتيجيين على التكهن بمدى آثاره
المستقبلية نظرًا لتشعب قضية وحدة ألمانيا وأثارتها للعديد من المسائل والمشاكل
ليست أولها قضية الحدود بين ألمانيا وجاراتها ولتواجد حوالي ٤٠٠ ألف عسكري سوفياتي
في ألمانيا الشرقية وحوالي ٢٨٠ ألف عسكري في ألمانيا الغربية وليس آخرها جمع
الأرقام الاقتصادية للألمانيتين الغربية والشرقية ولا مقارنتها بالأرقام
الاقتصادية الفرنسية أو الإنجليزية ومهما يكن من أمر فالحقيقة الثابتة أن انهيار
جدار برلين وما قد يتلوه من خطوات وحدوية بين الألمانيتين سيكون له انعكاسات
استراتيجية على الغرب وعلى أوروبا.
فهل يستطيع غورباتشوف أن يحقق أهداف السوفيات الاستراتيجية بالهجومات السلمية الجريئة بدل الحرب الباردة التي لجأ إليها أسلافه؟ وهل تراه ضرب الوحدة الأوروبية بالوحدة الألمانية المزمعة لمصلحته ومصلحة الأمريكان؟ وهل أن التاريخ سيؤيد مقولة كيسنجر التي جاء فيها «إن الغرب سيهتز غدًا بسبب الأحداث التي يصفق لها اليوم»؟
ذلك ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.