العنوان في الساحة الإسلامية: بعد الاتهام الهندي والتحرش الروسي: الباكستان بين فكي كماشة
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
مشاهدات 60
نشر في العدد 693
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
باكستان، هذه الدولة الفنية في عمر الدول، العريقة في عمر الشعوب مستهدفة منذ قامت وحتى الآن من الخطر الهندوسي الوثني في شبه القارة الهندية، ومن الخطر الروسي الشيوعي الذي حط بجيشه الرهيب في الجارة المسلمة أفغانستان، فأطبق الخطران عليها من الشرق ومن الشمال، يريدان التهامها وتفتيتها باعتبارها عدوًا مشتركًا؛ لأسباب تتعلق بالعقيدة في الدرجة الأولى، وبالاقتصاد والجغرافيا والنفوذ السياسي في الدرجة الثانية.
ولما كان الإنجليز من عاداتهم ألا يخرجوا من منطقة احتلوها إلا بعد أن يتركوها في ظروف مهيأة للانفجار والتمزق ومواجهة مخاطر الفناء والاندثار، فإن الباكستان لم تخرج عن هذه القاعدة باعتبارها كانت أرضًا محتلة من قبل الإنجليز.
وإذا كانت الولايات المتحدة تظهر ودًّا ما تجاه باكستان هذه الأيام؛ فإنه الود المصطنع؛ إذ ليس هناك ود في السياسة، ولكن هناك مصالح، والولايات المتحدة لا تحرص على باكستان كيان إسلامي متميز بقدر حرصها على أن تكون قاعدة نفوذ أمريكي دائم.
وما دام التوتر قائمًا بين باكستان والهند وبين باكستان والروس ممثلًا في حكم بابراك كارمل الذي استعان بما يقرب من مائة ألف جندي سوفييتي؛ ليقهر شعبه - وما هو بقاهره - فإن حديثنا سيقتصر على ما تواجهه باكستان من مخاطر مشتركة هندية - روسية.
الإسلام في الهند:
فالهندوس راعهم أن يصل الإسلام إلى شبه القارة الهندية منذ ما يقرب من ألف عام على يد محمد بن القاسم في عهد عبد الملك بن مروان، وأزعجهم أن ينتشر الإسلام هناك ويتمكن من النفوس في عهد الدولة الغزنوية، ثم دولة المماليك الأتراك في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، وأخيرًا في عهد إمبراطورية المغول الإسلامية في القرنين السادس عشر والسابع عشر التي تركت بصماتها في شبه القارة الهندية حتى الآن، في هذا العدد الهائل من المسلمين في الهند وباكستان وبنغلاديش الذي يتجاوز المائتي مليون مسلم، وفي المساجد والآثار الإسلامية الرائعة التي لا تزال ماثلة حتى الآن مثل «تاج محل» الذي بناه «شاه جيهان».
وحين تمكن الإنجليز من السيطرة على شبه القارة الهندية لم ينسوا مقاومة المسلمين لهم وتعاون الهندوس معهم، فأهملوا المناطق الإسلامية من العلم والثقافة والعمران، وركزوا اهتمامهم على تطوير المناطق الهندوسية، ثم غذوا نار الفتنة بين الهندوس والمسلمين، وشجعوا الهندوس على استلام السلطة عن طريق «حزب المؤتمر الهندي»، فأنشأ المسلمون «حزب الرابطة الإسلامية»، وطالبوا بإنشاء وطن خاص بهم. وهكذا تم تقسيم شبه القارة الهندية عام ١٩٤٧ الى دولتين هما الهند وباكستان. ولم يلبث الهندوس أن ذبحوا الآلاف من المسلمين الموجودين في مناطقهم، ثم انقضوا على منطقة «حيدر أباد» الإسلامية، فضموها إليهم بالقوة، ثم انتقلوا إلى منطقة كشمير الإسلامية، فاحتلوا الجزء الأكبر والأهم منها. فنشبت الحرب الأولى بين الهند والباكستان بسبب كشمير، ولم تلبث الأمم المتحدة أن تدخلت عام ١٩٤٩ فأوقفت القتال، وقررت إجراء استفتاء بين السكان، ولكن الهند رفضت إجراء الاستفتاء لمعرفتها المسبقة بنتيجته التي لا بد أن تكون لصالح الانضمام لباكستان المسلمة.
وما أكثر ما تغنى الكتاب العلمانيون العرب بديموقراطية الهند، متجاهلين حقوق المسلمين المحرومين من تقرير مصيرهم في كشمير. ثم تفجر الصراع مرة أخرى بين الهند وباكستان عام ١٩٦٥، فقامت الحرب الثانية بين البلدين. واستمرت ثمانية عشر يومًا كان النصر فيها للباكستان التي استطاعت تحرير قسم من كشمير، فتدخلت الدول الكبرى، وفرضت وقف القتال. ثم اجتمع شاستري رئيس الوزراء الهندي مع أيوب خان رئيس جمهورية باكستان في طشقند بالاتحاد السوفيتي، وتم توقيع ميثاق طشقند الذي حققت فيه الهند بالسياسة ما عجزت عن تحقيقه بالحرب.
ثم كانت الحرب الثالثة بين الهند وباكستان عام ۱۹۷۱؛ حيث اقتحم الجيش الهندي باكستان الشرقية بمساعدة الروس، وفرض حصارًا على خليج البنغال، ورفضت الصين السماح للجيش الباكستاني العبور من أراضيها للوصول إلى جناحها الشرقي، فدخل الجيش الهندي دكا وأعلن قيام دولة بنغلاديش المنفصلة عن باكستان بقيادة مجيب الرحمن.
هل تنشب الحرب الرابعة؟
وهكذا أسهمت الهند في تفتيت باكستان بالتعاون مع الروس وبقية الدول الكبرى. واليوم تزعم الهند أن باكستان تساعد السيخ على إقامة دولة لهم في منطقة البنجاب الهندية، وتمدهم بالسلاح لهذا الغرض، ولذلك فهي تحشد جيوشها على الحدود الباكستانية، وتهدد بقيام الحرب الرابعة بينهما. ولقد بلغ التوتر ذروته قبيل مقتل أنديرا غاندي. ولعل أول إشارة عن احتمال قيام هذه الحرب صدرت عن راجيف غاندي ابن أنديرا غاندي الذي أصبح رئيسًا لوزراء الهند بعد مقتل والدته، والذي دخل ميدان السياسة عام ۱۹۸۲ إثر مصرع أخيه «سنجاي» في حادث سقوط طائرة هليكوبتر أثناء حملاته الدعائية والانتخابية لأمه أنديرا.
صرح راجيف في ذلك الحين - وكان حديث عهد بالسياسة - أن الحرب الهندية الباكستانية الرابعة على الأبواب. ولعل تصريحًا من هذا القبيل يفتقر لأبسط قواعد الحنكة السياسية.
وما أن أصبح «راجيف» رئيسًا لوزراء الهند بعد موت أمه حتى توجه الرئيس الباكستاني «ضياء الحق» للاجتماع به بمناسبة حضوره مراسم تشییع و«حرق» جثمان والدته، وخرج الرئيس الباكستاني متفائلًا بأن الأزمة مع الهند قد تضاءلت وأن احتمال الحرب قد أصبح بعيدًا. ولكن في تقدير الهند.. يبدو أن ما يجري في الهند من فتنة داخلية بين السيخ والهندوس لا يحلها إلا حرب مع باكستان تصيب أكثر من هدف في نفس الوقت للنظام الحاكم في الهند. الذي تمثلت ديمقراطيته في مذابح المسلمين في آسام ومذابح السيخ في البنجاب ووراثة الحكم عن الأم والأب.
الفك الروسي:
الفك الآخر الذي بدأ ينهش الجسد الباكستاني من جهة الغرب هو الفك الروسي، ويتمثل العدوان الروسي بالغارات المتعددة التي شنتها الطائرات الأفغانية «الروسية» على المهاجرين الأفغان في الأراضي الباكستانية بحجة أنهم يتدربون للعودة إلى أراضيهم وتحريرها من الاحتلال الروسي الرهيب والحكم الشيوعي العميل في كابول.
ومثلما وقف الروس مساندين الغزو الهندي لباكستان عام ۱۹۷۱ وقفت أنديرا غاندي مساندة الغزو الروسي لأفغانستان تقول أنديرا غاندي بهذا الصدد: «نحن لم نندد بالروس؛ لأننا شعرنا أنه إذا ما فعلنا ذلك؛ لوجب علينا أيضًا التنديد بالولايات المتحدة وبعدد آخر من الدول التي فعلت الشيء نفسه». وهذا منطق غريب، فالهنود يبررون عدم تنديدهم بالغزو الروسي لأفغانستان بعدم تنديدهم بدول أخرى قامت بعمل مشابه كالولايات المتحدة، وهذا عذر أقبح من ذنب؛ إذ ما المانع من أن يكون التنديد موقفًا مبدئيًا من العدوان أيًا كان مصدره، ومن المعتدين أيًا كانت هو يتهم؟ ولا سيما وأن الهند تزعم أنها دولة مؤسسة في مجموعة عدم الانحياز. ولكنها المصالح وليست المبادئ هي مقياس الحكم على الأمور، إنها النظرة المشتركة إلى الإسلام والمسلمين باعتبارهم خطرًا محتملًا على العقيدتين الهندوسية والشيوعية والمصالح الهندية والروسية في آن واحد.
ولهذا رحبت الهند بالهيمنة الروسية على أفغانستان المسلمة، ورأت في ذلك إضعافًا لباكستان التي تسعى لتصبح قوة عسكرية تستطيع الوقوف أمام أطماع الهند وأحقادها التاريخية والعقدية في نفس الوقت.
والتهديد الروسي الباكستان لا يقتصر على الغارات الجوية التي تقوم بها الطائرات الأفغانية والروسية، وإنما يتعدى ذلك إلى القذائف المدفعية وتهريب الأسلحة إلى المعارضين للحكومة الباكستانية، بل أن الاتحاد السوفياتي يدعم الحركات الانفصالية في باكستان ويشجعها على ذلك، ويوعز لعميله «بابراك كارميل» أن يعلن من موسكو مساندته «لشعب بلوشستان في نضاله ضد حكم إسلام آباد». وهذه ليست قضية معارضة سياسية، إنها عملية تفتيت أخرى لباكستان بعد انفصال بنغلاديش. أنها ضد وجود دولة مسلمة تحاول أن تلحق بركب «النادي النووي» بعد أن فجرت الهند قنبلتها النووية الأولى، وتستعد لتفجير قنبلتها الثانية.
لأنها دولة مسلمة:
نحن لا ندافع عن نظام الحكم في باكستان، ولكننا ندافع عن دولة مسلمة يحيط بها التآمر من كل جهة، ويراد لها الفناء والاندثار أو الانضواء تحت مظلة هذه الدولة غير الإسلامية أو تلك، والدب الروسي الذي انقض على أفغانستان المسلمة لا يتورع عن الانقضاض على باكستان المسلمة بالأصالة أو بالوكالة متى وجد من الفرصة سانحة، وهو يفضل ألف مرة أن تكون باكستان تدور في فلك الأمريكان على باكستان مسلمة قوية. ولعل المساومة تجري بين العملاقين على أن يتنازل كل منهما للآخر، أي تتنازل روسيا لأمريكا عن باكستان مقابل تنازل أمريكا لروسيا عن أفغانستان، وما مساعدات الأمريكان الموهومة لثوار أفغانستان المسلمين إلا من قبيل الضغط الدعائي لتشويه صورة الثورة الأفغانية الإسلامية من جهة ولاتخاذ ذلك ورقة يساومون عليها الروس. وفي المقابل فإن الضغط الروسي على باكستان يستهدف من جهة إجبار باكستان عن رفع يد المساعدة - حتى وإن كانت إنسانية - عن المهاجرين الأفغان، ومن جهة أخرى دفع باكستان للقبول بالمظلة الأمريكية أو السقوط في أتون الاحتلال الروسي أو الهندي أو تفتيتها إلى دويلات، بحيث تفقد فاعليتها وقوتها واحتمال نهضتها ودخولها مضمار الدول النووية..
ولعل الكيان اليهودي في فلسطين أكثر ما يزعجه أن تتمكن دولة إسلامية من تفجير قنبلتها النووية الأولى، ولا يهمه نوعية نظام الحكم الذي يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها. ولطالما هدد باكستان وتوعدها، وما حصل بالنسبة للمفاعل النووي العراقي ليس ببعيد. فما هي المصلحة المشتركة بين الهند وروسيا والكيان اليهودي في تهديد باكستان؟ إنه العداء المشترك للإسلام والمسلمين.
فهل يعي المسلمون ذلك؟ وهل يترجمون هذا الوعي إلى عمل دؤوب من أجل وحدة هذه الأمة ودفع الأخطار عنها؟