العنوان بعد التطورات الأخيرة: هل بقي الصراع في «فتح» فلسطينيًا؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1983
مشاهدات 71
نشر في العدد 627
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 28-يونيو-1983
·
على مرأى القوات الإسرائيلية ومسمعها..
تتحرك القوات السورية والليبية لاحتلال المواقع الفلسطينية!
·
هل تخرج «فتح» من النفق المظلم إلى بر الأمان؟
·
«فتح» بين تآمر واشنطن وتمرد «اليسار».
في الوقت الذي كان فيه «عرفات» يجتمع مع المجلس الثوري لحركة «فتح»
في دمشق لحل «الإشكال» الناشئ عن تمرد «أبو موسى» ومجموعته، كانت القوات السورية المدرعة
تعززها القوات الليبية ومجموعات «أحمد جبريل» و«أبو نضال» تتقدم من مواقع «فتح» قرب
قرية المصنع الحدودية وفي قرية «مجدل عنجر» وما حولها، وتطلق النار على هذه المواقع
التي تلقت أوامر مشددة من قيادتها بعدم إطلاق النار على القوات السورية، ثم تقتحم القوات
السورية المدرعة والمعززة ثمانية مواقع فلسطينية وتأسر ثلاثين مقاتلًا، ثم تسلمهم إلى
«أبو موسى» الذي قام بالإجهاز عليهم فورًا حتى الجرحى منهم، حسبما ورد في تقرير لقيادة
«فتح» عما يجري في البقاع اللبناني.
في هذه الأثناء وفي داخل اجتماع المجلس الثوري كان «يحيى يخلف» وهو
أحد الأعضاء الماركسيين الذي جيء به قبل عدة شهور إلى الكويت للإشراف على انتخابات
اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين -فرع الكويت، ولما حضرت صلاة المغرب وراعه أن رأى
بعض الكتاب يخرج من القاعة لأداء الصلاة؛ صرخ بأعلى صوته «ما هذه الفوضى؟» فكان أن
تلقى جوابًا من أحد الكتاب الإسلاميين أسكته.. نقول: إن «يحيى يخلف» كان يوزع الاتهامات
على قيادة فتح، ويعلن تأييده للمتمردين، في الوقت نفسه الذي كانت فيه الدبابات السورية
والقوات الليبية تتقدم من المواقع الفلسطينية، مما جعل «عرفات» ينهي الاجتماع، ويتحرك
فورًا إلى طرابلس لبنان عبر حمص، ومن هناك يبعث بعدة رسائل إلى عدد من الدول العربية
والأجنبية لإيقاف التدخل السوري!
ولكن القوات السورية الموجودة في لبنان والفصائل التابعة لها كـ«الفرسان الحمر» وغيرها، تقوم فيه بالدور
الأكبر في تفسيخ «فتح»، وبالتالي الثورة الفلسطينية رغم إعلانها أنها لا تتدخل بشؤون
الفلسطينيين، وأنها حريصة على مصالحة الطرفين المتنازعين في فتح، وفي الوقت نفسه كانت
تقطع خطوط التموين والإمداد عن العناصر التابعة لعرفات، وتنقل «أبو موسى» من مكانه
المحاصر فيه إلى الأماكن التي احتلتها قواتها؛ ليكون تحت حمايتها مباشرة.
وفي الحقيقة، فإن «أبو موسى» وجماعته في الأسبوع الماضي أشرفوا على
العودة إلى حظيرة فتح أو انتظار مصيرهم، لولا تحرك الدبابات السورية! وهذا يدل على
أن الأزمة ليست «فلسطينية داخلية» كما يراد لها أن تكون، وإنما هي أزمة سورية فلسطينية
تسهم فيها ليبيا، وتقف من ورائهما موسكو هذه المرة.
«أبو موسى» رمز كان ضروريًّا
ليقف وراءه كافة أعداء الثورة الفلسطينية والعملاء، والشعارات التي يرفعها المتمردون،
كلمات حق في مجملها، ولكن يراد بها باطل، وإلا لماذا تعلن قيادة «فتح» أنها توافق على
معظم مطالب المتمردين، بينما المتمردون يرفضون قبول مطالبهم، ويخرجون بمطالب جديدة
تعجيزية، كان المراد منها إفراغ العمل الفلسطيني من هويته، وإسقاط القيادة الفلسطينية،
من أجل ماذا؟
يقولون: إننا نريد أن نقاتل «إسرائيل»، ولا نريد أن نعقد صلحًا معها.
وهذا مطلب جماهيري حقيقي، ولكن هل الأنظمة الثلاثة التي تدعم المنشقين وتحميهم وتشجعهم
هي كذلك؟! هل موسكو تؤمن بزوال «إسرائيل»؟ هل دمشق تنوي تحرير فلسطين؟ هل طرابلس الغرب
أطلقت رصاصة واحدة على جندي إسرائيلي؟
يقولون: إننا نريد أن نعود إلى بيروت وإلى الجنوب اللبناني؛ لنحارب
«إسرائيل» من هناك، وهذا كلام جيد. ولكن لماذا لا يسمح للمقاتل الفلسطيني بالوجود على
أطراف هضبة الجولان لمنازلة اليهود، ومنعهم من التقدم إلى المناطق المسيحية التي لم
تدخلها القوات السورية؟!
حتى إذا ما استجمع الكتائبيون قواتهم، قاموا بهجماتهم المتلاحقة
على المسلمين من فلسطينيين ولبنانيين، وذلك بدعم من القوات السورية التي شلت حركة المسلمين،
وشدت من أزر المارون، ثم كان الهجوم المشترك على مخيم «تل الزعتر»؛ حيث حضر في غرفة
العمليات ضباط سوريون وإسرائيليون بالإضافة إلى الضباط المارون.
نسترجع هذه الأحداث المؤلمة، ونحن نرى الأحداث تتلاحق في البقاع
اللبناني بنفس الأسلوب، ونفس الطريقة مع اختلاف في الوجوه، والقضية واحدة، فحين يضرب
الفلسطينيون في لبنان يضرب المسلمون فيها، وحين تضرب «فتح» تضرب الثورة الفلسطينية،
ويصبح الطريق ممهدًا للصلح مع «إسرائيل»، سيما وقد ضرب المسلمون قبل ذلك في سوريا،
وكل كلام غير هذا الكلام، تغطية لتمرير المؤامرة الكبرى بتثبيت الكيان اليهودي، وتركيع
هذه الأمة، وتغييب الإسلام نهائيًّا عن واقع الحياة.
الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كل منهما (مجتمعان أو منفردان)
أخذا على عاتقهما تنفيذ هذه الأهداف الخبيثة سواء بطريق مباشر أو عن طريق الاتباع.
وإذا كان الأمر قد وصل في السابق بشخص مثل «زهير محسن» وهو فلسطيني
إلى التباهي باشتراكه في مذبحة «تل الزعتر» الفلسطينية، فهل نستغرب اليوم حين نجد شخصًا
مثل «نمر صالح» الفلسطيني الذي اشتغل عاملًا في مصنع الأسمنت الأردني في الفحيص في
الستينيات، ثم اشتغل عاملًا في ميناء الشويخ الكويتي في السبعينيات.. هل نجد غرابة
حين نجد هذا الشخص يستنجد بسوريا وليبيا والاتحاد السوفييتي للإطاحة بعرفات والحلول
محله؟ بل إنه يدفع دفعًا إلى ذلك!
«زهير محسن» الذي شارك في ضرب
أهله وإخوانه في «تل الزعتر» والذي كان يرأس منظمة «الصاعقة» التابعة لحزب البعث السوري،
هذا الشخص قتل في باريس بينما كان مخمورًا في إحدى الحانات مع «صديقته»، وكان هو الآخر
يدفع دفعًا؛ ليتصدر العمل الفلسطيني.
واليوم هنالك شخص يسمى «أحمد جبريل» كان ضابطًا في الجيش السوري،
ويرافقه باستمرار «عقيد» ليبي يشترك مع القوات السورية والليبية في الهجوم على مواقع
قوات عرفات «المنحرفة» وتطهيرها على مسمع ومرأى القوات الإسرائيلية التي تحتشد بكثافة؛
لتتحرك في الوقت المناسب للقيام بما لم تستطع القيام به سوريا وليبيا أو واشنطن وموسكو،
أو للتدخل في حالة الإخلال بالاتفاقات المعقودة! أو لتخرق «إسرائيل» كل اتفاق ولتعري
كل الحلفاء حين تجد أن مصلحتها فوق كل الاعتبارات.
يبدو أن الشعب الفلسطيني قد أتعب واشنطن وتل أبيب وأتباعهما ولم
يستسلم، ولم يندثر، ولم يقبل على نفسه أن يتحول إلى فئة من الناس، مجرد فئة، لا كيان
لها ولا وطن، تعيش في أوطان الناس، ووطنها ينعم به اليهود، وتكدح في ديار الغربة، ونظرات
الشك والريبة تلاحقها، تحيا بلا أمل إلا بمقدار ما يحلم الهنود الحمر في حياة كريمة
في ديارهم التي يحتلها «الإنسان الأبيض».
تتحرك القوات السورية المدرعة تساندها القوات الليبية المدججة بالسلاح
المتطور إلى منطقة «المصنع» الحدودية، ثم إلى قرية «مجدل عنجر»، فتستولي على ثمانية
مواقع للقوات الفلسطينية.. يا للعار! ليعلن بعد ذلك البطل المزيف «أحمد جبريل» أنه
أسر خمسين من رجال عرفات، وأنه سيواصل الزحف! بينما ينتظر «نمر صالح» مقعد الرئاسة،
في الوقت الذي يفرك فيه سميح أبو كويك «قدري» يديه فرحًا في دمشق، فها هو ذا يقطف ثمار
مخططه «الأحمر» الذي بدأه قبل عام 1970م في الأردن، حين كان مسؤولًا عن «التنظيم» في
عمان.
تعبت واشنطن وتل أبيب ويئستا على ما يبدو من إمكان القضاء على الشعب
الفلسطيني وحركته «الوطنية»، فسلمت الأمر لموسكو لتحرك أتباعها في داخل «فتح»، وفي
داخل الوطن العربي؛ بل في داخل الأرض المحتلة نفسها، في نغم واحد، ولكنه نشاز مهما
حاول أن يظهر بمظهر الانسجام والتناسق.
يتمرد «أبو موسى» وهو مطمئن بأن «فتح» لا تقوى على اتخاذ أي إجراء
حاسم ضده؛ اعتمادًا على حماية سوريا ودعم ليبيا وتطمين موسكو.
أبو موسى وجماعته لا يشكلون خطرًا، ولكن الخطورة في الظرف والتوقيت
واستغلال المتربصين.
يتراجع أبو عمار عن قرارات الفصل والتجميد، ويستجيب لمعظم مطالب
المتمردين، ويطلب منهم التفاهم، ولكنهم يخرجون بمطالب جديدة، ويرفضون رفضًا باتًا أي
نوع من أنواع التفاهم.
ومن الغريب أنهم يعلنون دومًا عن تمسكهم بوحدة حركة «فتح» وبعدم
اللجوء لاستخدام السلاح، ولا تزال صور «عرفات» فوق رؤوسهم.
فما أبعاد اللعبة؟
·
أن تبقى «فتح» الاسم، وأن يختفي المضمون.
·
أن يبقى «عرفات» قائدًا بلا قيادة.
·
أن توجه بندقية الفلسطيني إلى صدر الفلسطيني
إن لم تسقط على الأرض.
·
حتى «السلام» الأميركي بين بعض الأنظمة
و«إسرائيل» ليس للفلسطينيين فيه نصيب ماداموا يتحدثون عن «حق تقرير المصير».
·
لماذا تستأثر أميركا بمنطقة الشرق الأوسط،
ولا يكون لروسيا في هذه المنطقة نصيب؟
·
«أبو موسى» كان إشارة البدء، ثم بعد ذلك
الطوفان.
والسؤال الآن: هل يجرف الطوفان الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة؟
أم أن المد الإسلامي هو الذي سيحمل هذه الحركة إلى بر الأمان؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل