العنوان بعد البوسنة والشيشان الخطر يـهدد المسلمين في قبرص
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995
مشاهدات 63
نشر في العدد 1135
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 24-يناير-1995
· تحالف أوروبي أمريكي للقضاء على
القبارصة الأتراك خلال العام الحالي.
· تنامي التيار الإسلامي والقومي في
تركيا وراء التحرك الأمريكي لإنهاء المشكلة في عهد حكومة تشيللر.
· انضمام قبرص للاتحاد الأوروبي شرط
أثينا لإدخال تركيا الوحدة الجمركية.
· دنكطاش يهدد بالانضمام إلى تركيا في
حالة قبول الطلب القبرصي للانضمام للاتحاد الأوروبي.
تشير التطورات
الأخيرة على صعيد القضية القبرصية إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت إغلاق
الملف القبرصي خلال العام الحالي على أن يكون مسلمو الجزيرة الأتراك ضحية تحقيق
نصر يسعى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لتحقيقه على صعيد السياسة الخارجية بعد
مسلسل فشله في هاييتي والصومال، وحتى في الشرق الأوسط، وبعد تصاعد حملة العداء بين
"إسرائيل" ودول التطبيع، وبالطبع تشاركه الدول الأوروبية في الهدف ذاته
رغم وجود تقرير سري أعدته لجنة الاتحاد الأوروبي دعت فيه إلى ضرورة الاعتراف بوجود
دولتين في قبرص، وبالتالي احتواء التوتر بين تركيا واليونان الحليفتين في الناتو
والذي سيؤثر سبيًا على الحلف ".
وبالطبع سيتم
تكبيل تركيا بورقة الوحدة الجمركية، إذ سيكون ثمن دخولها الموافقة على دخول قبرص
للاتحاد الأوروبي وهو ما تم الاتفاق عليه في باريس يوم 11/1/1995م بين آلان جوبيه
- وزير خارجية فرنسا - الذي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، ويانوس
كرانديتوس - الوزير اليوناني المسؤول عن العلاقات مع الاتحاد - إذ وافقت أثينا على
الصيغة الفرنسية القاضية بعدم استخدام حق الفيتو ضد دخول تركيا للوحدة الجمركية
مقابل وضع موضوع قبرص في جدول أعمال عام 1996م، ليتم بحثه، واشترطت أثينا أيضًا
عدم تطبيق البروتوكول المالي وعدم السماح للمواطنين الأتراك الذين يتجولون بحرية
في دول الاتحاد بدخول اليونان بدون تأشيرة دخول، وهو ما سيتم مناقشته في 7 مارس
المقبل ".
حل أمريكي على
حساب مسلمي الجزيرة
وفي نفس الإطار
تروج واشنطن عبر كل من ريتشارد هولبروك - مساعد وزير الخارجية الأمريكي - وجيمس
وليم - المنسق الخاص بقبرص - اللذين يقومان بجولة في المنطقة خلال الشهر الجاري،
لهذا التوجه، إذ قالا لأنقرة إن واشنطن تريد إيجاد حل نهائي للأزمة القبرصية خلال
العام الحالي، وأنها ستعمل على قبول تركيا في عضوية الوحدة الجمركية مع الاتحاد
الأوروبي من خلال ممارسة ضغوط على اليونان لعدم استخدام الفيتو ضد توقيع
الاتفاقية، وأنه لا خوف من وضع انضمام قبرص للاتحاد الأوروبي في جدول الأعمال لأنه
لن يتم تحقيق ذلك قبل عام 2000م ويمكن خلال تلك الفترة حل المشكلة القبرصية عبر
المفاوضات على أساس الفيدرالية ".
كما يقدم
الأمريكيون وعدًا للقبارصة الأتراك بأنهم إذا وافقوا على تقديم طلب قبرص العضوية
للاتحاد الأوروبي وعلى ملحق المواد الجديدة لمقترحات بناء الثقة التي طالب
القبارصة اليونانيون بها بعد أن وافق الأتراك على المقترحات الأولى، فإنه سيتم
تخفيف الحظر المفروض عليهم ".
وفي نفس الوقت
يتم تكديس الأسلحة بجنوب قبرص تمهيدًا لحرب جديدة في حالة تصميم القبارصة الأتراك
على موقفهم، ففرنسا واليونان وروسيا وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة يقدمون أسلحة
لقبرص لدعم قوتها القتالية، إذ حصلت قبرص على 100 دبابة طراز AMX-303
من فرنسا واليونان، وتعاقدت على 50 دبابة مع روسيا، ليصل عدد الدبابات التي حصلت
عليها خلال سنتين فقط إلى 500 دبابة، وهو الأمر الذي اعتبرته قوة مراقبة السلام
التابعة للأمم المتحدة تهديدًا لمحاولات السلام ".
وحصلت قبرص على
دبابات من طراز "M-60"
"A1-A3"
من الولايات المتحدة، وعلى 270 دبابة ليوبارد من ألمانيا، وتم الاتفاق على صفقة
صواريخ أرض جو روسية من طراز BMP-3 ".
كما أن لدى
القوات القبرصية اليونانية صواريخ إكسوسيت فرنسية، و240 مدرعة طراز VAB،
و72 مدفعًا عيار 105 مم و12 مدفعًا من طراز TR-F1،
و12 من طراز 155 مم، و12 قاعدة صواريخ يوغوسلافية ".
وبالطبع فإن
تحويل قبرص إلى مستودع كبير للأسلحة يستهدف ممارسة ضغوط نفسية على القبارصة
الأتراك للرضوخ لليونانيين والقبول بالذوبان في الجزيرة تمهيدًا لعودة المذابح
التي بلغت ذروتها عامي 1963 و1964م بهدف تطهير قبرص من العرق التركي المسلم
وبالتالي الانضمام إلى اليونان، لتضيع بذلك سنوات الكفاح من أجل الحفاظ على الهوية
التركية الإسلامية، وتنتهي بذلك حركة السلام التي نفذتها القوات المسلحة التركية
عام 1974م استنادًا إلى اتفاقيتي زيورخ ولندن إلى لا شيء ".
يأتي ذلك في
الوقت الذي كان خبراء الاتحاد الأوروبي قد وضعوا تقريرًا - والذي لا يعتبر وثيقة
رسمية - ينصح بالاعتراف بتواجد دولتين في قبرص لإنهاء الصراع الدائر منذ 20 سنة،
والذي يشير إلى صعوبة حسمه خاصة بعد أن أصبح في الجزيرة دولتان كأمر واقع رغم عدم
الاعتراف بقبرص التركية، وذلك وفقًا لما ذكرته إذاعة الـ BBC
"الخدمة اليونانية"، وأبرزت خبره الصحف اليونانية يوم 7/12/1994م دون أن
تبدي أثينا أي رد فعل رسمي، فيما يبدو أنها كانت تخطدت مع واشنطن ولندن - وفقًا
لمعلومات "المجتمع" - لممارسة الضغوط على أنقرة لحث دنكطاش على الموافقة
على دخول الاتحاد الأوروبي خاصة وأن اللجنة المخصصة لذلك تشترط موافقة كل من
القبارصة اليونانيين والأتراك على طلب الانضمام، إلا أن الذي سيضعف موقف أنقرة هو
التوجه الذي ظهر مؤخرًا بعدم اشتراط موافقة القبارصة الأتراك بناءً على ضغوط
أمريكية على الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإنها استقبلت تهديدات رؤوف دنكطاش التي
أعلنها يوم 9/1/1995م، بأنه سيشكل جمهورية حرة تتكامل مع تركيا في مجالي الدفاع
والشؤون الخارجية بفتور، رغم أنه قال إن موافقة الاتحاد الأوروبي على طلب قبرص
الجنوبية بالانضمام إلى الاتحاد ستؤدي إلى اندلاع حرب تركية - يونانية ".
تشير المعلومات
إلى أن تصميم واشنطن والعواصم الغربية على حل المشكلة القبرصية خلال العام الحالي
يرجع لخوفهم من احتمالات فوز حزب الرفاه الإسلامي في الانتخابات المقبلة، خاصة بعد
تنامي شعبيته في استطلاع يناير الماضي وحصوله على المركز الأول، ويليه حزب اليسار
الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد، والذي يدعم خيار ضم قبرص التركية إلى تركيا
".
وكان أجاويد وأربكان
أثناء حكومتهما الائتلافية عام 1974م صاحبي قرار التدخل التركي في قبرص، مما يعني
تشددًا تركيًا أكثر في المستقبل خاصة مع تنامي شعبية حزب الحركة القومية بزعامة
ألب أرسلان توركش وهو حزب قومي متطرف يدافع عن الأتراك في كل مكان ويعتمد في تحركه
إحياء الطورانية وإقامة دولة كبرى للأتراك، كما أن زعيمه من مواليد قبرص التركية
أيضًا ".
ولذلك تحاول
واشنطن حل المشكلة في ظل قيادة تانسو تشيللر الحالية والتي كانت قد وعدت الرئيس
الأمريكي بيل كلينتون أثناء لقائهما العام الماضي بممارسة ضغوط على دنكطاش للخضوع
لمقترحات بطرس غالي - السكرتير العام للأمم المتحدة - لحل المشكلة، وهو ما جاء على
لسان كلينتون نفسه في تصريحات يوم 22/4/1994م، عندما قال: "إن المشكلة
القبرصية ستشهد تطورًا هامًا خلال الأيام المقبلة"، وكان فولكان فورال -
مستشار تشيللر ونائب مستشار الخارجية التركية - قد زار شمال قبرص وأبلغ دنكطاش أن
تشيللر تعهدت لكلينتون بموافقته على مقترحات بناء الثقة، وهو الأمر الذي أثار ردود
فعل عنيفة ضد تشيللر داخل تركيا نفسها كان أهمها قول حسام الدين جندروك - رئيس
مجلس الشعب التركي - إن الكلمات خلف الأبواب ليست ملزمة لمجلس الشعب، وإنه لا يوجد
سياسي أو حكومة يمكنها إرغام المجلس على قبولها، كما أن أمريكا ليست طرفًا في
الموضوع القبرصي لأن تركيا وبريطانيا هما الدولتان الضامنتان، كما أن الجيش التركي
لا يقوم بمهمة قوة السلام في قبرص، وعلى الناتو أن يفهم ذلك، ولن يجبرنا أحد على
التراجع خطوة من قبرص ".
تراجع تشيللر
تحت الضغط الشعبي
أما أربكان فقال
آنذاك: "لن نعطي موقعًا لأحد، ويجب وضع محضر مباحثات الولايات المتحدة بين
تشيللر وكلينتون في أرشيف الدولة، فالسرية مستحيلة ".
وأدت ردود الفعل
تلك خاصة وأن مجلس الشعب التركي عقد جلسة لمناقشة الموضوع في أبريل الماضي، إلى
إعلان تشيللر أنها لم تتعهد بشيء للرئيس كلينتون ولن تعمل شيئًا قط يتعارض مع
المصالح التركية والقبرصية التركية، وأنها قالت لكلينتون عندما أثار الموضوع إن
قبرص التركية قبلت اقتراحات بناء الثقة الأصلية وإن تركيا دعمت ذلك، إلا أن
الاقتراحات تغيرت مؤخرًا، وأنه من المناسب بذل الجهود لإحراز تقارب فيما بين وجهتي
النظر حتى نهاية أبريل - تقصد الماضي ".
وعندما أثيرت
مقترحات عمل تكامل بين تركيا وقبرص التركية والتي كان قد كشف عنها بولنت أجاويد -
زعيم حزب اليسار الديمقراطي - في يوليو الماضي، كان دنكطاش قد قدمها للحكومة
التركية لدراستها لأنه في حالة دخول قبرص للاتحاد الأوروبي فإن ذلك سيؤدي تلقائيًا
إلى وحدة قبرص مع اليونان مما سيعرض الأمن القومي التركي القبرصي، والتركي للخطر
".
أحزاب الحكومة
تضغط على دنكطاش لقبول خطة بطرس غالي
ورغم أن دنكطاش
بناءً على ضغط أنقرة كذب تلك الأنباء آنذاك، وهي التي يطالب بها حاليًا في إطار
تهديداته، إلا أن مراد قرة يلتشين - مساعد رئيس الوزراء ورئيس الحزب الديمقراطي
الاجتماعي الشريك الأصغر في الحكومة - أكد أنه ضد الاقتراح بتحويل قبرص التركية
إلى جمهورية حرة مرتبطة بتركيا وأنه يفضل الحل الفيدرالي للجزيرة ".
وبالتالي فإن حل
القضية أثناء تواجد تشيللر وقرة يلتشين هو الأفضل لواشنطن بدلًا من أربكان وأجاويد
وتوركش، ولذلك تتزايد الضغوط حاليًا، خاصة وأن الشروط الداخلية في تركيا هي الأفضل
لتحقيق الحل الغربي ".
وهو الأمر الذي
فطن إليه دنكطاش مؤخرًا فأعلن احتمال إعادة ترشيح نفسه لمدة 5 سنوات أخرى في
انتخابات أبريل المقبل بعد أن كان قد أعلن من قبل عدم نيته ترشيح نفسه ثانية، في
إشارة إلى استمرار خطه المعارض للمؤامرات ضد قبرص التركية، ولتفويت الفرصة على
التيار التركي في تركيا الداعي إلى حل المشكلة القبرصية التي يعتبرها حرابًا في
ظهر تركيا يعرقل توجهاتها نحو أوروبا، ولذلك صرح دنكطاش لصحيفة "ملليت"
يوم 10/1/1995م، أنه يعتقد بوجود مؤامرة في مقتل ابنه رائف عام 1985م، وأنه يشك في
دور لبعض عناصر الاستخبارات التركية المرتبطة بالتيار الراغب في حل المشكلة، ولذلك
تم قتله لإيقافه عند حده ".
وبالتالي فإن
تصريحات دنكطاش المفاجئة جاءت بهدف الضغط على التيار التركي الداعم لحل المشكلة
على حساب القبارصة الأتراك، في إشارة منه إلى إمكانية كشف الكثير من أسرار ملف
القضية القبرصية وهو الأمر الذي لا تتحمله الأحزاب التركية التي تضم مجموعات من
هذا التيار خلال الفترة الحالية التي يعمل الجميع فيها على تجميل وجهه قبل
الانتخابات النيابية ".
اتساع حجم
المؤامرة على القبارصة الأتراك
وعمومًا فإنه
رغم اتساع حجم المؤامرة على القبارصة الأتراك والتي تشارك فيها واشنطن مع الاتحاد
الأوروبي، والأمم المتحدة وتيار داخلي في تركيا، إلا أن القبارصة الأتراك يمكنهم
المقاومة فترة أطول خاصة بعدما أبلوا بلاءً حسنًا في القتال والصمود منذ عام 1964م
إلى 1974م، وتحمل الحصار الاقتصادي المفروض عليهم وقدرتهم الفائقة على إدارة
مفاوضات السلام رغم الضغوط الدولية والتركية معًا ".
والحسم سيكون
للأكثر صمودًا والذي يستطيع اكتشاف المؤامرة السياسية المتجملة بمكياج السلام
الزائف الذي ستتضح معالمه مع أول موجة تلطم وجه الساحل القبرصي، وبالطبع لو كانت
الدول الإسلامية قد لبت نداء دنكطاش بالاعتراف بدولته لكان الموقف التفاوضي له
أفضل بكثير، ولكنها خضعت للموقف الغربي في انتظار ما سيسفر عنه، والذي لن يكون في
الغالب سوى عملية تطهير عرقي جديدة في إطار عمليات بتر الأعضاء الإسلامية من جسد
القارة الأوروبية إذ يريدون أن تكون قلعة صليبية خالصة في الوقت الذي يتحدثون فيه
عن ضرورة الإخاء الإسلامي - المسيحي، فهل تدعم الدول الإسلامية باعترافها بقبرص
التركية دنكطاش مثلما تفعل حاليًا بالاعتراف بـ "إسرائيل"؟!!
جغرافية
قبرص وتاريخها
جزيرة قبرص هي
الجزيرة المتوسطية الثالثة بمساحتها بعد كورسيكا وكريت، ويبلغ إجمالي مساحتها 9250
كيلومترًا مربعًا، تبعد عن الساحل التركي مسافة مقدارها 75 كيلومترًا مربعًا، وعن
جزيرة كريت القارية اليونانية 900 كيلومتر مربع، وتنقسم قبرص إلى جزءين قبرص
الجنوبية ويسيطر عليها القبارصة اليونانيون وتبلغ مساحتها 5896 كيلومترًا مربعًا،
وقبرص الشمالية ويسيطر عليها القبارصة الأتراك ومساحتها 3355 كيلومترًا مربعًا
".
ويبلغ إجمالي
تعداد سكان جزيرة قبرص 719 ألف نسمة، منهم 554 ألف نسمة سكان قبرص الجنوبية، و165
ألف نسمة سكان قبرص الشمالية ".
كانت قبرص جزءًا
من هضبة الأناضول في العصور القديمة ثم انفصلت عنها بفعل العوامل الجغرافية والمد
والجزر مع عدد كبير من الجزر، وأصبحت جزيرة منفصلة، وكان المصريون هم أول من عرف
الجزيرة واستعمرها ثم تلاهم الحيثيون والآشوريون والبنادقة والميديون والروم
والبيزنطيون ".
وفي عهد الخليفة
أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (خلال الفترة من 632 - 634م) فتح المسلمون كيتيون
في قبرص، وفي عهد الخليفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – خضعت الجزيرة بكاملها
لحكم المسلمين، وكان ذلك في عام 648م ".
وفي عام 657م
أعد معاوية بن أبي سفيان العدة لغزو قبرص، وقد شارك في تلك المعركة العديد من
الصحابة الكرام والتابعين، فظلت الجزيرة بعد ذلك تابعة لحكم الأمويين الذين كانوا
يأخذون الخراج من أهلها ".
كما وقعت بعد
ذلك تحت سيطرة العباسيين في عهد هارون الرشيد (796 - 809م)، إلا أن الإنجليز
استطاعوا السيطرة عليها عام 1191م في عهد الملك ريتشارد قلب الأسد، وذلك أثناء
الحروب الصليبية، ولكن نظرًا لاحتياج ريتشارد للأموال خلال تلك الفترة لتمويل
الحملات الصليبية بهدف الاستيلاء على بيت المقدس قام ببيعها إلى ملك القدس القديم
لوزينيان، وتحولت الجزيرة إلى مركز لإيواء اللاتين الشرقيين الفارين من سواحل
فلسطين وسوريا، ثم تحولت بعد ذلك إلى مأوى للقراصنة القادمين من البندقية وجنوة
وفرنسا ".
ولما كانت
الجزيرة تشكل خطرًا على مصر وسوريا في فترة الحروب الصليبية قام السلطان المملوكي
الملك الأشرف برسباي بتجهيز حملة والخروج إلى الجزيرة على رأس جنوده عام 1425م،
وأخذ الملك القبرصي جينوس أسيرًا، وبدأت الجزيرة في دفع الخراج لمصر ".
وبسبب قيام
السلطان سليم الأول بفتح مصر وسوريا وامتداد نفوذ الدولة العثمانية إلى الأراضي
المقدسة، فقد رأى ضرورة وجوب فتح قبرص لإحكام السيطرة على شرق البحر الأبيض
المتوسط ".
ولما لم يتوقف
قراصنة البندقية عن الإغارة على السفن التجارية، أعطى السلطان سليم الثاني (1566 -
1574م) أمرًا بفتح قبرص، وذلك بعد أن أخذ فتوى بذلك من شيخ الإسلام أبي السعود
أفندي، وعلى أثرها قام الأسطول العثماني سنة 1570م بقيادة الوزير "لالا مصطفى
باشا" بالإغارة على الجزيرة والسيطرة عليها، فظلت الجزيرة منذ ذلك التاريخ
تحت سيطرة الدولة العثمانية حتى فقدوها أثناء الحرب العثمانية - الروسية من عام
1877 - 1878م، وتم تركها لبريطانيا مقابل وعد بتقديم المساعدات المادية للدولة
العثمانية ".
وفي معاهدة
لوزان عام 1923م اعترفت تركيا رسميًا بحق إنجلترا في الجزيرة ".
وفي سنة 1959م
عقدت معاهدتا لندن وزيورخ اللتان تنظمان العلاقة بين الطائفتين اليونانية والتركية
في الجزيرة ".
وفي عام 1960م
حصلت جزيرة قبرص على استقلالها، حيث تعد آخر مستعمرة بريطانية تحصل على الاستقلال،
وانضمت إلى الأمم المتحدة بضمان كل من بريطانيا وتركيا واليونان، وكان الأسقف
مكاريوس أول رئيس لها، والدكتور فاضل كوتشوك نائبًا للرئيس عن الطائفة التركية
".
وفي سنة 1963م
حاول مكاريوس تغيير الدستور الذي ينص على إعطاء الأتراك حق النقض في القرارات التي
تتخذ ومنصب نائب رئيس الجمهورية، وهو الأمر الذي أدى إلى اندلاع المشاكل بين
الطرفين التركي واليوناني ".
وفي سنة 1964م
أرسلت الأمم المتحدة قوة سلام لحماية الأتراك من هجوم اليونانيين، وهددت تركيا
آنذاك بالتدخل لحماية الأتراك، وتدخلت الولايات المتحدة لعرقلة ذلك ومنعه، إلا أن
الطائرات التركية نجحت في 8 و9 أغسطس 1964م في قصف المواقع اليونانية ".
واستمر القبارصة
الأتراك يعانون من تعسف القبارصة اليونانيين واضطهادهم ومحاولات تهجيرهم وإبادتهم
حتى عام 1974م، عندما تحولت المواجهة بين الطائفتين إلى الدموية، وبدأ القبارصة
الأتراك يتعرضون لمذابح جماعية على أيدي القبارصة اليونانيين، مما دفع الحكومة
التركية آنذاك إلى التدخل العسكري في الجزيرة لحماية الأتراك الموجودين بها
".
وفي عام 1983م
أعلنت شمال قبرص انفصالها عن القبارصة اليونانيين، وتم إعلان الجمهورية، وانتخب
رؤوف دنكطاش رئيسًا لها، واعترفت بها تركيا فقط ".