; بعد الخروج من طرابلس.. مرحلة جديدة لكن إلى أين؟! | مجلة المجتمع

العنوان بعد الخروج من طرابلس.. مرحلة جديدة لكن إلى أين؟!

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1984

مشاهدات 69

نشر في العدد 653

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 10-يناير-1984

•التحالف الصهيوني الأمريكي والضغط العربي مهدا طريق الحلول السياسية للمنظمة.

•بعد طرابلس مطلوب إعادة ترتيب البيت الفلسطيني لتأمين حرية الحركة السياسية.

•عرفات يعتبر زيارته لمصر مستهلًا لطريق جديد ومنعطف جديد.

•خط الاعتدال يرى أن تقرير المصير يكون بإقناع أمريكا عن طريق العمل العربي المشترك طول المدى!

     إننا مازلنا في مستهل طريق جديد، وفي منعطف جديد، وسوف نبني جيش الدولة المستقلة أو الكونفدرالية مع الأردن!» هذا ما قاله ياسر عرفات لصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، وهو على ظهر السفينة اليونانية «أوديسيوس» أثناء عودته من مصر، حيث اجتمع بالرئيس المصري حسني مبارك، مواصلًا رحلته إلى اليمن، فما هو هذا الطريق الجديد والمنعطف الجديد الذي استهله ياسر عرفات بزيارة مصر كامب ديفيد، ومقابلة خليفة السادات؟ وإلى أين؟

     المعروف أن السيد عرفات كان قد رفع شعار البندقية وغصن الزيتون منذ اعتلائه منصة الأمم المتحدة في عام ١٩٧٤م، ومنذ ذلك الحين تبنت منظمة التحرير الفلسطينية العمل السياسي والدبلوماسي إلى جانب العسكري كإستراتيجية للعودة للوطن، والحصول على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة.

     وبسبب أحكام الطوق الصهيوني والأمريكي عبر تحالفات أو تسهيلات أنظمة عربية على العمل العسكري الفلسطيني، ومحاصرة المقاومة الفلسطينية، والضغط المتواصل عليها سياسيًا؛ اتجهت منظمة التحرير الفلسطينية نحو طريق الحلول الدبلوماسية والسياسية، وبعد الضربات الصهيونية المتلاحقة في الجنوب اللبناني -ومع تزايد الضغوطات العربية على المنظمة- أصبح النشاط الدبلوماسي هو الغالب على أنشطة وأعمال منظمة التحرير، ولو شئنا التحديد لقلنا إنه بعد الاحتلال الصهيوني للبنان وخروج المقاومة من بيروت في صيف عام ۱۹۸۲ إلى منافي الشتات- وجدت المنظمة نفسها تسير في الطريق الدبلوماسي، وحل القضية سياسيًا بطريق المفاوضات عن طريق الاشتراك في مبادرات «السلام» المطروحة، أي أن العمل العسكري الذي كان الهدف منه تقوية أوراق المنظمة للحصول على أكبر المكاسب في آية «عملية سلام»- قد ضمر، وكاد ينتهي أثره، فما هو الجديد إذن بعد الخروج من طرابلس؟

الجديد بعد طرابلس:

     طالما أن منظمة التحرير تبنت العمل الدبلوماسي طريقًا للحصول على حق العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة منذ وقت مبكر، وتبنته بشكل واضح بعد الخروج من بيروت، فلا بد إذن أن يكون الجديد الذي تكلم عنه عرفات، وغير واحد من مستشاريه، وقادة منظمة فتح كبرى المنظمات الفلسطينية- ليس التأكيد على طريق الحلول الدبلوماسية، بل هو الصراحة والقوة في التعامل مع هذه الحلول، واختيار الممكن منها مهما أثار من تساؤلات، أو أثار من استهجان واستغراب. 

     فالمرحلة -كما صورها بعض المراقبين الغربيين، وكما يؤمن بعض مستشاري عرفات- تتطلب «وضوحًا وجرأة» في اختيار المفاوضات طريقًا لتحقيق مطلب تقرير المصير، وإقامة الدولة، وكأن طريق المفاوضات يوصل لمثل ذلك، والسبب من وجهة نظرهم يعود ليس لأن التحالف الصهيوني الأمريكي لا يقبل بذلك، وإنما -كما يزين لهم «بعض العرب» من أصدقاء أمريكا- لأن منظمة التحرير لم تحسم أمرها وتقرر الدخول في مبادرة ريغان أو مشروع فاس بحزم وقوة، إن سياسة «اللعم» التي تكرست في اجتماعات المجلس الوطني في الجزائر في فبراير الماضي، وانهيار محادثات عرفات- حسين للدخول في مفاوضات على أساس مبادرة ريغان لبناء الكونفدرالية في شهر أبريل الماضي بسبب رفض اللجنة التنفيذية في اجتماع الكويت، حرصًا على وحدة المنظمة، كانت هي السبب في عدم تحقيق المطالب الفلسطينية، لذلك وبناء على فهمهم فإنه بعد أحداث طرابلس المؤلمة التي شارك فيها فلسطينيون منشقون بدعم واضح من بعض الأنظمة العربية، وتشتت المقاتلين من جديد فلا بد من طريق جديد وسياسة جديدة، وكما قال عرفات نفسه فإنه زيارته لمصر كامب ديفيد ومحادثاته مع حسني مبارك تعتبر الخطوة الأولى في المنعطف الجديد، فالزيارة كما لا يخفى على كل ذي بال لم تكن رد فعل لمرارة أحداث طرابلس، بل كانت عن سابق تخطيط كما صرح بذلك الدكتور نبيل شعث لصحيفة القبس الكويتية يوم ٢٧ ديسمبر الماضي، وكما يرى الصحفي الفرنسي المعروف أريك رولو ذي الصلات القوية مع عرفات وأبي إياد، وخالد الحسن.

     ولعل أصدق دليل على هذا التوجه لدى قادة المنظمة المقال الذي نشره الدكتور أحمد صدقي الدجاني عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، ومستشار عرفات المقيم في مصر، وصاحب الدور الكبير في الاتصالات الفلسطينية المصرية في جريدة القبس يوم ۲۸ ديسمبر الماضي، بعنوان: سياسة حكومة شامير إلى أين، حلل فيه توجهات حكومة العدو بموضوعية وإحاطة شاملة، ولكنه خلص فيه إلى أنه «ليس من المتوقع أن تتحول حكومة شامير عن سياستها «ضم الضفة وقطاع غزة»، ولن تغير من شواغلها؛ لأنها محكومة بعوامل محددة داخلية وخارجية، ولكن من المؤكد أن تصدينا لهذه السياسة بالعمل العربي المشترك طويل المدى سيمكننا من أن نصل بالولايات المتحدة إلى القناعة بأنه لا طريق إلا طريق الحل العادل الشامل، الذي يعطي شعب فلسطين حقوقه، ويحرر الأراضي العربية المحتلة».

     وللسير في هذا النهج شاء عرفات أن يدشنه بزيارة مصر بصورة مفاجئة للرأي العام، وحتى لبعض المقربين من القياديين، وذلك كما أشرنا لطرح صيغة جديدة للعمل الفلسطيني تقوم على حرية الحركة السياسية، وذلك من خلال فرز الساحة الفلسطينية كنتيجة لأحداث طرابلس كما قال أبو جهاد أثناء الخروج، وفي هذا المجال هناك احتمالان:

◘وحدة المنظمة:

الأول: أن تظل منظمة التحرير بكامل مؤسساتها وبقيادة عرفات طبعًا، ولكن بتعديل هيكلية اتخاذ القرارات، بحيث يصبح بالأغلبية، وليس بالإجماع، والذي سماه عرفات إجماع الشلل، ويعتبر خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لفتح، والتنفيذية للمنظمة، ومستشار عرفات من أبرز الذين كتبوا في ضرورة التعديل المذكور. 

     ويلاحظ أن هذا الخيار هو الأوفر حظًا، والأكثر طلبًا من الأنظمة العربية والقوى الدولية؛ إذ لا بد من إعادة ترتيب البيت الفلسطيني أولًا، ومن ثم الحصول على «التضامن العربي»، أو «التأييد العربي» حتى يمكن لجهود الدبلوماسية أن تثمر، فأمريكا ريغان قالت للعرب -أكثر من مرة- «اتفقوا أولًا، ثم تعالوا فاوضوا»‍‍.

     وبالرغم من أن الانشقاق أصبح قائمًا وعمليًا، وفي صفوف المنظمة، إلا أن صيغة موحدة بقيادة عرفات تظل الأوفر حظًا، حتى لو انحازت الجبهة الشعبية والديمقراطية للمنشقين؛ لأنهم سيجدون أنفسهم مرتهنين للقرار السوري، كما سيعتمد عرفات على فلسطينيي الداخل، ودول الخليج العربي، والمهجر.

حكومة منفى:

     أما الخيار الثاني فهو إعلان حكومة منفى في القاهرة أو في تونس بعد الحصول على ضمانات عربية ودولية بالاعتراف بها للتفاوض باسم الفلسطينيين، وتجاوز منظمة التحرير، ولكن هذا الخيار فيما يبدو غير قائم بالرغم من تصريح عرفات بأنه آن الأوان لذلك، وذلك لخطورة انعكاسه على تركيبة منظمة فتح، ومنظمة التحرير، والساحة الفلسطينية عمومًا.

هذا على الصعيد الداخلي الفلسطيني، ولكن ماذا على صعيد التحرك السياسي؟

تحرك مصري فرنسي:

     تفيد زيارة عرفات لمصر أن القاهرة ستكون محورًا لدبلوماسية فلسطينية مصرية نشطة، هدفها دفع عجلة مفاوضات السلام، وبالرغم من تكتم ياسر عرفات على صيغة محادثاته مع مبارك، إلا أن الأخير صرح لصحيفة مغربية أن عرفات طلب إليه التحرك مع فرنسا لتقديم مشروع جديد في مجلس الأمن بشأن القضية الفلسطينية، وقد سافر إلى فرنسا بالفعل لهذا الغرض وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية بطرس غالي يوم الجمعة الماضي، واجتمع بالرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، ووزير خارجيته كلودشيسون.

     ومما يؤيد هذا التوجه بيان اللجنة المركزية لحركة فتح في نهاية الأسبوع الماضي، الذي اعتبر زيارة عرفات لمصر مجرد مخالفة تنظيمية، في الوقت الذي شكل فيه لجنة خاصة لدرس سبل تطوير العلاقات الفلسطينية المصري.!

محادثات فلسطينية أردنية:

     وبالرغم من استفادة عرفات من علاقات مصر بفرنسا، وإمكانية قيام تحرك فرنسي مصري للتأثير على الولايات المتحدة لتعديل موقفها من منظمة التحرير والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلا أن الرئيس المصري طلب إلى عرفات ضرورة التنسيق مع الملك حسين، وقد دعا عرفات أثناء الحصار في طرابلس إلى تجديد المحادثات الفلسطينية الأردنية، والاتصالات بين الجانبين مستمرة على أية حال، وقد أيد ذلك أبو إياد بعد اجتماع اللجنة المركزية لفتح، وقال ستستأنف الحوار مع الأردن، وبغض النظر عما قيل من أن زيارة عرفات لمصر -بالرغم من ترحيب الملك حسين له لزيارة الأردن- تعتبر رسالة موجهة لملك الأردن بضرورة إحياء المحادثات على أساس التمثيل الكامل للمنظمة المدعومة مصريًا، إلا أن دعوة الملك لانعقاد البرلمان الأردني يوم الإثنين الماضي بأعضائه ممثلي الضفتين الشرقية والغربية، وتأييد عرفات وأنصاره لذلك- يعتبر دلالة على أن الطرفين جادان في استئناف المحادثات حول الكونفدرالية، والدخول في مفاوضات يصر الجانب الفلسطيني على أنها ضمن مشروع فاس العربي.

•الدبلوماسية الفلسطينية تتركز على محور القاهرة عمان بدعم عربي.!

لكن إلى أين؟

     ولكن المراقبين يجمعون على أن المطروح عمليًا هو المفاوضات القائمة على أساس مبادرة ريغان، فمشروع فاس -وإن كان ينص على الدولة الفلسطينية المستقلة إلا أنه- يفتقد إلى من يستطيع تنفيذه، كما قال مبارك لرؤساء تحرير الصحف الكويتية، وهو من وجهة نظر مصر غير قائم، بل إن مبارك نصح عرفات بالتعاون مع الملك حسين، ثم إن التحرك المصري الفرنسي -كما يقول هاني الحسن في حديث لمجلة الوطن العربي- ليس مطلوبًا منه أن يخرج عن موافقة أمريكا، وأمريكا لا تعترف إلا بمبادرة رئيسها المجمدة، كما أن العدو الذي هو الطرف الأهم في أية مفاوضات رفض مبادرة ريغان، واعتبر زيارة عرفات لمصر مخالفة لاتفاقيات كامب ديفيد، وعقبة أمام الدبلوماسيين وحكومة شامير، كما يقول الدجاني في المقال المشار إليه لا يمكن أن تتنازل عن مشروع ضم الضفة وقطاع غزة، وهي مستمرة في إجراءات الاستيطان وتهجير اللاجئين إلى الأغوار.

     وإذا كانت الأمور تسير على النحو السابق فإنه لا حل عن طريق المفاوضات إلا في حالة واحدة، هي أن يسلم العرب بوجهة نظر العدو المدعومة أمريكيًا، وما لم يقبل العرب بذلك فإن المحور الفرنسي المصري، أو المثلث المصري الفلسطيني الأردني لا تعدو عن كونها مجرد تحرك سياسي ليس ذا نتيجة، فيما يرى الصحفي الفرنسي أريك رولو بحق، وهاني الحسن وهو المستشار والمقرب من ياسر عرفات يقول بأن عام ٨٤م، عام التحرك، وربما عام (۸5)، وقد تكون الحلول عام ١٩٨٦م. 

     وإذا كان الرئيس المصري يخشى من أنه إذا انقضى عام ٨٤، ولم نضع أرجلنا على الأرض فإنها ستضيع بعد ذلك للأبد، وبناء عليه يطلب القبول بأية مبادرة، فهل هو قادر أصلًا على استرجاع الأرض، حتى لو عاد إلى الصف العربي، وحضر قمة مارس القادم التي يقال بأنها ستبارك جهود حسين- عرفات للدخول في مفاوضات حول مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة؟ ذلك ما هو مشكوك فيه، أو طريقه مسدودة كما يقول مراقبون غربيون.

     وفي النهاية لا نملك إلا أن نذكر أن طريق المفاوضات الدبلوماسية طريق مظلم، تعترضه عقبات، ويتطلب تضحيات، مع أنه لا يوصل إلى نتيجة، فلماذا الولوج فيه إذن؟ والسؤال الذي ينبغي توجيهه لياسر عرفات بالذات هو: إذا أثبتت أحداث طرابلس المؤلمة أن الحليف الوحيد بصدق ووفاء للعمل الفلسطيني المسلح في الشدائد هم المسلمون ممثلين في حركة التوحيد الإسلامي، والجماعة الإسلامية، فأين وعدك لحليفك الشيخ سعيد شعبان بأن ستعلنها -من موقف القوة- أي بعد الخروج من طرابلس إسلامية مدوية تبتغي بها وجه الله. 

     والسؤال الذي يطرح هنا: هل المنشقون قادرون على شق طريق صحيح؟ والجواب أنهم لا يملكون ذلك؛ فهم أولًا أسهموا في دفع المنظمة لوضعها الحالي، وهم ثانيًا رهن القرار السوري الذي لا يتصور أن يسمح بفتح حدوده للعمل العسكري الفلسطيني بعد أن ظل مغلقها لثلاث عشرة سنة، نعم إنها مرحلة جديدة حقًا، ولكن إلى لا شيء، فهل من إعادة نظر في الطريق من بدايتها، وإعلانها قضية إسلامية، ذات مضامين عقدية حضارية شاملة؟ ذلك ما نرجوه، ونسأل الله -سبحانه- التوفيق لتبيانه في حلقات تالية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

121

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

134

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

94

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)