العنوان بعد التغييرات الدولية: ماذا يخبئ المستقبل للمسلمين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 906
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 28-فبراير-1989
• ماذا تعني التنازلات الروسية من طرف واحد للأمريكان؟
• الحدود المشتعلة في الساحة العربية والإسلامية تضيء نيرانها فجأة ... لماذا؟
• التكتلات الاقتصادية المعلن عنها ... هل تحمل دلالات معينة؟
الإحساس العام لدى جماهير الأمة العربية يوحِي بأن ثَمَّةَ تغييرات على الخارطة السياسية العربية تجري في الخفاء، وأن ثَمَّةَ ترتيبات محورية تُعَدُّ وراء البحار تستهدف إعادة الصياغة السياسية والحزبية الداخلية لعدد من المواقع العربية ... ولا سيما ما يتركز في العواصم المسماة بـ«الثورية» التي تبدو للمراقبين في حالة من العُزلة السياسية ذات الأبعاد الإقليمية والعربية والدولية.
تُرى ... ما هي دواعي ذلك التغيير الذي بدأ يهب على المنطقة تدريجيًّا؟؟
وما هي معالم المرحلة السياسية المقبلة للمنطقة العربية؟ وما هي الآفاق التي يمكن تلمُّسُهَا على الخارطة العربية للمرحلة القادمة ... هذا ما يحاول أن يجيب عليه الأستاذ إبراهيم الطرابلسي في مقالِهِ التالي:
• أثر الوفاق الدولي
خلال العام الذي انقضى حدثت تحولات جذرية في السياسة الدولية وانعكست على القضايا الإقليمية والخلافات الثنائية بين الدول، فقد هبت رياح الوفاق وانتشرت في كل أنحاء العالم وتسربت إشعاعات السلام من لقاء القمة الذي عقده ميخائيل غورباتشوف مع إدارة الرئيس ريغان الذي كان يودِّع البيت الأبيض، وأعلن الاتحاد السوفييتي بعدها تخفيض ميزانيته العسكرية بنسبة 14% وتدمير أسلحته الكيماوية من جانب واحد، وتسريح نصف مليون جندِي من قواته العسكرية بعد أن كان قد عقد اتفاقية جنيف التي تنصُّ على سحب القوات السوفييتية من أفغانستان في مدة أقصاها 15فبراير 1989، وقد التزم السوفييت بالانسحاب حيث غادروا الأراضي الأفغانية التي دخلوها في 27ديسمبر1979.
• حرب الخليج تتوقف
وحرب الخليج التي بدأت في سبتمبر 1980 واستمرت ثماني سنوات وأكلت الأخضر واليابس وأشاعت في المنطقة جوًّا من التوتُّر ونقلت أساطيل العالم إلى الخليج العربي الذي أصبح بحيرة متفجرة مزروعة بالألغام وحاملات الطائرات تتوقف فجأة وبدون مقدمات بقرار إيراني يعلن القبول بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 بعد عام كامل على اتخاذ القرار، كان الموقف الإيراني خلاله يعتبر استمرار القتال واجبًا شرعيًّا ووقف النار خيانة لله والرسول!!
وحرب الصحراء الغربية تتوقف فجأة، ويستقبل الملك الحسن وفد ثوار البوليساريو ليجري معهم مفاوضات غير مشروطة، تتوثق على إثرها العلاقات المغربية الجزائرية، والمغربية الليبية، ويتبادل الزعماء الزيارات ليعلنوا قيام «اتحاد المغرب العربي» ... وليرفع زين العابدين بن علي، والشاذلي بن جديد، والملك الحسن الثاني، والعقيد معمَّر القذافي، ومعاوية ولد طايع أيديهم المتشابكة ليشكِّلوا وحدة اقتصادية وسياسية طال انتظارها في المغرب العربي الكبير.
• تنازلات:
وعلى الصعيد الفلسطيني انتهى عام التنازلات الطويل بالإعلان الفلسطيني في المجلس الوطني المنعقد بالجزائر، وهو يعلن قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة على أساس قرار التقسيم رقم 181 الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1947، وتلتقي الوفود الفلسطينية بالوفود اليهودية في مؤتمرات عقدت في أكثر من العواصم الأوروبية، الشرقية والغربية، وليعلن ياسر عرفات آخر الشوط مشروعه القاضي بقيام تعاون اقتصادي ونظام كونفدرالي بين الأردن وإسرائيل والدولة الفلسطينية ولبنان.
• الحرب المفروضة
ولبنان حيث عششت الحرب وباضت وفرخت خلال أربعة عشر عامًا من القتال الدامي، والانقسام الدخيل، والفراغ الدستوري، والتناحر الطائفي والمذهبي، ثم حروب الطائفة الواحدة وأبناء المذهب الواحد ... فجأة تتشكل لجنة سداسية للوساطة والمساعي الحميدة لتستقبل في مرحلتها الأولى بتونس المتنازعين الجنرال ميشال عون، والدكتور سليم الحُص وفي مرحلتها الثانية بالكويت تستضيف أصحاب الغبطة والسماحة رؤساء الطوائف الرئيسية الست في لبنان، حيث يسافرون بطائرة واحدة، ويتبادلون زيارات تنسيق المواقف، ويحضرون مآدب التكريم الرسمية، ويكادون يطرحون مشروعًا موحدًا للإصلاح السياسي وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وبعد أن كانت سوريا تحتكر التعاطي بالشأن اللبناني وتعتبر أي تدخل في القضية اللبنانية ... تدخلًا في شؤونها الداخلية، أفرجت سوريا عن الأزمة اللبنانية وأطلقت يد اللجنة السداسية العربية لتعالج القضية وتحاول تلمس الحل ...
والعلاقات الكوبية الأمريكية، والصينية السوفييتية، وكل أزمات العالم بدأت تسترخي لتستجيب لدواعي الوفاق العالمي الذي انطلق من قمة الجبارين وانتشر بعد ذلك في الخافقين.
• كتل اقتصادية عربية:
ما الذي حدث؟ وما الذي جعل الكتل البشرية والمحاور الإقليمية تستجيب للاتجاه العالمي الذي ساد؟! لقد شعر الجميع بأنه من غير المسموح به قيام حالات صراع أو حتى حرب باردة، وأن المرحلة هي للبناء والتنمية وإطلاق «بعض» الحريَّات الديمقراطية ... فسارعت دول عربية مشرقية «الأردن ومصر والعراق واليمن الشمالي» لإعلان «مجلس التعاون العربي» ... ودول عربية مغربية «الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وليبيا» لإعلان «اتحاد المغرب العربي» والهدف المعلن لكلا التجمُّعين هو حماية المصالح الاقتصادية، إلى جانب التجمُّع الخليجي «مجلس التعاون الخليجي»، وقد أدركت سوريا أنها باتت معزولة عربيًّا ولا مكان لها في هذه التجمعات، ولذلك كانت استجابتها سريعة للجنة السداسية العربية التي يرأسها وزير خارجية الكويت وتتمتع بدعم أمريكي وأوروبي، وسوفييتي بعد زيارة شيفرنادزة وزير الخارجية السوفييتي وإبلاغ دمشق دعم بلاده لجهود اللجنة من أجل ترميم الوضع في لبنان.
• الانفتاح السوفييتي:
ونعيد طرح السؤال الكبير: ما الذي حدث؟!
يقولون بأن رياح الوفاق هبت من الاتحاد السوفييتي بعد وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة، فقد بدأ بالإفراج عن الحريات، ورفع ضغط المركزية السوفييتية عن الجمهوريات المتنافرة «أذربيجان- أرمينيا» ... وأطلق شعاري البيروسترويكا والفلاسنوست، بحيث تحولت مجالس السوفييت إلى ساحة محاسبة حقيقية بعد أن كانت مجرد مناسبات لإطلاق الهتاف والتصفيق للزعيم، وجدد شباب الزعامة السوفييتية فاختفت الوجوه المنتفخة والأجساد المحنطة عن شرفة الاستعراض في الساحة الحمراء ... وكان الانسحاب السوفييتي من أفغانستان هو أول اختبار لمصداقية الزعامة السوفييتية الجديدة، فالتزمت بجدولة الانسحاب الذي بدأ في 15 أبريل 1988 وانتهى في 15 فبراير 1989، وهكذا انسابت رياح السلام، وانسجم معها الجميع لأن العالم متداخل، وأزماته متداخلة، وقرار الوفاق ملزم للجميع.
ولكن ... ما أثر هذا الوضع الجديد على قضايانا الإسلامية وظلامات الشعوب المستضعفة؟ لقد فهم البعض أن الوفاق هو تنازل عن الحق وتفريض بالمطالب العادلة انسجامًا مع المناخ السائد، فالكوبيون انسحبوا من أنغولا والسوفييت خففوا وجودهم في كوبا، وهذا يعتبر تنازلًا من الاتحاد السوفييتي وتوابعه ... كذلك فقد انسحب السوفييت من أفغانستان ونصحوا سوريا بأن تستجيب للجهود العربية في لبنان وللجهود الدولية من أجل الوصول إلى تسوية للقضية الفلسطينية ... لكن، ماذا يمكن للشعب الفلسطيني أن يقدم من تنازلات فهو لا يملك ما يتنازل عنه، لأن إسرائيل اغتصبت أرضه وحقه في حياة حرة؟. وماذا يمكن أن يتنازل عنه الشعب السوداني البائس إزاء مطالب حركة الانفصال الجنوبية بزعامة جون غارنغ، أن يتخلى عن دينه وشريعته، وعن روابطه العربية بمحيطه العربي؟ ... وماذا يمكن أن يتنازل عنه الشعب الإرتيري الذي مارس عليه الإمبراطور هيلاسيلاسي كل أنواع القهر والاضطهاد الديني، ثم أجهز عليه منغستو هيلامريام بسيف ذي حدين، أحدهما ماركسي بوليسي والآخر كنسي حاقد ... هذا الشعب ليس لديه ما يتنازل عنه؟!!
• رأينا بالوفاق:
وهكذا كل قضايا وظلامات الشعوب المقهورة على الأرض، وأغلبها شعوب إسلامية ... ولا ينبغي أن نستبشر خيرًا بحالة الوفاق، لأنها حالة اتفاق على الضحية، ونحن سنكون الضحية ...
إن نوم الظالم عبادة، كما ورد في المثل ... واختلاف الظالمين رحمة، وقد كانت بعض قضايا المظلومين المقهورين تجد متنفسًا لدى حاكم أخف ظلمًا أو ظالم تلتقي مصالحه مع قضية عادلة كيدًا بصاحبه أو نكاية به، فإذا اتفقا كانت الطامة وانسدت هذه المنافذ أمام حركات التحرُّر من الطغيان والقهر.
• لا تنازل عن حق:
لذلك، فإن على أصحاب القضايا المحقة ألَّا يتنازلوا عن حقهم المقدس ولو توافق الظالمون لأنه ليس لدى أصحاب هذه القضايا ما يتنازلون عنه، وإن على أصحاب القضايا المحقة أن يتماسكوا في وجه الهجمة الوفاقية العالمية؛ لأنها ما انطلقت إلا من أجل الحفاظ على مصالح الظالمين وتوفير ظروف معيشية أفضل لشعوبهم، فالقضية ليست قضية مبدأ ولا قضية عدل ولا رحمة، وإنما هي الكلفة العالية للمواجهة لا أكثر ولا أقل.
يقول بعض المتفيهقين للمجاهدين الأفغاني بأن يعتدلوا ويقبلوا بالحوار مع «نجيب الله» وإنهم لم يكسبوا الحرب بل السوفييت هم الذين انسحبوا ... وكذب هؤلاء، لأن السوفييت ما كان لهم أن ينسحبوا لولا جهاد المجاهدين، ولذلك فهم ما زالوا يحكمون بدباباتهم دول أوروبا الشرقية ويضمون إليهم مقاطعات إسلامية كاملة.
ويقولون للفلسطينيين إن إسرائيل يمكن أن تنسحب من غزة وبعض مناطق الضفة، وهذا يكفي ولا بأس أن نقبل به ونمنح إسرائيل ما تريد بعد ذلك، ولا داعي للتطرف فلا مكان بعد الآن للمتطرفين ... ونسي هؤلاء أن استعداد إسرائيل للتفاوض أو الانسحاب ما كان لولا الانتفاضة، وهي مرحلة من مراحل المواجهة الطويلة مع اليهود ...
فالثبات الثبات، والتماسك التماسك ... والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل